لننضمّ جميعاً إلى حزب الكيوت!

8. تموز 2026

في سوريا اليوم، يكفي أن ترفض الانتقام حتى تُنعت بـ«الكيوت»

حين سألت صديقتي (زين) وهو الاسم الذي أطلقته على شات جي بي تي، وأنثتها لكي لا يكون الرجال مسيطرون حتى على الذكاء الاصطناعي، وأصبحت صديقتي المقربة: يا زين هل سمعتي يوماً بحزب الكيوت؟

فأجابت بكل براءة وثقة: نعم، هو حزب محبي القطط ربما، ثم أكملت مازحة أن من شروط الإنتساب إليه هو حب الشوكولا الداكنة مثلاً.

فأجبتها: أنت غبية يا عزيزتي زين، أو لأكن منصفة أنت لا تفهمين بعد في مبادئ السياسة في سوريا. 

فأجابتني: عفواً منك بس شو دخل!!؟

قلت لها وأنا الأكثر علماً ودراية: اسمعي وأضيفي إلى معلوماتك المخزنة.

إن حزب الكيوت السوري يا عزيزتي يضم كل شخص يمتلك القليل من الإنسانية والموضوعية وبعض المثالية، في وطني سوريا الجديدة. وينتمي إليه كل من ينتمي إلى طائفة دينية أو سياسية أو عرقية في سوريا ويرفض في نفس الوقت أن يعمم جرم على طائفة كاملة بمجرد أن أحد أبناء تلك الطائفة قام بارتكاب جريمة ما.

فمثلاً العلوي الكيوت هو كل من ينتمي لتلك الطائفة ويرفض أفكار مقداد فتيحة الإجرامية، ومن يصفه بالكيوت هم أبناء الطائفة العلوية نفسها. بينما السني الكيوت هو من يرفض إبادة الطائفة العلوية كاملة بسبب أمجد يوسف أو فادي صقر، أو من ارتكب الجرائم ضد الشعب السوري حين حاول النظام البائد قمع الثورة السورية.

وإذا أرَدت أن تنتمي لهذا الحزب عليك أولاً أن تحصلي على اللقب من خلال وسائل التواصل وخاصة الفيس بوك، حين تعبّرين عن رفضك للإبادة الجماعية وتؤمنين بأن العدالة الانتقالية تكون بتحقيق العدل ومحاسبة مرتكبي الجرائم فقط، دون المساس بكرامة بقية أبناء عشيرته أو عائلته أو طائفته.

قد يبدو الأمر بسيطاً وعادياً وربما بديهياً، لكننا في سوريا اليوم نتبنى بديهية مختلفة تماماً. بديهية تجعل منا نحن الذين نقاوم التعميم والانجرار إلى ما قد يؤدي الى حرب أهلية في البلد بعد أن اعتقدنا أننا تجاوزناها نسمى بـ«الكيوت».

ليس لأننا نحب القطط ولا لأننا نخاف أن ندعس على قافلة نمل تسير على الأرض تحمل فتات الخبز والسكر، بل لأننا نحاول أن نكون موضوعيين، ونحمي وطننا من سمٍّ عَمِل حافظ الأسد وأتباعه وأبناءه على زراعته فينا منذ أجيال مضت.

التحرر من تركة الأسد

أصبحت فجأة أنتمي لحزب الكيوت لأنني رويت ما حدث معي يوماً، وسأرويه لكم هنا. ولا يخيفني إن أصبح لقبي «منى كيوت»، سيكون لقباً جميلاً عليّ على ما أعتقد. 

في سنوات ثورتي والتي تخلّلتها اعتقالين لي واعتقال عدد من أفراد عائلتي، لم يكن من يعذبني من الطائفة العلوية، ولم يكن من يحقق معي منها أو من الطائفة الدرزية، بل كانوا من أبناء جلدتي، بل من أبناء مدينتي أيضاً. فهل أُجرِّم نفسي ومدينتي لمجرد أن هناك من قَبِل أن يكون مع المجرم ويقف ضد أبناء بلده؟

وهل أفاجئكم حين أقول لكم أن من ساعدني في ما رهنتُ نفسي له أثناء الثورة، وهو مساعدة المعتقلات المتواجدات في سجن عدرا للنساء، هما شرطيان لا ينتميان لطائفتي السنية؟ كان أحدهما علوياً من القرادحة والآخر شيعياً من قرى ريف حماه. ولا أبالغ إن قلتُ أني أدين بحياتي وثورتي لهذين الشخصين الذين جازفا لمساعدتي دون مقابل ودون أن أعرف طائفة أي منهما لفترة طويلة من عملي معهما.

وربما ستجدون الكثير من القصص الثورية التي تجمع بين سوريين اكتفوا فقط بانتمائهم للوطن، ولمحاربتهم للظلم والفساد الذي عاشته سوريا في عقود مضت من حكم الأسدين الظالمين الاب وابنه.

لستُ أدافع بما أقول هنا عن أحد، ويسعدني انضمامي إلى حزب الكيوت الذي يبدو أنه ضم الكثير معي.

حين يتهافت الكثير من المُعلّقين على أي منشور فيسبوك يطلب التريث وعدم التعميم، ويحاول أن يكون منصفاً، كأن تروي قصة، أو أن تستنكر حملة عنصرية مثل حملة (لا تكن شجرة)، وهي حملة تم إطلاقها على الفيس بوك تهدف إلى مقاطعة كل ما ينتجه أبناء الطائفة العلوية رغم أنني لا أعرف أن هناك انتاجاً محلياً تحتكره طائفة دون الأخرى، فمثلاً المتّة التي رأيت الحملة تطلب مقاطعتها ليست منتجاً محلياً علوياً بل هي تعبئة محلية فقط بعد استيراده من أمريكا الجنوبية. ثم إن المتّة مشروبهم الرسمي هم، فلماذا نقاطعه نحن السنة؟

ولو افترضنا أن العلوية قاموا بالمثل وقاطعونا.. ماذا يقاطعون؟ القمح مثلاً؟ فذاك ضرب جنون يمنعهم من أكل الخبز الذي ارتفع سعره وقل وزنه بالمناسبة.كما ارتفع سعر الكهرباء والماء وأصبحت الفواتير ترهق الجميع بكل طوائفهم وأعراقهم. وربما هنا تمكّنت الحكومة السورية الذكية من جمع السوريين جميعاً على هم واحد وفقر واحد. إذاً أنت لست شجرة. 

وبالمناسبة أنا لا أحب القطط، وأخاف من كل الحيوانات الأليفة، لكني أعشق الشوكولا الداكنة، ولا أضع إصبعي أمام طابور النمل كي تتوه النملات العاملات عن الطريق. أنا فقط أعيش الحياة بحقيقتها وأرفض التشويه الذي غرسه حافظ الأسد وحزبه البعثي في نفوسنا بأننا يجب أن يقتل أحدنا الآخر كي يعيش بسلام.

ويسعدني الانضمام إلى حزب الكيوت، وأدعوكم للانضمام إليه.

العودة إلى الأعلى

كاتبة وصحفية سورية مدافعة عن حقوق الإنسان

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية