السوري في تركيا: بين وطنٍ لا يحتضنه ومنفى لا يريده
15. نوفمبر 2025
منذ حوالي عامين، بدأت تركيا تنتهج سياسة مختلفة تجاه اللاجئين عموماً، والسوريين خصوصاً. فجأةً، تحوّلت الأحياء التي عاشوا فيها لسنوات إلى أماكن مراقبة، والمنازل إلى أهداف للتفتيش والمداهمة. ومع كل مداهمة تسلل الخوف إلى تفاصيل حياتهم اليومية، حتى صار الترحيل واقعاً لا يمر يومٌ دون أن يسمع به أحد، وأصبحت خرائط وجود السيارة الحمراء الخاصة بالهجرة تنتشر بين السوريين في مواقع التواصل لتحذير بعضهم البعض من تهجير قسري ربما يعيده إلى الموت الذي هرب منه.
هذه السياسة لم تأتِ من فراغ؛ فقد سبقها تصعيد سياسي كبير قادته بعض الأحزاب المعارضة، التي حمّلت السوريين مسؤولية أزمات البلاد الاقتصادية، وروّجت لإشاعات جعلت وجودهم في تركيا سبباً للتضخم وارتفاع الأسعار وقلة الوظائف، ومع الوقت، تغيّر المزاج العام تجاههم، وبدأ السوري يشعر بأن بقاءه نفسه صار موضع جدل.
إجراءات التضييق لم تتوقف عند فرض «إذن السفر» بين الولايات، وإغلاق بعض الأحياء في وجهه ليعيش تحت رحمة المؤجر، ورفع الجارات، بالإضافة إلى صعوبة استخراج إذن العمل واستغلال اصحاب المعامل فيضطر العامل في المصنع أو ورشات الخياطة المنتشرة في الولايات التي يتجمع بها السوريين، للعمل برواتب أقل وساعات عمل أكثر، بل تصاعدت حتى أصبحت الحياة اليومية مليئة بالقيود ولم تعد عمليات الترحيل استثناءً، بل روتيناً يومياً لقوات الأمن الداخلي، تُنفّذ لأسباب واهية -وأحياناً بلا سبب على الإطلاق-، كما يروي كثير من السوريين.
تضييق الخناق والعنصرية
وسط هذه الأجواء التي تغذيها المنافسات الحزبية في تركيا عاش السوريين حرباً إضافية، هذه المرة ضد العنصرية التي يتعرضون لها في بعض المدن التي خضعت بعد الإنتخابات البلدية للأحزاب المعارضة، وقد تحولت هذه العنصرية في بعض الحالات إلى اعتداءات واضحة، وإن حاولت الدولة مع بعض النشطاء الأتراك الدفاع عن حق الإنسان السوري بطلب حياة كريمة في منفاه ريثما يعود إلى بلده.
يرى بعض السوريين أن سبب هذه العنصرية هو عدم محاولة المجتمع المدني التركي والسوري في تركيا خلق جو من الألفة والاندماج بين الشعبين
يرى بعض النشطاء السوريين أن سبب هذه العنصرية هو عدم محاولة المجتمع المدني التركي -ومنظمات المجتمع المدني السوري في تركيا- خلق جو من الألفة والاندماج بين الشعبين.
ولعل تقوقع الكثير من السوريين على أنفسهم ورفضهم المباشر أو غير المباشر للاندماج مع المجتمع التركي كان أحد أسباب مشاكلهم وعدم استقرارهم وفقدانهم للأمان.
تحرير في الوطن وتضييق في المنفى
بعد سقوط النظام في سوريا، ظنّ السوريون أن الانفراج قد بدأ أخيراً، لكن الواقع جاء أقسى مما توقعوا. فبين وطنٍ لم يتعافَ بعد، ومنفى يضيّق عليهم الخناق، وجدوا أنفسهم عالقين بين خوفين. الأول هو خوف العودة والثاني هو خوف البقاء. لكن عدداً لا بأس به منهم عاد طوعاً إلى بلده رغم صعوبة الأوضاع فيها، معللاً ذلك بغلاء المعيشة في تركيا ويأسه من تغير سياسة التضييق والتمييز التي يعيشها.
بينما يحاول من بقي في تركيا العيش على أمل تحسّن الأوضاع، خاصة أولئك الذين ولدوا في تركيا أو الذين مازالوا يدرسون فيها. لكنهم صدموا بواقع أكثر قسوة، فالمنازل التي خلت لم تخفّض إيجاراتها، والمناطق المغلقة لم تُفتح. وظهرت بدلاً من ذلك قيود جديدة: «البصمة الأسبوعية» والتي تحدد مكان إقامة السوري وتقيّده ضمن ولاية واحدة. فُرض هذا القيد سابقاً على من يخالف تعاليم إذن السفر، ثم أصبح يفرض بعد تحرير سوريا على من يغير سكنه وإن كان لم يغير الحي. تلك البصمة كانت تمتد لستة أشهر قبل أن تتحول لاحقاً إلى بصمة دائمة تلازمه طوال فترة وجوده في البلاد.
هذه الإجراءات جعلت الكثيرين يعودون إلى سوريا، حتى لو كانت عودتهم إلى خيمة تُقام على أرضٍ كانت يوماً بيتاً دافئاً ومع كل خطوة جديدة في التضييق، يتراجع الأمل في إيجاد حياة آمنة أو قانون واضح يحمي من تبقى. فالسوري ما زال يعيش تحت بند «الحماية المؤقتة»، دون أن يُعامل كلاجئ له حقوق، ولا كمقيم له استقرار.
أمل يدوم
رغم كل ما مرّ به السوريون في تركيا من تضييق وخوف وعدم استقرار، ما زال في داخلهم حلم لا ينطفئ، وذلك بوجود جالية سورية صادقة وقوية، تعبّر عنهم وعن تطلعاتهم، وتدافع عن حقوقهم بكرامة. حلمٌ بوجود قانون واضح يحميهم، ويمنحهم الأمان من الترحيل والملاحقة، ويحول الحماية المؤقتة التي تسرق حقوقهم كلاجئين، إلى بطاقة لجوء وفق اتفاقية جنيف لعام 1951 والتي تحمي اللاجئ في أي بلد من الترحيل والإساءة وتحمي حقوقه في البلد المُضيف.
وحلمٌ بسفارة سورية تفتح أبوابها لهم لا لتراقبهم، بل لتستمع لشكواهم وتساندهم في منفاهم ريثما يقررون -بحريةٍ كاملة- العودة إلى وطنٍ آمن، عادل يستقبل أبناءه لاجئين سابقين، ومواطنين دائمين.