مهددات انخراط سوريا في التحالف الدولي
25. نوفمبر 2025
رغم ما يحمله انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش من فرص كبيرة لعودة سوريا إلى المجتمع الدولي كفاعل مهم في معادلات الأمن الدولي والإقليمي، وما يعززه ذلك من مشروعية دولية للنظام الجديد، وكسر لعزلة سوريا المزمنة، وفك لحلقة العقوبات المستمرة عليها، فإن الارتدادات الأمنية الداخلية لهذا الانخراط ستهدد الاستقرار الداخلي والشرعية المحلية التي حازتها السلطة الجديدة كقوة حرّرت البلاد من حكم عائلة الأسد.
لا تقتصر تداعيات الانخراط في التحالف الدولي على تصعيد الاضرابات الأمنية لمواجهة التنظيم، بل تتجاوز ذلك لتفتح الباب أمام تحولات داخلية معقدة في بنية الفاعلين المحليين، وعلى رأسهم هيئة تحرير الشام.
بعكس التيار
فعلى الرغم من إعلان الهيئة حلّ هياكلها الجهادية في أعقاب «مؤتمر النصر» المنعقد في 29 يناير 2025 وما بدى من ذوبانها كما بقية الفصائل ضمن بنية الدولة الوليدة؛ إلا أن بنيتها التنظيمية العميقة ما تزال قائمة بشكل فعلي. فهي اليوم أشبه بـ«عصبة حاكمة» تمتلك جهازاً أمنياً متشعباً، ونفوذاً عسكرياً واسعاً، وشبكات ولاء تمثل الامتداد الحقيقي لإرثها العقائدي والسلوكي السابق، أكثر مما تمثل هيئة مدنية بوجه جديد.
إن انخراط دمشق في تحالف دولي ضد تنظيم داعش – بصيغته المعلنة أو غير الرسمية – يصطدم مباشرة بالفكرة التأسيسية التي بُنيَت عليها هيئة تحرير الشام: كونها نتاج الحركة السلفية الجهادية العابرة للحدود، والتي تأسست رمزياً وفكرياً على معادلة «القتال ضد الأنظمة المحلية والتحالفات الدولية» وليس ضمن صفوفها أو على هوامشها.
هذا التناقض البنيوي يخلق بيئة محفوفة بمخاطر الانقسام الداخلي، سواء عبر شقّ عقائدي يرى أن التحالف مع الغرب - ولو بصورة غير مباشرة - نقضاً للبيعة والمنهج؛ وشقّ براغماتي يتجه لتكريس التطبيع التدريجي مع الفواعل الدولية والإقليمية باعتباره شرطاً لاستمرار الحكم والسيطرة.
قد يتحول هذا التوتر إلى مصدر اضطراب بنيوي داخل الهيئة، ما قد يعيد تشكيل خريطتها القيادية، أو يطلق ديناميكيات صراع داخلي مكتوم، أو يدفع بعض الأجنحة نحو إعادة التموضع في تنظيمات أكثر تشدداً أو خارج سوريا، في حين يسعى الجناح الحاكم إلى الاستفادة من اللحظة لتعزيز شرعيته بوصفه على رأس الدولة الوليدة المنخرطة في النظام الإقليمي الجديد.
ولا يقتصر ذلك على بنية الهيئة نفسها، بل يتعداه إلى احتمالات صدام مع المكونات الجهادية الأخرى الأقرب فكرياً لتنظيم داعش أو القاعدة وعلى رأسها مجموعات المقاتلين الأجانب، أو ما يسمون في عرف الجماعات الجهادية بالمهاجرين. وهو ما شاهدنا بوادره في الصدام الأمني مع معسكر المقاتلين الفرنسيين قبيل توجه الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن.
علاوة على ذلك يمكن ملاحظة تململ واضح لدى قطاعات كبيرة من الشباب الإسلاميين جراء ما يعتبرونه انفتاحاً متسارعاً باتجاه الغرب وغموضاً في إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل لتتجاوز الصيغة الأمنية التي يمثلها اتفاق 1974. وهو ما يجعلهم في ظل غياب أفق سياسية وفكرية بديلة، وفي ظل استمرار تفاقم الأوضاع المعيشية وتراجع الخدمات الأساسية في المدن والبلدات السورية عرضة للوقوع في حبائل فكر متطرف ومناوئ.
قد يكون تمكين السلطة التشريعية هو السبيل إلى مقاربة أكثر توازناً
ورغم ما يُتداول عن جهود حثيثة تبذلها الهيئات الشرعية القريبة من دائرة الحكم لإنتاج خطابٍ ديني -سياسي جديد يوفّر غطاءً فقهياً لانخراط «الدولة السورية الجديدة» في ذلك التحالف الدولي، ورغم ما قد تراه السلطة من فرص إضافية ناتجة عن دخول قوات سوريا الديمقراطية - بعد اندماجها في الجيش الجديد - في مواجهة أمنية مباشرة مع المجموعات الرافضة لهذا الانخراط؛ فإن هذه العناصر، مهما بدت مفيدة على المدى القصير، فلن تكون كافية وحدها لمواجهة التحديات البنيوية الأعمق المرتبطة بشرعية الحكم واستقراره.
ذلك أن أي تدهور في الواقع الأمني، أو تراجع إضافي في مستويات المعيشة والخدمات، سيُسهم في تسريع تآكل شرعية السلطة داخلياً، خصوصاً داخل بيئة اجتماعية مرهقة من الصراع، ومفتوحة على خيارات احتجاجية أو راديكالية قد تجد في الخطاب المتشدّد بديلاً تعبوياً جاهزاً في حال غاب بديل مدني -سياسي مُقنع.
الانفتاح على المجتمع
هشاشة الحكومة يجعل من الضروري اعتماد استراتيجية جديدة. فعلى القيادة أن تتجاوز الاعتماد الحصري على الإجراءات الأمنية، وأن تتجه نحو بناء توافق وطني حقيقي. وهذا يستدعي انخراطاً فعلياً مع المجتمع، لا مجرد خطوات شكلية. كما يتطلب إتاحة المجال أمام الحركات السياسية والفكرية التي تدعم التعددية والهوية الوطنية الجامعة، ويمكن أن تقدّم حلولاً عملية لملفات العدالة الانتقالية والتنمية الاقتصادية والحريات السياسية – خصوصاً لفئة الشباب السوري الساعي للقيام بدور فاعل في مسار التحول الذي تمر به البلاد.
وإذا جرى تفويض مجلس الشعب الجديد وتم احترام دوره من قبل السلطة التنفيذية، فقد يكون هو المنبر الأنسب لتحقيق توازن بين ثلاثة متطلبات: احتياجات الأمن الوطني، ضرورة إتاحة آفاق لجيل جديد من بُناة الدولة، ومتطلبات المجتمع الدولي. والأهم من ذلك، يمكن للمجلس أن يُستخدم كأداة لمواجهة أي تأثير خارجي غير مشروع أو إملاءات لا تخدم المصلحة السورية خلال المرحلة الانتقالية.
قد يشكّل الانضمام إلى التحالف ضد تنظيم «داعش» مدخلاً نحو اكتساب الشرعية الدولية، غير أن متطلباته قد تُضعف التماسك السياسي والأمني للدولة. ومن هنا قد يكون تمكين السلطة التشريعية هو السبيل إلى مقاربة أكثر توازناً.