هل اللامركزية في سوريا هي الحل؟
20. نوفمبر 2025
منذ أن أمسك الرئيس الشرع بمقاليد الحكم في دمشق، وبسط نفوذه على مؤسسات الدّولة من البرلمان إلى الوزارات ومفاصلها التنفيذية والتشريعيّة، دخلت سوريا طوراً جديداً من الجدل حول الدولة وشكلها الممكن، بدا المشهد، للوهلة الأولى، كما لو أن البلاد تقف أمام عهدٍ انتقاليّ يُراد له أن يكون جامعاً. لكن العلامات الأولى سرعان ما كشفت عن ميل واضح نحو مركزية مشدودة الأعصاب، تستعيد في خطابها وأدواتها ذاكرة السلطة السورية الثقيلة.
فدائرة القرار عادت لتضيق، محاطة بمن يُوثَق بولائهم أكثر مما تُحتسب كفاءتهم؛ خليط من كوادر ذات خلفية إسلامية خرجت من عباءة هيئة تحرير الشام، وآخرين جرى تعيينهم بدفع مباشر من دول مجاورة. هذا الانكماش السياسي يُذكِّر، على نحو لا تخطئه العين، بإرث طويل من حكم يُدار من علٍ، حيث السلطة تتركز في يد قِلّة لا ترى البلاد إلا من زاوية مصالحها، كما كان الحال في زمن العائلة الأسدية، حين تكدّست الثروة والنفوذ داخل شريحة ضيقة لا تمثّل كامل فسيفساء المجتمع السوري.
ومع هذا التوجّه، عاد القلق ليتململ في صدور المكوّنات السورية المختلفة، الكرد والمسيحيون والدروز والآشوريون، الذين خَبِروا، على مدى عقود، أثر المركزية الثقيلة عليهم: تهميش سياسي وثقافي، وانحسار الدور الاقتصادي لصالح العاصمة، وحرمانٌ ممنهج من أي تعبير ذاتي يلامس خصوصيتهم.
الدولة المركزية وآثارها على المكوّنات
منذ الاستقلال، أي منذ العهد الأوّل لتشكّل البلد، بدا النظام السوري التأسيسيّ ميالاً إلى مركزية تتضخّم عاماً بعد عام، حيث تُحسم القرارات في دمشق ويُترك ما عداها في هامش بارد. الولاء كان معيار التعيين، لا الكفاءة؛ والانتماء الأمنيّ بوابة السلطة، لا القدرة الإدارية. وعلى هذا الأساس، جرى تهميش كلّ المناطق السوريّة، على وجه الخصوص المناطق الطرفيّة، وتجفيف مواردها، وخاصة في الشرق والشمال والجنوب، التي حُمِّلت وظائف اقتصادية دون أن تُمنح تمثيلاً سياسياً متناسباً مع وزنها.
ولذلك لم يكن غريباً أن تعود المخاوف من انبعاث المركز المتضخّم مع وصول احمد الشرع إلى الحكم، وخاصة مع تصاعد التحريض الإعلامي ضد المكوّن الكردي، والأحداث الدموية في الساحل والسويداء، وعودة الأجهزة الأمنية لترتيب الفضاء العام وفق منطق القسر لا الشراكة. كل ذلك أعاد صناعة الشعور العميق بالغبن، والذي شكّل الركيزة الأساسية لارتفاع سقف المطالبة باللامركزية بعد 2011، وهي مطالبة تعززت مع التجارب المحلية في شمال وشرق سوريا والسويداء وإدلب، رغم ما يعتري هذه التجارب من نواقص وتحديات.
ماذا تعني اللامركزية بالنسبة للكرد وباقي المكوّنات؟
بالنسبة للكرد، تبدو اللامركزية اليوم أبعد بكثير من مجرد مطلب سياسي أو ورقة تفاوضية؛ إنها، بتجربتهم التاريخية، ضمانة وجود. بعد عقود من الإقصاء، ومنع اللغة، وحرمان المناطق الكردية من التمثيل والإدارة، جاء عهد البعث، ثم عهد الشرع اليوم، وإن لم يكمل سنته الأولى بعد، ليكرّسا لدى الكرد قناعة بأن أي نموذج مركزيّ في سوريا سيكون على الأرجح على حسابهم.
وجاء الإعلان الدستوري الأخير؛ الذي تلا اتفاق 10 آذار بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، ليضاعف هذه المخاوف، إذ رآه كثيرون خطوة تُعيد القبضة المركزية إلى سابق عهدها، دون تقديم أي إطار حقيقي للشراكة بين المكوّنات. الأمر الذي دفع الكرد إلى إعادة تقييم علاقتهم بمؤسسات الدولة، ورفع سقف الشروط قبل الانخراط في أي مسار جامع.
هذا الشعور لا يقتصر على الكرد وحدهم؛ فالمكوّنات الأخرى في شمال شرق سوريا، بما فيها الجماعات الآشورية والسريانيّة والأرمنيّة والعربية العشائريّة، حملت هي أيضاً إرثاً طويلاً من التهميش، رغم أن المنطقة كانت عملياً «السلة الاقتصادية» للبلاد. ومع ذلك لم يتحوّل هذا الدور الاقتصادي إلى وزن سياسي أو إداري، الأمر الذي جعل اللامركزية بالنسبة لتلك المكوّنات أداة لإعادة توزيع السلطة ووسيلة لإدارة الأمن والخدمات والتعليم والثقافة بشكل يلامس هويتها ويترجم دورها.
وهكذا، تظهر اللامركزية بالنسبة للكرد وباقي المكوّنات إطاراً وطنياً جامعاً، لا مشروعاً تقسيمياً؛ صيغة توازن بين هوية المنطقة ووحدة البلاد، لا تناقضاً بينهما. تماماً كما عالجت الفيدرالية في العراق ما بعد 2003 الانقسامات الطائفية والقومية، وكما جعلت الإمارات من اللامركزية الاتحادية عامل استقرار لا تهديداً للكيان.
هل تكون اللامركزية مدخلاً للحل السوري؟
إنّ سوريا التي تتهالك تحت ثقل الصراعات لا تحتاج إلى مركز جديد يكرّر خطايا المراكز السابقة، بل إلى إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم. فاللامركزية، بمستوياتها الإدارية أو السياسية المتقدمة، قد تكون الجسر الوحيد الممكن لإعادة بناء الثقة المهدّمة بين الدولة والمجتمع، وبين المكوّنات نفسها، كما أنها قادرة على توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل بين المركز والطرف.
بهذا المعنى، لا تبدو اللامركزية تهديداً لسوريا، بل فرصة لتأسيس عقد وطني جديد يتّسع للجميع، ويمنح كل مكوّن حقّه دون أن يمس وحدة البلاد أو سيادتها. هي انتقال من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة، ومن إرث الغلبة إلى أفق المشاركة.