هل «الشبيبة الثورية» الكردية هي «حراس الدين» الجديدة حقاً؟
شهر من البحث الميداني في شمال شرقي سوريا يطعن في رواية سياسية مريحة
لا يصمد أمام التدقيق ادعاءٌ نُسِب إلى مسؤول سابق رفيع المستوى في «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، مفاده أن «الشبيبة الثورية» بالنسبة إلى قسد هي ما كانت «حراس الدين» المرتبطة بتنظيم «القاعدة» بالنسبة إلى «هيئة تحرير الشام». وهذا ما كشفته رحلة بحثية استمرت شهراً إلى شمال شرقي سوريا في تشرين الأول/ أكتوبر 2026. وقد تشكّل «الشبيبة الثورية» تفسيراً مريحاً للاحتجاجات الكردية على مسار الاندماج، بما يتيح ردّ المظالم السياسية إلى مصالح خارجية. لكن إذا كان القادة الأكراد أنفسهم يستحضرون «الشبيبة الثورية» لإبقاء صلتهم بها قابلة للإنكار، في إطار مقاربة العصا والجزرة في المفاوضات، فقد يجدون أنفسهم يستخدمون سلاحاً ذا حدّين.
الحالة
بحسب ادعاء نُسب إلى مسؤول رفيع المستوى مجهول الهوية في قوات سوريا الديمقراطية السابقة، فإن حركة الشبيبة الثورية (Tevgera Ciwanên Şoreşger) بالنسبة إلى قسد هي ما كانت «حراس الدين» بالنسبة إلى «هيئة تحرير الشام». وقد تسببت «حراس الدين»، وهي جماعة سلفية جهادية مرتبطة بتنظيم «القاعدة»، بمتاعب لهيئة تحرير الشام لسنوات. ولا يمكن تأكيد صحة التصريح من عدمها، وقد أورده محلل تربطه صلات وثيقة بالحكومة السورية التي تهيمن عليها هيئة تحرير الشام.
يمكن مع ذلك تقييم المقارنة نفسها، فالتدقيق في تاريخ التنظيمين والديناميات الراهنة على الأرض في محافظة الحسكة يشير إلى أن هذه المقارنة لا تصمد في عدد من النقاط. وتوجد اختلافات جوهرية بين التنظيمين من حيث النشأة، والوظيفة التنظيمية، وتسلسل القيادة، والغاية من الوجود. وتشكل «الشبيبة الثورية» الواجهة الأبرز للمعارضة الكردية في مرحلة ما بعد قسد، لكن القيادة الكردية أظهرت مراراً قدرتها المستمرة على إدارة هذه المعارضة. وما يهدد مسار الاندماج الجاري بين دمشق والأكراد هو انهيار بنيوي شامل بين الطرفين، لا حركة متمردة خاضعة لتوجيهات حزب العمال الكردستاني، على غرار الولاء المستمر لـ«حراس الدين» لتنظيم «القاعدة».
الحجة
بما أن «الشبيبة الثورية» أو «شبيبة الثورة» أصبحت مرادفاً للاستياء الكردي من اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج المبرم في كانون الثاني/ يناير 2026، والذي بلغ ذروته في الاشتباكات الأخيرة بين متظاهرين مؤيدين للحكومة وآخرين مؤيدين للأكراد في مدينة الحسكة، يجدر استعراض جذور التنظيم. فالشبيبة الثورية شأنها شأن بقية البنية التحتية العسكرية والسياسية والتنظيمية في روجافا (كردستان سوريا)، تأسست وتوسعت بالفعل تحت إشراف كوادر حزب العمال الكردستاني.
لطالما جعل حزب العمال الكردستاني من إدماج الشباب في أجنحته المسلحة وبرامجه السياسية ركيزة أيديولوجية، وأسّس «الشبيبة الثورية» في إطار ترسيخ سلطته السريع في أنحاء روجافا خلال عامي 2011 و2012. وخصوصاً في السنوات الأولى من انتفاضة روجافا، شارك أعضاء «الشبيبة الثورية» مباشرة في العمليات القتالية، إلى جانب توليهم نقاط التفتيش وتنفيذ حملات تمشيط أمنية، وما إلى ذلك.
وفي الوقت نفسه، عمل كوادر «الشبيبة الثورية» على استقطاب الشباب الأكراد، والعرب على نحو متزايد أيضاً، لضمهم إلى وحدات حماية الشعب والمرأة، وإلى صفوف حزب العمال الكردستاني نفسه. وقبل بضع سنوات، وصف لي كادر كردي تركي من حزب العمال الكردستاني كان يعمل في صفوف «الشبيبة الثورية» في شمال سوريا، مهمة التنظيم بعبارات لا تحتمل اللبس: «التجنيد، التجنيد، التجنيد».
في حين اتسمت العلاقة بين «حراس الدين» و«هيئة تحرير الشام» بصراعات عميقة انتهت إلى مواجهة مفتوحة، شكّلت «الشبيبة الثورية» و«قوات سوريا الديمقراطية» جزءاً من المنظومة نفسها المحسوبة على حزب العمال الكردستاني. وعمل التنظيم الأول بعلم قسد الكامل وموافقتها الضمنية في مراكز شبابية عامة في مدن شمال سوريا. وكانت هذه المراكز، التي استولى بعضها مباشرة على مقارّ حركات الكشافة التابعة لنظام الأسد نفسه، نقاطاً محورية لجلسات التدريب الأيديولوجي (أو «بيرورده») التي اتخذت أشكالاً «مفتوحة» و«مغلقة» (داخلية)، وعروض الأفلام والندوات، ومسيرات الاحتجاج، والتدريب المحدود على الأسلحة الخفيفة، والتخريب والعنف ضد جماعات المعارضة القومية الكردية في المنطقة، والرقصات التقليدية، والكرة الطائرة، وتنس الطاولة.
مع ترسّخ مؤسسات «قوات سوريا الديمقراطية» وتعرضها لضغوط أميركية محدودة لإنهاء ممارساتها الخاصة بتجنيد الشباب، لا شك في أن العلاقة بين الهيئتين تبدّلت. لكن قسد أيدت بالكامل الرسالة الأيديولوجية التي كانت تُبث في هذه المراكز الشبابية، وسمحت باستمرار التجنيد في القوات المسلحة التابعة لحزب العمال الكردستاني من دون أي تراجع. وربما تسببت «الشبيبة الثورية» بإزعاج قيادة قسد أحياناً، لمواصلتها تسجيل مراهقين رغم الجهود الداخلية الجادة التي بذلتها قسد لوقف هذه الممارسة، لكن هذه الخلافات ظلت ضمن شبكة تنظيمية واحدة.
وهذا يختلف تماماً عن العلاقة بين «هيئة تحرير الشام» و«حراس الدين»، الذي تأسس على خلفية خلاف مع انفصال الهيئة عن تنظيم «القاعدة». وكثيراً ما يكون من الأجدى، عند تحليل المنظومة السياسية والأمنية المحسوبة على حزب العمال الكردستاني في المناطق المأهولة بالأكراد في أنحاء الشرق الأوسط، النظر إلى التنظيمات بوصفها أجنحة مختلفة تتبع استراتيجيات متباينة وتتمتع بقدر من الاستقلالية، لكنها تسعى إلى هدف مشترك، بدلاً من التفكير بمنطق الانقسامات التنظيمية. وشارك التنظيمان في المسيرات والاجتماعات نفسها، ومجّدا الشهداء أنفسهم.
الدلالة
توحي المقارنة بأن «الشبيبة الثورية» خارج سيطرة القيادة الكردية، وأن على قوات الأمن الكردية، التي تندمج الآن في الجيش السوري، إخضاعها. لكن هذا الطرح التهوِيلي لا يعكس الوقائع على الأرض.
في حين أن «هيئة تحرير الشام» لم تتحرك لعرقلة الضربات الأميركية المستمرة، التي استهدفت تحديداً القضاء على قيادة «حراس الدين»، وربما ساعدت فيها بنشاط، استهدفت الضربات الجوية التركية، بالقدر نفسه ومن دون تمييز، كوادر وقادة وشخصيات سياسية ومدنية مرتبطة بـ«قوات سوريا الديمقراطية» و«الإدارة الذاتية» المدنية. ويشير ذلك إلى العلاقة الأكثر تجذراً واستمراراً بين الهيئات الكردية مقارنة بنظيراتها في إدلب. وبالمثل، لا مثيل في شمال سوريا لحملة «هيئة تحرير الشام» على «حراس الدين» في عامي 2019 و2020، حين اعتقلت قياداته وشنت مداهمات نجحت في إحباط محاولة المتمردين المحتملين تشكيل غرفة عمليات خاصة بهم.
مع وصول قوات الحكومة السورية إلى مداخل المدن الكردية في كانون الثاني/ يناير 2026، كانت «الشبيبة الثورية» بالفعل في طليعة التعبئة العامة الكردية، توزّع بنادق كلاشنيكوف، وتسيّر دوريات في الشوارع، وتعتقل الجيران العرب بحماستها المعتادة. لكن قسد بقيت ممسكة بزمام الوضع عموماً. وخلال الاحتجاجات، اندفع أعضاء «الشبيبة الثورية» نحو المعبر الحدودي السوري التركي بين نصيبين والقامشلي، في هواية مفضلة لديهم، لكنهم سمحوا لقوات الأسايش (قوات الأمن الداخلي) التابعة لقسد بأن تأمرهم بالعودة حين اقتربوا أكثر من اللازم. وقال صاحب عمل كردي في القامشلي إنه احتُجز وسُرق على يد «الشبيبة الثورية» خلال تلك الفترة، بسبب عدم تعاطفه مع حزب العمال الكردستاني: «لم يبقَ لديهم عرب يستهدفونهم، لذلك يستهدفون الأكراد الآن». ويقول إن «الشبيبة الثورية» تواطأت مع الأسايش لرفض طلبه القانوني بالتعويض، وهو ادعاءٌ يُظهر، إن صحّ، مزيداً من استمرار الاندماج بين الجماعات المسلحة في المنطقة المحسوبة على حزب العمال الكردستاني وقسد.
وبعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، وإعلان الأسايش حظر تجول لإتاحة دخول قوات الحكومة إلى القامشلي والحسكة على نحو رمزي، رضخت «الشبيبة الثورية» للإملاء. وأظهرت هذه الأزمة مجدداً أن «الشبيبة الثورية» أدت وظيفة متنفس للغضب الكردي، مع الحيلولة دون أن تهدد مواقع القيادة تهديداً جدياً.
لذلك، يتمثل السؤال في ما إذا كانت «الشبيبة الثورية» ستتحول إلى تهديد جديد للتسوية الناشئة في شمال سوريا، وهو احتمال لا يمكن استبعاده بسهولة في ظل الاستياء الشعبي الواسع من اتفاق الاندماج في المناطق الكردية، لدى السكان الأكراد والعرب على حد سواء. وبلغ هذا الاستياء ذروته خلال الاشتباكات التي وقعت مطلع تشرين الأول/ أكتوبر بين عرب طالبوا بدخول قوات الحكومة إلى مدينة الحسكة ذات الغالبية العربية، بدلاً من التسوية الحالية المعقدة التي تضم قوات وموظفين مؤيدين للأكراد وللحكومة ضمن مؤسسات «مدمجة»، وأكراد غاضبين من التسوية نفسها، ومن خسارتهم المتصوّرة لحكمهم الذاتي.
مع تحوّل «الشبيبة الثورية» إلى فزاعة تُطلق على كل الأكراد المحتجين على الاندماج، يصعب معرفة ما إذا كانت توجيهات صريحة من حزب العمال الكردستاني تقف وراء الرد الكردي على الاحتجاجات العربية التي نُظمت أيام الجمعة على مدى أسابيع متتالية. وقال رئيس منظمة محلية غير حكومية أمضت سنوات في محاولة تيسير الحوار بين الأكراد والعرب في مدينة الحسكة: «لم يرغب حزب العمال الكردستاني في خروج هذه الاحتجاجات.. ولم ترغب الحكومة ولا قسد في حدوث هذه الوقائع. لا يريد أي من الطرفين الفوضى.. لكنهم [المشاركون] شبان مندفعون».
ويتبنى أشخاص آخرون مشاركون في الوساطة الكردية العربية وجهة نظر مختلفة بعض الشيء للأحداث، إذ يقولون إن قسد تمكنت من إصدار أوامر مباشرة للشبان الأكراد بمغادرة الشوارع. لكن، أياً يكن التوازن الدقيق بين «استقلالية» الشبان وتوجيهات حزب العمال الكردستاني، فمن الواضح أن قسد السابقة قادرة على إبقاء قاعدتها تحت السيطرة. وكما يشير خبير الوساطة، فرغم استمرار التوترات، أُبعد إلى حد كبير المحتجون المؤيدون للحكومة والمعارضون لها عن الشوارع: «عززت قسد، على وجه الخصوص، وجودها الأمني. وفهم الناس الآن أن الجيش والحكومة السورية لن يدخلا». ويدعم هذا التفسير إلى حد ما، المقارنة مع «حراس الدين»، لكن فقط من حيث إن خطاب «حراس الدين» الناري لم يشكل في نهاية المطاف تهديداً جدياً لحكم «هيئة تحرير الشام» وحساباتها الاستراتيجية الأوسع.
ماذا بعد؟
تهدد عملية الاندماج تحديات بنيوية أوسع وأوجه قصور ملازمة لأي عملية دمج من هذا النوع بعد أربعة عشر عاماً من الحرب، أكثر مما يهددها طابور خامس داخلي. وعلى جانب الحكومة، لا تهدد بقايا «حراس الدين» حكم «هيئة تحرير الشام» بقدر ما يواجه ضغوطاً واستياءً متزايداً لدى شريحة أوسع تضم مقاتلين سُرّحوا من الخدمة، وموالين سابقين أُقصوا، وجماهير محرومة اقتصادياً.
وبالمثل، يضم «الشبان المندفعون» المحتجون في الحسكة أعضاء سابقين وحاليين في «الشبيبة الثورية»، إلى جانب كثيرين لا تربطهم بها أي صلة على الإطلاق. وقد يكون بعضهم أعضاء حاليين أو سابقين في قسد والأسايش، ومن المرجح أن يتعاطفوا بقوة مع حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب، بوصفهما قوتين كرديتين. ومن المؤكد أنهم يبدون شكوكاً حيال عملية الاندماج، شأنهم شأن الغالبية الساحقة من الأكراد الذين التقيتهم خلال زيارة حديثة استمرت شهراً إلى شمال سوريا.
ولا يمكن اختزال هذه العناصر بـ«الشبيبة الثورية» وحدها. فالحكومة والأكراد يتبعون مقاربات متشابهة تقوم على العصا والجزرة، إذ يسمحون بقدر من الاحتجاج في الشوارع، مع الحرص على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة. وكما تدرك الحكومة جيداً، لا تحتفظ «الشبيبة الثورية» وحدها بقدرة مسلحة متراجعة لكنها لا تزال مهمة خارج سيطرة دمشق في شمال سوريا؛ فالأسايش وتشكيلات عسكرية أخرى مرتبطة بقسد تحافظ أيضاً على استقلالها العسكري لتكون قوة موازنة في مواجهة أي عدوان حكومي مستقبلي.
وبالعودة إلى التصريح المنسوب إلى مصدر مجهول، يبدو من المعقول أن قسد السابقة ترى أن من المناسب استخدام اسم «الشبيبة الثورية» في حوارها مع الحكومة السورية، لتنأى بنفسها عن هذه التذكيرات العلنية. لكن استخدام هذا المصطلح الذي يثير المخاوف قد يتحول أيضاً إلى سلاح ذي حدين؛ إذ قد يشكّل أي انتهاك يُنسب إلى «الشبيبة الثورية» ذريعة لاستئناف العمليات الحكومية، فيما يحجب الأبعاد السياسية الأوسع للصراع. ويتطلب نجاح المرحلة الانتقالية أن تواصل قسد السابقة إدارة قاعدة مؤيديها بفاعلية، وهي قاعدة تضم «الشبيبة الثورية» ولا تقتصر عليها، وأن تلتزم الحكومة بحسن نية بالاستماع إلى المظالم الكردية، بدلاً من ردّها إلى النفوذ الخبيث لحزب العمال الكردستاني.