عودة الثقافة السورية
13. آذار 2026
لعقود طويلة عاشت الثقافة السورية في ظل الدولة الأمنية. واليوم، مع سقوط النظام، بدأ الكتّاب والفنانون يستعيدون الفضاء العام ويعيدون التفكير في معنى الثقافة نفسها.
لم تكن الثقافة في سوريا يوماً نشاطاً فكرياً منفصلاً عن الواقع السياسي، بل ارتبطت دائماً بطبيعة السلطة وبشكل العلاقة بين الدولة والمجتمع، ولهذا فإن التحولات التي شهدتها البلاد منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011 لم تقتصر على المجالين السياسي والعسكري، بل طالت البنية الثقافية نفسها.
فقد انتقلت الثقافة السورية من مرحلة يمكن وصفها بثقافة الاستبداد إلى مرحلة جديدة ما تزال في طور التشكل يمكن تسميتها بثقافة ما بعد الاستبداد، غير أن هذا الانتقال لم يكن انتقالاً مباشراً من القمع إلى الازدهار، بل مساراً معقداً كشف عن أزمات عميقة في بنية الحياة الثقافية السورية.
ثقافة الاستبداد: الثقافة تحت سقف السلطة
على مدى عقود طويلة تشكّل المجال الثقافي السوري ضمن منظومة رقابية صارمة فرضها النظام السياسي، وجعلت الثقافة تعمل داخل حدود رسمتها السلطة الأمنية والسياسية، فالمؤسسات الثقافية الرسمية، مثل اتحاد الكتّاب العرب والمراكز الثقافية الحكومية كانت أدوات لتنظيم المجال الثقافي وضبطه.
في هذا السياق ظهرت عدة سمات بارزة، أولها احتكار المؤسسات الرسمية للحياة الأدبية والفكرية، إذ كان الاعتراف بالمبدعين غالباً يمر عبرها. وثانيها الرقابة الواسعة والخطوط الحمراء السياسية التي دفعت كثيراً من الكتّاب إلى اللجوء إلى الرمزية أو النقد غير المباشر. أما السمة الثالثة فتمثلت في ميل بعض الأدباء إلى الانسحاب من الشأن العام والانشغال بموضوعات بعيدة عن السياسة، بينما فضّل آخرون التماهي مع خطاب السلطة أو الترويج لشعاراتها.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011 بدأت هذه البنية الثقافية بالتفكك، فقد تعرّض عدد كبير من المثقفين للاعتقال والملاحقة، واضطر كثيرون إلى الهجرة، ما أدى إلى إفراغ الداخل السوري من جزء مهم من طاقته الثقافية وخلق فجوة بين المشهد الثقافي في الداخل ونظيره في المنفى.
الأدب السوري قبل الثورة وبعدها
أحدثت الثورة تحولاً واضحاً في طبيعة الأدب السوري هو أحد أبرز منتجات الثقافة في المجتمع. فبينما كان الأدب قبل عام 2011 يميل غالباً إلى الرمزية أو النقد غير المباشر للاستبداد، أصبح بعد الثورة أكثر جرأة ومباشرة في مقاربة الواقع السياسي والإنساني.
ومن الأعمال التي كشفت مبكراً بنية القمع رواية «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة» (2013) للروائي خالد خليفة، التي قدمت صورة قاتمة للحياة تحت الاستبداد. ثم جاءت روايته «الموت عمل شاق» 2016 لتصوّر رحلة عائلة سورية تنقل جثمان الأب عبر جغرافيا الحرب لدفنه في قريته، في سردية تختزل انهيار المكان والإنسان السوريين.
كما انشغلت الروائية ابتسام تريسي بتوثيق التحولات الاجتماعية والنفسية التي عاشها السوريون خلال سنوات الثورة، كما في روايات «مدن اليمام» (2014)، و«كاليجولا في دمشق» (2021)، و«ليلاف الثلج الجاف» (2023)، حيث تظهر شخصيات تعيش في عالم ممزق بين العنف والدمار، باحثة عن معنى للحياة وسط الانهيار الاجتماعي والسياسي.
الرواية السورية: بين التوثيق والتخييل
بعد عام 2011 تحولت الرواية السورية إلى مساحة للتوثيق والشهادة. فقد شعر كثير من الكتّاب بأن ما جرى في سوريا يتجاوز قدرة الأدب التقليدي على التعبير، فظهرت نصوص تمزج بين السرد الروائي واليوميات والشهادة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك أعمال الكاتبة سمر يزبك، التي قدمت في نصوصها عن الثورة تجربة تجمع بين السرد الشخصي والتوثيق السياسي، كما في كتابها «تقاطع نيران» (2012)، حيث يتحول الكاتب إلى شاهد مباشر على العنف والدمار الذي أصاب المجتمع السوري.
وفي اتجاه آخر، حاولت بعض الروايات إعادة بناء التجربة السورية عبر تقنيات سردية تجريبية، مثل رواية «لن يقاسموني التل» (2024) للكاتبة سميرة بدران، التي تمزج بين الشعر والسرد لتروي تجربة أم تبحث عن ولديها المعتقلين في سجون النظام، في صورة تمثل مأساة آلاف العائلات السورية.
أما الروائي فواز حداد فقد قدم في أعماله قراءة نقدية عميقة لبنية الاستبداد، مسلطاً الضوء على العلاقة المعقدة بين السلطة والمجتمع، كما في روايتيه «السوريون الأعداء» و«جمهورية الظلام»، ومؤخرا «الروائي المريب»، والتي عكست تجربته وتجربة آخرين من الوسط الثقافي في الأنظمة الدكتاتورية، عندما يصبح الروائي مبعثاً للريبة لامتلاكه مساحة كبيرة للتعبير مع القدرة في التحايل على الرقابة.
تكشف هذه الأعمال أن العقد الأخير شهد نشوء تيار روائي يتمحور حول الذاكرة والحرب والمنفى بوصفها عناصر مركزية في التجربة السورية المعاصرة.
ملامح المشهد الثقافي بعد التحرير
مع سقوط النظام ودخول البلاد مرحلة سياسية جديدة بدأت الحياة الثقافية في الداخل السوري تستعيد بعض حيويتها بعد سنوات طويلة من التجميد. فقد أُعيد فتح بعض المراكز الثقافية، ونُظّمت فعاليات أدبية وفنية، وبدأ النقاش العلني حول قضايا الهوية الوطنية والذاكرة والتاريخ.
كما اتخذت وزارة الثقافة خطوات لإعادة تشغيل المؤسسات الثقافية وتنظيم مهرجانات ومعارض فنية. وكان افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب عام 2026 حدثاً رمزياً مهماً يشير إلى عودة الحياة الثقافية إلى الفضاء العام.
غير أنَّ التحول الثقافي لا يقتصر على عودة الفعاليات، بل يتجلى أيضاً في تغير طبيعة الخطاب الثقافي نفسه، فقد بدأت تظهر موضوعات لم يكن من الممكن تناولها علناً سابقاً، مثل نقد الاستبداد، والذاكرة الجماعية للحرب، وقضايا العدالة الانتقالية، ومصير المعتقلين والمفقودين.
كما برز دور المبادرات الثقافية المستقلة التي نظمها كتّاب وفنانون خارج الإطار المؤسسي التقليدي، عبر لقاءات ثقافية وورشات أدبية ومشاريع فنية مستقلة، مستفيدين من هامش الحرية الجديد.
الثقافة بين التحديات وإمكانية النهوض
مع ذلك ما تزال هذه التحولات في بدايتها، إذ تواجه الثقافة السورية تحديات كبيرة، منها ضعف البنية المؤسسية، وقلة الموارد، واستمرار تشتت عدد كبير من المثقفين في المنافي.
لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن المجتمعات التي تمر بكوارث كبرى قد تمتلك قدرة استثنائية على إعادة ابتكار ثقافتها، فالثقافة التي ولدت من تجربة السوريين خلال العقد الأخير لن تكون نسخة من ثقافة ما قبل عام 2011، بل ثقافة جديدة أكثر انشغالاً بأسئلة الحرية والعدالة والذاكرة والهوية.
لذلك فإن مستقبل الثقافة السورية لن يتحدد بعودة الفعاليات الثقافية فحسب، بل بقدرة المجتمع الثقافي على تحويل تجربة الحرب والألم إلى معرفة وإبداع وذاكرة مشتركة، وعندها فقط يمكن أن تتحول الحرية التي ولدت بعد الاستبداد إلى مشروع ثقافي حقيقي يعيد بناء الوعي الوطني ويمنح الثقافة السورية دورها الطبيعي في حياة المجتمع.