لماذا لم تنشق العشائر العربية عن «قسد»؟

10. يناير 2026

بعد انهيار نظام بشار الأسد، توقّع كثيرون أن تتفكك «قوات سوريا الديمقراطية» من الداخل بانشقاق مكوّناتها العربية. غير أنّ هذه التوقعات لم تتحقق بعد أكثر من عام. لماذا؟

ساد اعتقاد واسع عقب انهيار نظام بشار الأسد في شتاء ٢٠٢٤ بأن «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) ستتفكك سريعاً من الداخل، وأن مكوناتها العربية ستنشق جماعياً وتلتحق بالحكومة الجديدة التي تقودها «هيئة تحرير الشام». لكن بعد أكثر من عام، لم تتحقق هذه التوقعات. فما زالت «قسد» متماسكة نسبياً في مناطق سيطرتها الأساسية، رغم التغير الجذري في المشهد السياسي السوري.

أُعيد إحياء هذه التوقعات خلال الاشتباكات الأخيرة في مدينة حلب بين «الأسايش» وقوات الحكومة، حيث روّج بعض المراقبين لرواية مفادها أن عشائر عربية منضوية في «قسد» انشقت ولعبت دوراً حاسماً في هزيمة القوات الكردية هناك. غير أن التدقيق في الوقائع يظهر أن هذه الرواية مضللة إلى حد كبير.

فالعناصر المسلحة التي ظهرت في حي الأشرفية، وهو حي ذو غالبية كردية، لم تكن في الواقع من عناصر «قسد»، بل من شبكات «لواء الباقر»، الذي يتألف أساساً من أبناء عشيرة البقارة في حلب. هؤلاء كانوا قد انشقوا عن النظام مع انهياره، واصطفوا مبكراً إلى جانب الحكومة الجديدة، وانتظروا لحظة الصدام مع «قسد» لإظهار موقفهم السياسي والعسكري.

أما الحالات الأخرى التي فُسرت على أنها انشقاقات، فقد تعلقت بمقاتلين أكراد من «قسد» ينحدرون من عفرين، وكانوا قد نزحوا إلى مدينة حلب بعد التدخل التركي عام 2018. هؤلاء اختاروا تسليم أسلحتهم ومغادرة صفوف «قسد» سعياً للعودة إلى ديارهم الأصلية، في قرار فردي نابع من إرهاق النزوح وطول أمد التهجير، لا من انقسام عشائري عربي منظم.

وبعيداً عن دلالات الانهيار، تكشف هذه الوقائع عن نمط متكرر: فـ«قسد»، خلافاً للتوقعات المتكررة، لا تزال تحافظ على تماسكها في مناطقها الأساسية. ولفهم أسباب ذلك، لا بد من إعادة النظر في طبيعتها.

تحالف متعدد الطبقات

على الرغم من تقديمها لنفسها بوصفها جيشاً موحداً ومهنياً، فإن «قسد» هي في جوهرها تحالف عسكري – سياسي يعمل تحت قيادة عامة واحدة. فهي تضم فصائل مؤسسة لها سلاسل قيادة خاصة بها، ومجالس عسكرية محلية، ووحدات خاصة، إضافة إلى قوة تجنيد ذاتي تتمركز في الحسكة. ويشير دستور «قسد» الصادر عام 2020 صراحة إلى سبعة فصائل باعتبارها «المكونات المؤسِّسة».

في قلب هذا التحالف تقف «وحدات حماية الشعب»، الذراع العسكرية لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي»، والتي شكّلت العمود الفقري للحملة المدعومة أميركياً ضد تنظيم «داعش». إلى جانبها، توجد فصائل أخرى مثل «قوات الشمال الديمقراطي» أو «جبهة الأكراد»، وهي فصائل تدور في فلك «الوحدات» سياسياً وعسكرياً، وتؤدي دوراً رمزياً وإعلامياً أكثر من كونها مراكز قوة مستقلة.

في المقابل، تمثل المجالس العسكرية المحلية بنية مختلفة. فهي هياكل تشكلت لاحقاً، وتحتفظ رسمياً بقدر من الاستقلال التنظيمي، رغم تنسيقها العملياتي مع «قسد». ويؤكد ممثلو هذه المجالس أنهم يحتفظون بتركيبتهم الداخلية الخاصة وبمبررات وجود محلية.

في المناطق ذات الغالبية العربية، مثل الرقة ودير الزور، تعتمد هذه المجالس على التجنيد المحلي، مع مراعاة واضحة للتوازنات العشائرية. ففي شرق دير الزور، اعتمدت «قسد» إلى حد كبير على عشائر من قبيلة العكيدات، أكثر من اعتمادها على عشيرة العبيد في هجين، ما يعكس طبيعة اجتماعية غير متجانسة وغير محايدة سياسياً.

تحرص المجالس العسكرية على تأكيد صلتها بالثورة السورية. فوفقاً لممثل «مجلس هجين العسكري»، فإن الغالبية الساحقة من عناصره هم من مقاتلي «الجيش السوري الحر» السابقين، بينما ينتمي الباقون إلى منشقين عن النظام أو مدنيين حملوا السلاح لاحقاً. وتكتسب هذه الرواية أهمية خاصة في مناطق لا يزال لإرث ثورة 2011 فيها ثقل أخلاقي وسياسي.

رضى أم صمت مفروض؟

رسمياً، تؤكد هذه المجالس تبنيها لرؤية «قسد» حول سوريا لا مركزية، وتصر على أنها تحظى بدعم شعبي. لكن منتقدي «قسد» يقدمون صورة مختلفة. فبحسب ناشطين محليين، لا يوجد رضى فعلي في المناطق العربية، بل حالة «صمت مؤقت» تفرضها المظلة الأميركية، وغياب البدائل، والحاجة الاقتصادية. ويختصر أحد ناشطي دير الزور هذا الواقع بالقول: «لا أحد راضٍ فعلاً، باستثناء من يستفيد من النظام القائم».

ومع ذلك، لم يتحول هذا السخط إلى موجة انشقاقات واسعة. ففي الأسابيع التي تلت سقوط الأسد، شهدت بعض المناطق زخماً ثورياً دفع أفراداً قلائل إلى الانشقاق. من أبرزهم تركي الضاري، الرئيس السابق لـ«مجلس الكسرة العسكري»، الذي برر انضمامه إلى الحكومة الجديدة بأنه «عودة إلى حضن الثورة»، في تعبير عن مظلومية قديمة تتعلق بتهميش العرب داخل «قسد».

غير أن هذه الحالات بقيت محدودة. وتقدم «قسد» عدة تفسيرات لذلك، من بينها الخوف من المجهول، والقلق من تسلل تنظيم «داعش» إلى صفوف القوات الحكومية، والمخاطر المرتبطة بترك المنازل والمناطق الأصلية، إضافة إلى الغموض الذي يلف مصير المنشقين.

وبعض هذه المخاوف واقعي. فالضاري نفسه نجا من محاولة اغتيال في دير الزور في آذار/مارس 2025، ولا يزال موضع اتهام من أطراف مختلفة. كما يسود اعتقاد بأن عائلات المنشقين قد تتعرض للمساءلة أو الضغوط، ما يشكل رادعاً إضافياً.

حسابات الانتظار

إلى جانب الخوف، تلعب البراغماتية دوراً أساسياً. فالانتماء إلى «قسد» يوفر لكثير من عناصرها في الرقة ودير الزور دخلاً ثابتاً، ومكانة اجتماعية، وحماية نسبية، في ظل غياب بدائل واضحة. ومع تعثر المفاوضات بين «قسد» ودمشق حول تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس، يبدو الانتظار خياراً عقلانياً.

فالخلاف الجوهري لا يزال قائماً: «قسد» تطالب بالاحتفاظ باستقلالية عسكرية وإدارية ضمن صيغة لا مركزية، بينما تصر الحكومة على دولة مركزية. وبين هذين الخيارين، يقدّر كثير من العرب العاملين ضمن صفوف «قسد» أن البقاء في مواقعهم الحالية قد يمنحهم أفضلية في التكيف مع أي صيغة سياسية مقبلة، سواء انتهت بترتيبات حكم ذاتي محدودة أو باندماج تدريجي في مؤسسات الدولة.

غير أنّ هذا الواقع قد يتغيّر إذا ما وجّهت دمشق إشارة واضحة بنيّتها إطلاق هجوم عسكري واسع ضد «قسد» في الرقة ودير الزور. ففي مثل هذا السيناريو، يُرجَّح أن تتكثف الاتصالات القائمة أصلاً بين أنصار الحكومة المركزية وبعض أعضاء المجالس العسكرية، بهدف استقطاب انشقاقات عند «ساعة الصفر». وفي ظل ضغط عسكري فعلي، يبقى من المشكوك فيه أن تكون هذه المجالس مستعدة للقتال دفاعاً عن بقاء «قسد».

العودة إلى الأعلى
Cover image

أيمن جواد التميمي

مؤرخ ومترجم وباحث مقيم في سوريا

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية