أيّ عدالة نريد؟

3. مارس 2026

في سوريا ما بعد الأسد، يبقى السؤال: أيّ عدالة نريد؟ عدالة تُرمِّم المجتمع وتُعيد الثقة بالدولة، أم عدالةٌ انتقائية تُعيد إنتاج الخوف وتفتح أبواب الثأر؟

حين تشكّلت الحكومة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، قدمت نفسها على أنها بداية «عودة الدولة» بعد عقود من الاستبداد والحرب والانهيار الدولتي. قد يبدو من البديهي إعطاء الأولوية للأمن وإعادة الخدمات وبسط السيادة  في بلدٍ أنهكته الانقسامات والسلاح والاقتصاد المُنهار . لكن التجارب القاسية في الإقليم تُخبرنا أن الاستقرار الذي لا يستند إلى إنصافٍ حقيقي، وشرعية حقيقية، غالباً ما يكون استقراراً مؤقتاً – أو هدنة فوق جمر اجتماعيّ قابل للاشتعال. 

السلطات المؤقتة نفسها اعترفت مبكراً بأن ملف العدالة ليس ترفاً: وقد أنشأت هيئات للعدالة الانتقالية وللمفقودين، وشكّلت لجان تحقيق في أعمال عنف شهدتها مناطق الساحل والسويداء، وتحدثت عن مشروع قانون للعدالة الانتقالية، وبدأت محاكمات لعدد من المتهمين بأعمال العنف الساحلية. هذه إشارات مهمة لأنها تقول للسوريين: «الدولة ترى، وتسمع، وتُقرّ بأن هناك تركة يجب التعامل معها». 

لكن الإشارة لا تكفي. فالملف اليوم يقف على مفترق طرق: إمّا أن تتحول العدالة الانتقالية إلى رافعة لبناء دولة مؤسسات، وإمّا أن تبقى عنواناً سياسياً يفتقر إلى الشمولية والشفافية، فيُفقد الحكومة أهم ما تحتاجه في المرحلة الانتقالية: ثقة المواطن.

لماذا العدالة الانتقالية الآن تحديداً؟

وفق التعريف الذي تعتمدها الأمم المتحدة، العدالة الانتقالية هي مجمل العمليات والآليات التي يستخدمها مجتمع ما للتعامل مع إرث الانتهاكات الواسعة، بما يحقق المساءلة والعدالة والمصالحة، ويمنع تكرار الانتهاكات. أي أنها ليست محكمة فقط، ولا لجنة حقيقة وحدها، بل «حزمة» كاملة وتوجهٌ شامل. هذا التعريف مهم لسوريا تحديداً لأنه يضع الحكومة الجديدة أمام معادلة دقيقة: لا يمكن بناء شرعية وطنية دون الاعتراف بضحايا الماضي، ولا يمكن منع الثأر من دون قضاء وإجراءات واضحة وعادلة تُقنع الناس أن حقهم لن يضيع، ولا يمكن حماية المكونات المختلفة من دون خطاب دولة يرفض العقاب الجماعي ويجرّم التحريض. 

ومن هنا تأتي أهمية التحذيرات الصادرة عن أطراف حقوقية ومدنية سورية، حتى لو اختلفنا مع حدة بعض توصيفاتها. في بيانٍ مدني يتناول مخاوف الانزلاق نحو عنف أهلي، جرى التشديد على أن «لا سلام بدون عدالة»، وعلى ضرورة تشكيل هيئة سورية مستقلة، وعلى خطورة الصلح المالي و«التسويات» التي تترك «الكبار» وتسحق «الصغار»، وعلى ضرورة مواجهة خطاب الكراهية ومنطق الانتقام.

ما الذي تحسن الحكومة فعله.. وما الذي يحتاج إلى تصحيح؟

من نقاط القوة أن القيادة الجديدة تمتلك قدرة تنفيذية. فهي بالأصل معارضة سابقة أصبح لها مؤسسات تُدار، ووزارات تعمل، وشركاء دوليون. وكان تشكيل الحكومة الانتقالية بتنوع ديني/عرقي رسالة إلى الداخل والخارج بأن «التمثيل» أولوية، ولو ظل ناقصاً في عيون كثيرين. 

لكن نقاط الضعف ليست هامشية، وأبرزها اثنتان. أولاً: خطر الانتقائية. منظمات حقوقية سورية ودولية حذّرت من أن أي عدالة تحصر الانتهاكات بجهة واحدة، أو بزمنٍ واحد، ستُقرأ كأداة سياسية لا كمسار وطني. الانتقائية تُطمئن جمهوراً وتُرعب آخر، لكنها لا تبني دولة. ثانياً: فجوة الشفافية والمسؤولية القيادية. حتى عندما تعلن الدولة عن التحقيق، يبقى السؤال: من يُحاسَب؟ وهل تُلام عناصر منفلتة دائماً، أم تُفحص أيضاً مسؤولية القيادة وسلسلة الأوامر؟ هنا تحديداً يصبح معيار الدولة الحديثة هو مسؤولية القيادة، لا مجرد إلقاء القبض على الأفراد.

هذه الملاحظات فرصة لتقوية مسار الحكومة. فالقيادة التي تُبادر إلى تصحيح المسار قبل تراكم الأخطاء، تربح سياسياً وأخلاقياً في آنٍ واحد.

عدالة تُحصّن الدولة بدل أن تُضعفها

إذا أرادت دمشق أن تجعل العدالة الانتقالية جزءاً من مشروع «إعادة الدولة»، فهناك خطوات عملية – غير مكلفة سياسياً كما يُظن – لكن أثرها كبيرٌ.

1. إعلان مبدأ لا لبس فيه: لا عقاب جماعياً ولا ثأر

خطاب دولة واضح يجرّم التحريض، ويضع حماية المواطنين (جميعاً) فوق الحسابات، ويؤكد أن الانتماء الطائفي/المناطقي ليس قرينة. هذا يقطع الطريق على خطاب الكراهية الذي وثقت الأمم المتحدة أثره في تغذية العنف. 

2. توسيع مفهوم «الضحايا» و«الزمن» داخل مسار العدالة

المحاسبة على جرائم النظام السابق واجب، لكن تجاهل الانتهاكات اللاحقة أو تلك التي ارتكبتها أطراف أخرى يُنتج ظلماً جديداً. العدالة الشاملة تعني أن الدولة لا تُغمض عيناً وتفتح أخرى. 

3. استقلالية حقيقية لهيئات العدالة والمفقودين

الاستقلال يعني معايير اختيار شفافة، حماية للشهود، صلاحيات واضحة، ونشر دوري للنتائج. كل خطوة في هذا الاتجاه تُخفض «سوق الشائعات» وتزيد قابلية المجتمع لتصديق الدولة. 

4. إصلاح مؤسسات الأمن والقضاء

العدالة الانتقالية تعني أيضاً «عدم تكرار». تدريب، مدونات سلوك، رقابة داخلية، ومحاسبة على الانتهاكات أثناء تنفيذ القانون: كل ذلك يحمي الحكومة من خصومها قبل أن يحمي الناس من الدولة.

5. شراكة ذكية مع المجتمع المدني لا خصومة معه

بدلاً من النظر إلى بيانات المنظمات بوصفها «تهديداً»، يمكن تحويلها إلى قنوات تغذية راجعة، ومقاعد استشارية، وآليات توثيق. المجتمع المدني «مرآة» في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية.

الخلاصة: الدعم لا يعني الصمت

دعم توجهات الحكومة السورية الجديدة لا يكون بتجميل الواقع أو إنكار المخاوف، بل بتقوية ما يثبت الدولة ويمنع عودة الحرب: حكم القانون، وعدالة لا تُستخدم كسلاح سياسي، واعتراف متوازن بآلام السوريين على اختلافهم.

الأهم أن الحكومة اليوم تملك نافذة زمنية محدودة: ما يزال الكثيرون مستعدين لمنحها فرصة، لأن البدائل التي خبرناها – تفكك، دويلات أمر واقع، أمراء حرب – أسوأ بكثير. لكن هذه الفرصة تضيق سريعاً عندما يشعر الناس أن العدالة «لنا» وليست «للجميع». وبين «الهيبة» و«الشرعية» تبقى الشرعية هي الاستثمار الوحيد الذي يدوم.

العودة إلى الأعلى

سياسي وباحث وكاتب وأكاديمي سوري

رأي

منى عبود

ذاكرتنا الثورية ليست موضة رمضانية

في كل موسم رمضان، تعود بعض الأعمال الدرامية إلى نبش الثورة السورية سعياً وراء جذب المشاهدين. وهذا العام، يطلّ مسلسل جديد مستحوذاً على اسم «قيصر» ليُفرغه من معناه. أمّا بالنسبة لمن ذاقوا الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري، فذاكرتنا ليست مادةً للاستهلاك التلفزيوني.

01. مارس 2026

هبة عز الدين

ما سمعته في المسجد

في سوريا ما بعد الديكتاتورية، يثير أحمر الشفاه عاصفةً من الغضب تفوق تلك التي يثيرها الفساد نفسه. همسةٌ عابرة في مسجد كشفت لي بلداً يحاول أن يمسك بزمام مستقبله عبر فرض وصايته على وجوه النساء.

27. فبراير 2026

كنان النحاس

بحثاً عن العدالة الانتقالية وتشويه التاريخ

 هل يمكن حقاً لتجربة ألمانيا بعد الحرب أن تشكّل نموذجاً يحتذى به في العدالة الانتقالية في سوريا؟ نظرة أدق تكشف واقعاً أكثر تعقيداً – وأكثر عنفاً – بكثير من الصورة المختزلة في محاكمات نورمبرغ. على سوريا أن تصوغ مسارها الخاص نحو العدالة، مساراً يرتكز إلى سيادة القانون والمساءلة وحقوق الضحايا.

25. فبراير 2026

ياسر الظاهر

شبح الركود لا يقل خطورة عن الثورة المضادة

بينما ترسم القيادة السورية الجديدة مسار ما بعد الأسد، تواجه معضلة حادّة: كيف تحمي الثورة من خصومها من دون أن تخنق التعددية التي وعدت بها يوماً؟

21. فبراير 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية