وهم الأغلبية السنيّة

22. نوفمبر 2025

في سوريا التي مزقتها خمسون سنة من حكم عائلة واحدة، لم يعد الركام مجرد مشهد بصري، وإنما إشارات تقول إن ما قُدّم على أنه «حقائق راسخة» لم يكن إلا أوهاماً، ويبدو أشدها وهم «الأكثرية السنية»، الذي انهار عند أول اختبار.

أغلبية مشتّتة

لهذا الوهم جذور عميقة، ففي العهد العثماني كان الإسلام جزءاً من شرعنة الخلافة في إسطنبول. إلا أن سنة سوريا ظلّوا رعايا دون مرجعية خاصة بهم، وعلماء المدن مجرد منفذين لأوامر الباب العالي. أما الأقليّات غير المسلمة فقد منحهم نظام المليّات نوعاً من الاستقلال الإداري، على عكس السنة الذين ظلوا تابعين وذابوا في هوية السلطنة.

جاء الفرنسيون ليكملوا هذا التشظّي، فقطعوا الطريق على أي إمكانية لتشكّل أي كتلة موحدة عندما قسّموا سوريا إلى كيانات: دولة العلويين، دولة جبل الدروز، دولة دمشق، دولة حلب. ومع الوقت، صار الانقسام الداخلي جزءاً من البنية السنية: المدن بحثت عن السلطة والنفوذ، وبقي الريف فريسة الفقر. 

كان الفارق بين الريف والمدينة شاسعاً. ففي دمشق وحلب، عاش التجار والوجهاء والعلماء في عالم من التعليم والمال والتجارة، بينما كان الفقر سيد الموقف في حماة وحمص وأرياف حلب. ولم يكن التناقض اقتصادياً فقط، بل اجتماعيا وثقافياً. هذا حوّل «الأكثرية» إلى جماعات متباينة المصالح، يصعب جمعها في مشروع واحد.

دور الدين في الانقسام

حتى الدين لم يكن مساحة جامعة. السلفية برزت بخطابها المهاجم للأشعرية والصوفية. وتمسكت الأخيرة بتقاليدها رغم اتهامها بنشر الجهل والتخلّف. ثم جاء سنّة التيار العلماني بأشكاله المختلفة (اليساري والقومي والليبرالي) ليضيف صراعاً جديداً. لم تكن هناك مرجعية جامعة، بل مشهد مليء بالتنافس والاتهامات.

هذا الانقسام انعكس على المساجد، فعوضاً على أن تكون مساحة لكل السنة، كان لكل تيار مسجد، فخطيب يمجّد الصوفية، وآخر يهاجمها، وثالث يرفض أي تنوع. ثم جاءت الفضائيات الدينية لتزيد الشرخ. كان لكل تيار منبره وجمهوره. والمدارس الشرعية تحولت إلى جزر منفصلة، أشعرية وسلفية وأخرى ذات ميول إخوانية، ما جعل الانتماء الديني يتجزأ. صار الفرد يعرف نفسه من خلال تياره، لا من خلال الهوية الجماعية «السنية». 

الشق الاجتماعي–الاقتصادي لم يكن أخف وطأة. أبناء الطبقة التجارية في دمشق وحلب عاشوا انفتاحاً واستقراراً، بينما تمسّك أبناء الريف الفقير في إدلب ودير الزور وحماة بنمطٍ محافظ. ومع ثورة 2011 ظهر التفاوت بوضوح: فالفصائل الريفية قاتلت النظام حتى النهاية، بينما فضّلت نخب المدن الكبرى الحياد أو المساومة، فلم تكن الأكثرية جسداً واحداً على الإطلاق.

وكان لمجزرة حماة 1982 دوراً أيضاً. فلم تكن مجرد إبادة، بل صدمة جعلت بقية المدن تخشى المصير ذاته، فاختارت الصمت. وعمقت الكوارث المتكررة خلال الثورة هذا الجرح، فمع حصار الغوطة وتدمير حلب وتهجير سكان حمص، صار الخذلان شعوراً عاماً. والمخيمات شعرت بأن المدن تخلت عنهم. ثم جاءت المجازر ضد العلويين والدروز بعد سقوط نظام الاسد، لتكمل انهيار صورة السنة كـ«ضحايا فقط»، وتضعهم في خانة المرتكبين. هكذا تحولت الذاكرة الجماعية إلى عبء. 

النزوح وانهيار الأسطورة

ولا يمكن فصل انهيار وهم الأكثرية عن سلاح التهجير. فمنذ بدايات الثورة، استخدم النظام سلاح التهجير القسري لإعادة تشكيل الخريطة السكانية. حلب الشرقية، حمص القديمة، داريا، الغوطة الشرقية، درعا، كلها أمثلة على مدن وأحياء أُفرغت من سكانها السنة وأرسلت حافلات التهجير قسراً نحو الشمال أو إدلب. لم يكن ذلك مجرد تغيير في الجغرافيا، بل تفكيك للنسيج الاجتماعي ذاته. وتحولت المجتمعات السنية المستقرة إلى مجموعات متناثرة بلا أرض تجمعها.

كان للهجرة الخارجية أثراً أوسع، فملايين السنة السوريين وجدوا أنفسهم خارج البلاد ما جعلهم يعيشون مفارقة غريبة، فبالرغم من أنهم أكثرية بالعدد، إلا أنهم أصبحوا أقلية بالفعل، في الداخل تقلّص وجودهم في المدن الكبرى، وفي الخارج تحولوا إلى لاجئين، ينظر إليهم المجتمع الدولي كضحايا إنسانيين لا كمكون سياسي فاعل. 

هذا الانقسام الجغرافي أنتج انقساماً في الهوية. مهجّر المخيم له أولويات تختلف عن لاجئ أوروبا، وتختلف عن النازح في الشمال السوري. 

ومن جهة أخرى، كان الفرد الذي هُجّر من بيته يرى نفسه ضحية بعد أن كان جزءاً من أكثرية. ومع المجازر التي تلت سقوط النظام، انقلبت الصورة من «أكثرية ضحية» إلى «أكثرية مُتهمة»، ما ساهم في تحويل العرب السنة من كتلة داخلية صلبة إلى مجتمع فاقد للثقة بنفسه وبغيره.

المواطنة هي الحل الوحيد

بعد هذا المسار الطويل، من العثمانيين إلى الفرنسيين، من حافظ إلى بشار، من الثورة إلى سقوط النظام، اتضح أن وهم الأكثرية لم يكن سوى قناع هش. والنتيجة مدن مدمرة، ملايين مشردين، مجتمع مفكك. الخطاب الطائفي لا يقدم حلاً، فقط يقود نحو التقسم. لكن من تحت الركام ظهر خيار آخر: المجتمع المدني والهوية الوطنية.

يستمر المجتمع المدني السوري – رغم ضعفه – بإثبات إمكانية ربط السوريين عبر العمل المدني لا عبر الطائفية، فالهوية الوطنية ضرورة وليست خياراً، فهي تعيد تعريف انتماء الفرد على أنه «سوري»، له حقوقه كمواطن لا كعضو في طائفة. ومع ذلك فإن بناء هذا الانتماء يحتاج إلى عمل طويل يبدأ من المدرسة والإعلام والمبادرات المدنية، ويحتاج إلى ترميم الثقة بين المكونات وتجاوز ذاكرة الخوف.

الطريق طويل لكنه واضح: إما أن نختار المواطنة والدولة المدنية، وإما البقاء أسرى لأوهام قاتلة، فالمواطنة ليست شعاراً، بل شرط بقاء، ومن دونها لن يبقَ من سوريا سوى اسم كان يوماً ما يدل على «وطن واحد».

العودة إلى الأعلى
Cover image

مفيد عز الدين

كاتب سوري

أحدث الأعداد

  • سبتمبر 2025

    عدد 28

  • أغسطس 2025

    Issue 27

  • يوليو 2025

    Issue 26

  • يونيو 2025

    Issue 25

  • مايو 2025

    Issue 24

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني.

* يشير إلى الحقول المطلوبة
العربية