فيروز كما يعرفها السوريون اليوم

15. يناير 2026

فيروز حاضرة في حياة السوريين منذ ما قبل الحرب، في البيوت والمقاهي والطريق إلى العمل. ما تغيّر هو السياق الذي صار يُسمَع فيه.

في بداية الشهر الماضي، حين عدتُ إلى بلدي سوريا، عادت الكثير من الذكريات إليّ، كانت أولها الفنانة فيروز، التي رافقتني بصوتها الدافئ حتى أثناء اعتقالي.

فأثناء الاستجواب كانت أغانيها تأتيني من بعيد كأنها صدى يخرج من قلبي، بينما كانت أصوات الصراخ والتعذيب تختلط من الممرات المجاورة. لقد كان تجسيداً صارخاً للمفارقة السورية: صوت دافئ وحميم يتناقض مع عنف وحشي، وفيروز تهمس لي: «يا جبل البعيد خلفك حبايبنا».

ومع ذلك، لم أستطع أن أكره فيروز وتحميل صوتها مسؤولية السياق الذي استُخدم فيه، كما لم يستطع ابنها زياد الرحباني الذي انحاز للقاتل ضرب وجودها في الضمير السوري. بقيت فيروز ذكرى أعمق من السجن، واوسع من الخوف، وأقوى من أي محاولة لتشويهها.

فإنها صباحات الشتاء قبل أن تتحول الطرق إلى نقاط تفتيش، وقبل أن تصبح المدارس مواقع عسكرية. إنها صوت الأمهات في المطابخ، صوت الطريق إلى العمل أو المدرسة، عندما كان القلق اليومي يدور حول التأخر.

فيروز هي حالتنا الوجدانية التي تربطنا بسوريا الوطن الذي نحب على مدى الأعوام التي تعاقبت.

صوتٌ بعيد عن الانتماءات السياسية

في بلدٍ بات فيه كل شيء مُسيّساً، ظلّ صوت فيروز خارجاً عن الانتماءات السياسية، وغنت للشام، لا لسوريا الأسد. 

لم ترفع شعارات، ولم تُبرّر القمع، ولم تُشارك في تبرير العنف الذي انخرط فيه العديد من الفنانين في المنطقة بعد عام ٢٠١١، ففيروز لم تُخيّب آمالنا.

لم تُمجّد القتل، ولم تُحوّل الجريمة إلى «ضرورة وطنية»، ولم تعتلِ منصات السلطة لتُغنّي عن الدمار، وكان هذا الغياب، في حدّ ذاته، موقفاً سياسياً دقيقاً وواضحاً.

لم تكن فيروز صوت الثورة، ولكنها لم تكن أيضاً صوت النظام، والذي استعاض عنها أعوانه بأناشيد طائفية وشعبوية.

كانت أقرب إلى أحلامنا الأولى: إنسانية، بسيطة، وغير قابلة للتلاعب السياسي المباشر.

فيروز في المنفى: وطن متنقل

لم تنقطع صلتنا بفيروز في المنفى، ففي المقاهي السورية في إسطنبول وبرلين وعمّان ولاهاي، يعود الصوت نفسه كأننا نحملها معنا كقطعة من وطننا لا تحتاج إلى جواز سفر، ولا تخضع للحظر أو الرقابة.

في المنفى، تصبح فيروز لغة مشتركة بين غرباء يجمعهم الفقد: لا تسأل من أين أتيت، أو لماذا رحلت، أو ما هو موقفك السياسي، وإنما ذاكرة جماعية لا تحتاج إلى تفسير، مساحة محايدة نلتقي فيها دون خوف.

فيروز في مقاهي دمشق

عند عودتي إلى دمشق، كانت فيروز حاضرة في كل مكان تقريباً. صورتها معلقة في المقاهي كرمز للأصالة، واستُلهمت أسماء العديد من المقاهي من أغانيها: «عالمفرق»، «بما إنو»، «نسم علينا الهوى»، «صباح ومسا» وغيرها الكثير.

هذا الحضور ليس مجرد تفصيل جمالي عابر، بل تمثل ملاذاً آمناً في مدينةٍ تُجبر على التعايش مع الخوف. صوتها لا يُثير غضب السلطات، ولكنه يُعبّر عن الكثير: ما زلنا نبحث عن السلام، عن حياة طبيعية، حتى في أبسط صورها.

لماذا فيروز تحديداً؟

لأن صوتها لا يصرخ، ولا يأمر، ولا يُصدر أحكاماً، ولا يطلب منا شيئاً، لأنه يُذكّرنا بأننا كنا بشراً قبل أن نُختزل إلى مجرد أرقام، أو معتقلين، أو لاجئين.

بالنسبة للسوريين اليوم، تمثل فيروز رابطاً عاطفياً بين عالمين: عالم الهدوء الذي عرفناه، وعالم الفوضى والحرب الذي شُنّ علينا حين طالبنا بتغيير جذري وسلمي. 

صوتها هو الجسر الذي لا يزال يربطنا بماضٍ لم يُمحَ تماماً من الذاكرة. خلال سنوات القصف والبراميل المتفجرة، كانت أغاني فيروز كالأحلام: وطن آمن، ونافذة مفتوحة، ومدينة لا يخشى سكانها السماء.

العودة إلى الأعلى

كاتبة وصحفية سورية مدافعة عن حقوق الإنسان

رأي

منى عبود

ذاكرتنا الثورية ليست موضة رمضانية

في كل موسم رمضان، تعود بعض الأعمال الدرامية إلى نبش الثورة السورية سعياً وراء جذب المشاهدين. وهذا العام، يطلّ مسلسل جديد مستحوذاً على اسم «قيصر» ليُفرغه من معناه. أمّا بالنسبة لمن ذاقوا الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري، فذاكرتنا ليست مادةً للاستهلاك التلفزيوني.

01. مارس 2026

هبة عز الدين

ما سمعته في المسجد

في سوريا ما بعد الديكتاتورية، يثير أحمر الشفاه عاصفةً من الغضب تفوق تلك التي يثيرها الفساد نفسه. همسةٌ عابرة في مسجد كشفت لي بلداً يحاول أن يمسك بزمام مستقبله عبر فرض وصايته على وجوه النساء.

27. فبراير 2026

كنان النحاس

بحثاً عن العدالة الانتقالية وتشويه التاريخ

 هل يمكن حقاً لتجربة ألمانيا بعد الحرب أن تشكّل نموذجاً يحتذى به في العدالة الانتقالية في سوريا؟ نظرة أدق تكشف واقعاً أكثر تعقيداً – وأكثر عنفاً – بكثير من الصورة المختزلة في محاكمات نورمبرغ. على سوريا أن تصوغ مسارها الخاص نحو العدالة، مساراً يرتكز إلى سيادة القانون والمساءلة وحقوق الضحايا.

25. فبراير 2026

ياسر الظاهر

شبح الركود لا يقل خطورة عن الثورة المضادة

بينما ترسم القيادة السورية الجديدة مسار ما بعد الأسد، تواجه معضلة حادّة: كيف تحمي الثورة من خصومها من دون أن تخنق التعددية التي وعدت بها يوماً؟

21. فبراير 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية