مسارات الجهادية بين رحلتين!
11. نوفمبر 2025
سبعة وسبعون سنة وسبعة أيام تفصل بين رحلتي سيّد قطب وأحمد الشرع إلى أمريكا.
ابتعثت وزارة المعارف المصرية سيد قطب إلى الولايات المتحدة في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1948 في «مهمة ميدانية» للاطلاع على «المناهج وأصول التربية»، وشملت جولته مدناً مختلفة شملت نيويورك وسان فرانسيسكو.
كان قطب حينها كاتباً معروفاً بانتقاداته للحكومة والقصر وكان في طريقه للانتقال من الطور العلماني- الليبرالي نحو بدايات انتقاد وصاية الغرب وهيمنته على مصر والبلاد العربية، ورغم أنه لم يكن منتمياً إلى جماعة إسلامية بَعْد فقد بدأ بنشر أفكاره عن إقامة مجتمع إسلامي.
جذور التطرف
بعد عودته خصّ قطب مجلة «الرسالة» بمقالات نشرها في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1951 (جمعها لاحقاً في كتاب بعنوان «أمريكا التي رأيت»)، كما يشير إلى تلك الرحلة في كتابه «في ظلال القرآن». يُظهِر قطب في المقالات نوعاً من الصدمة والرفض المتركزين على العادات الاجتماعية الأمريكية فيما يخص الدين والمرأة والجنس، وحتى في الأسطر القليلة التي يشرح فيها «فضائل أمريكا» فإنه يضعها في إطار ما يعاكسها فهي تمتلك «فضائل الإنتاج والنظام، لا فضائل القيادة الإنسانية والاجتماعية، فضائل الذهن واليد، لا فضائل الذوق والشعور».
تشكّل تلك الرحلة، بهذا المعنى، انتقالاً من مرحلة كان قطب فيها ناشطاً لعشرين عاماً ضمن دوائر النخبة الأدبية ذات التوجه العلماني المهيمنة على الحياة الثقافية المصرية، حيث كتب الرواية والشعر والنقد والمقالة، وتهجّم على أدباء «إسلاميي» التوجه، وشكّك في «خلط الدين بالسياسة»، واعتبر أن الإسلام واللغة العربية عنصران غريبان عن الأمة المصرية، وتحوّل بعد انقلاب عام 1952 إلى مُنظّر رسمي للثورة، وكان «الضباط الأحرار» يزورونه في بيته في حلوان، كما كان يتواجد في مركز قيادتهم، وكان له أحياناً مكتب فيه.
أحسّ قطب بالخذلان من رفض جمال عبد الناصر، وأقطاب المصرية الجديدة، تعيينه في موقع قيادي (كان يطمح لمنصب وزير المعارف)، ووجد قطب في «الإخوان المسلمين» التيار الجماهيريّ البديل الحركيّ لأحلامه بانقلاب آخر يقوده، ولنشاطه وأفكاره، وساهمت دينامية الصراع بين العسكر والإخوان، والقمع الذي تعرّض له عناصر الجماعة، وسجن قطب، لتجذير أفكاره وتأسيسه تياراً داخل الجماعة سيكون الأم الحاضنة والملهمة لجماعات الجهادية المسلحة التي كان تنظيما «القاعدة»، و«الدولة الإسلامية» ذروتها الحركية والأيديولوجية التي زلزلت المنطقة العربية والعالم.
ما بعد الخلافة
تمثّل حياة أحمد الشرع، بهذا المعنى، أحد تجلّيات المسارات الشائكة والمعقّدة للتيارات التي ساهمت انقلابات حياة قطب، وتنظيراته، وآثره على الحركات الإسلامية العربية والعالمية، في تشكيلها.
في المجال العربي، قد تتّضح الصورة أكثر إذا أخذنا إحداثيات هذين المسارين وقارنّاها مع مسار نظم الانقلابات العسكرية ما بعد الاستقلال، وأطروحاتها الأيديولوجية، وهزائمها، وصولاً إلى ما يمثّله انهيار نظام الأسرة الأسدية في سوريا في إعلان الهبوط المدوّي لهذا المسار، والذي شهدنا تفسّخاته وانحطاطه في السودان، واليمن، والعراق وليبيا، وراقبنا منازعته الدامية في الجزائر ومصر.
كان الشرع في التاسعة عشر من عمره حين جرى هجوم تنظيم «القاعدة» على نيويورك (11 أيلول/ سبتمبر 2001)، واندفع، مع مئات الشبان السوريين حينها، إلى العراق بهدف محاربة القوات الأمريكية التي اجتاحت العراق، حيث انضم لتنظيم «القاعدة»، وشارك في التمرد المسلح ضد الأمريكيين حتى اعتقالهم له عام 2006.
تزامن إطلاق الشرع من السجن، في العام 2011، مع حدث تأسيسي في اشتباك وتعقّد مآلات المسارين المذكورين آنفاً وهو انطلاق الثورة السورية ضد نظام الأسد، ويجب أن يمثّل هذا الحدث والديناميّات التي أطلقها حجر أساس في التطوّرات التي تلت، بدءاً من تأسيس «جبهة النصرة» (كفرع شاميّ لـ«القاعدة»)، ثم انشقاقها عن «القاعدة» (عام 2016)، ورفضه استراتيجية «الجهاد العابر للحدود»، ومن ثم صراعه العنيف مع تنظيم «الدولة الإسلامية»، وصولاً إلى تشكيله، مع فصائل أخرى، «هيئة تحرير الشام» التي طوّعت أطروحاتها وعملها لتكون قوة محلّية لإدارة المناطق السورية الخارجة عن نطاق النظام، وصولاً إلى قيادة عملية «ردع العدوان»، التي أدت لفرار بشار الأسد وسقوط نظامه.
يمثّل مسار الشرع، على المستوى العالمي أيضاً، انغلاق الدائرة التي فتحها قطب وتفجّرت تداعياتها الكبرى مع هجمات نيويورك، وإعلان الولايات المتحدة «الحرب على الإرهاب»، واجتياح أفغانستان في العام نفسه 2001، ثم العراق عام 2003، ثم في انتشار تنظيم «القاعدة» عالمياً، ثم انتقال هذا المسار إلى طوره الأعنف أيديولوجياً وحركياً مع إعلان «الدولة الإسلامية»، زعيمه أبو بكر البغدادي «خليفة المسلمين» عام 2014، مروراً بسقوط مركزيه في الموصل والرقة، تحت الراية الأمريكية لـ«التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية»، عام 2017.
انغلاق الدائرة
تمثّل زيارة قطب لأمريكا النقطة التي بدأ فيها تحوّله الفكريّ وصولاً إلى إعدامه، وصولاً إلى دخول مصر والعالم العربي في ثقب أسود تتطاحن فيه النخب العسكرية والمدنية، جعلتها تتحوّل إلى مخلوقات مرعبة لا تستطيع التعبير عن بقائها إلا عبر أعمال وحشيّة فظيعة، وصولاً إلى انغلاق الدائرة على المشروعين، مع سقوط تنظيم «الدولة»، وانهيار نظام الأسد.
وبناءً عليه، فإن زيارة الشرع إلى أمريكا، ولقائه الرئيس دونالد ترامب (للمرة الثالثة خلال أقل من سنة)، وانضمامه شديد الرمزية لـ«التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية»، تمثّل انفتاح دائرة جديدة، على صعد كثيرة أهمها التبدّل في الجغرافيا السياسية للمنطقة، وانقلاب محاور التحالفات، وتراجع الأيديولوجيات لصالح البراغماتية وأولوية الاقتصاد والتنمية البشرية.