30. آب 2026

المجتمع الدولي يخذل سوريا مجدداً

رؤية من منظور نظرية النظم

رحل الأسد، وأصبحت عملية جنيف من الماضي. ومع ذلك، فإن منظومة الحوكمة الدولية التي أخفقت في سوريا لأكثر من عقد بقيت إلى حدّ بعيد على حالها، بعدما كيّفت نفسها مع خطاب دبلوماسي جديد، من دون أن تمسّ هياكل الحوافز الكامنة فيها. وتحت خطاب البداية الجديدة، تسير الأمور كالمعتاد، مع استمرار كثير من أوجه القصور التي طبعت الانخراط الدولي قبل سقوط الأسد، بصرف النظر عن الموقف من السلطات السورية الجديدة.

الحالة

شكّلت زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى دمشق في يوليو/ تموز خطوة دولية كبرى للاعتراف بحكومة أحمد الشرع. وبحسب تعبير مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، كانت الزيارة بمثابة «التكريس النهائي للشرعية». ووفقاً لعلبي، كان غوتيريش متحمساً للزيارة إلى حدّ أنه قبل الدعوة قبل توجيهها رسمياً. وبعد أكثر من عقد من الجهود الدولية الفاشلة لحل النزاع السوري، بدت الأمم المتحدة حريصة على إنتاج مجموعة مختلفة من الصور.

وفي حين سقط نظام الأسد بدويّ هائل، تلاشت عملية جنيف وسط أنين طويل. وعلى امتداد الحرب الأهلية المدوّلة التي أعقبت ثورة عام 2011، أصبحت عملية جنيف مرادفاً لدبلوماسية منفصلة عن الواقع. واعتباراً من عام 2014، تعاقب على إدارتها مبعوثون خاصون، كان كلّ منهم أقل ثقلاً سياسياً من سلفه، وأشرفوا على عملية أخذت تفقد مضمونها تدريجياً. وبدلاً من تيسير التسوية السياسية المتوخاة في قرار مجلس الأمن رقم 2254، وهي المهمة التي أُنيطت بها، أفرزت العملية إجراءات جديدة ومجموعات عمل، وفي نهاية المطاف لجنة دستورية أصبحت آخر ما تبقى منها. وفي مرحلتها الأخيرة، أمضى المبعوث الخاص غير بيدرسن أكثر من عام من دون أن يلقى أي ردّ من أحمد الكزبري، رئيس وفد حكومة الأسد؛ وهو وصف بالكاد كان ينطبق عليه، بعدما أوضح بشار الأسد منذ وقت طويل أن حكومته لا تشارك رسمياً في العملية التفاوضية.

وفي الوقت نفسه، تمحور الانخراط الدولي بصورة متزايدة حول تأمين وصول المساعدات الإنسانية بموافقة نظام الأسد، بطريقة أتاحت تسييس المساعدات على نطاق واسع، ورسّخت منظومة من المحسوبيات وسوء الإدارة والفساد. وفي غضون ذلك تكيّفت الأمم المتحدة وكثير من الدول الأعضاء تدريجياً مع بقاء النظام، ما جعل تطبيعه نبوءة تحقق ذاتها. ومع ذلك، ظل تنفيذ القرار 2254 الخطاب الدبلوماسي المهيمن الذي كان يُبرَّر من خلاله الانخراط، إلى أنّ وضع سقوط الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024 حداً مفاجئاً له. وبتشجيع من ترحيب الرئيس ترمب الحار على نحو غير معتاد، سرعان ما لقيت السلطات السورية الجديدة ترحيباً في المجتمع الدولي، وأُعلن بدء عهد جديد.

هل تعلّمت منظومة الحوكمة الدولية، التي خذلت السوريين في عهد الأسد من أخطائها؟ أم أنّ الأجدر فهم الانتقال من عملية جنيف إلى مرحلة تحقيق الاستقرار بعد الأسد بوصفه تكيّفاً تنظيمياً؟

إذا كان الاحتمال الثاني صحيحاً، فمن المرجح أن يتكرّر الفشل، بما يُلحق الضرر بسوريا وبالحوكمة الدولية نفسها والمؤسسات التي تتشكّل منها. وقد يُقال إن انهيار عملية جنيف أثبت انعدام تأثير الأمم المتحدة سياسياً، ما يجعل أي نقاش إضافي بشأن دورها في سوريا نظرياً إلى حدّ بعيد. غير أن الحوكمة الدولية، التي يُقصد بها هنا الكيفية التي تُنظَّم بها السياسات المتعلقة بسوريا، بما في ذلك الانخراط الإنساني والتنموي، من خلال الأمم المتحدة ودولها الأعضاء والمنظمات الدولية غير الحكومية، ستظل محورية لسنوات مقبلة.

ومن غير المرجح أن ينتهي اعتماد سوريا على المساعدات الخارجية في وقت قريب. وإلى جانب حالة عدم اليقين المحيطة بمستقبلها السياسي، واستمرار مصالح القوى الإقليمية والدولية في البلاد، ستبقى المرحلة الانتقالية في سوريا مدوّلة إلى حدّ بعيد، رغم كل الخطاب المتعلق بالسيادة. وتواصل الحكومات توجيه القسم الأكبر من دعمها عبر الأمم المتحدة، رغم أوجه القصور الموثقة جيداً في منظومتها الإنسانية والتنموية في سوريا منذ عام 2011. وفي حين تواصل القوى المتنافسة فرض وقائع على الأرض، تسند الحكومات رسمياً قسطاً كبيراً من مسؤولية المرحلة الانتقالية السياسية الأوسع إلى الأمم المتحدة، مشيرة إلى دعمها للأمم المتحدة والمجتمع المدني.

لفهم كيفية تغيّر الحوكمة الدولية المتعلقة بسوريا بعد سقوط الأسد، لا يكفي النظر إلى ما تصفه الواقعية السياسية بالأهداف السياسية. فالحوكمة الدولية تحرّكها أيضاً الضرورة التنظيمية المتمثلة في الحفاظ على أهميتها واستمرار انخراطها. إذ تمنح المؤسسات الشرعية للحكومات التي تتيح لها الحضور، وتمنح الحكومات الشرعية للمؤسسات التي تضفي الشرعية على سلطتها، ويقدّم كلاهما العلاقة الناتجة على أنها تقدّم. وتعزّز هذه الحلقة من إضفاء الشرعية المتبادل، بهدف الحفاظ على الذات، نفسها بنفسها، بما يترك تداعيات طويلة الأمد على المرحلة الانتقالية في سوريا.

الحجة

عادةً ما تُحلَّل السياسة الدولية من منظور الواقعية السياسية بما تنطوي عليه من تصوّر محدد للقوة والمصالح. ويظل هذا المنظور ضرورياً، لكنه يُغفل الحقيقة الأبسط المتمثلة في أن الدول تتحرك من خلال منظمات، وأن للمنظمات منطقها الخاص. ومن منظور نظرية النظم systems theory، تعيد المنظمات إنتاج نفسها عبر ربط القرارات بقرارات لاحقة، ومن خلال التوليد المستمر للأساس الذي يمكن اتخاذ تلك القرارات بناءً عليه. ويُتوقّع من وزارات الخارجية أن تظل منخرطة في النزاعات الكبرى، فيما يحتاج مبعوثو الأمم المتحدة إلى محاورين، وتحتاج وكالات التنمية إلى برامج تديرها.

تقدّم منظمات المساعدات مثالاً واضحاً على ذلك، لأن عملياتها تخضع في الوقت نفسه لأنماط عدة من المنطق الوظيفي. فالحاجة الإنسانية توفّر مبرر التدخل، بينما يحدد الوصول السياسي وتمويل الجهات المانحة - أيّ الاحتياجات المعترف بها - يمكن فعلياً تحويلها إلى برامج. وتحول المنظمات هذه القيود باستمرار إلى قرارات جديدة: أين تعمل، ومع من تتفاوض، وأيّ البرامج تموّل. وبذلك تعيد إنتاج نفسها.

ولا يقتصر هذا المنطق على القيادات العليا. ففي مختلف أنحاء المنظومة الدولية تُتخذ يومياً قرارات روتينية لا حصر لها، يكون كلٌّ منها عقلانياً في حد ذاته، وغالباً ما يكون مدفوعاً بنوايا حسنة تماماً. لكنها مجتمعةً تعزّز نمطاً من الانخراط يكتسب زخماً ذاتياً، ويُقاس بصورة متزايدة بمدى استمراره ونشاطه، لا بمدى إسهامه في تحقيق أهداف إنسانية وتنموية وسياسية محددة بوضوح.

كانت عملية جنيف مثالاً واضحاً على ذلك. فبعد وقت طويل من توقف القرار 2254 عن توفير مسار مجدٍ لحل النزاع، ظل يشكّل الإطار الناظم للانخراط الدولي، لأنه أتاح للحكومات ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إطاراً شرعياً يمكن من خلاله تبرير الانخراط الإنساني والتنموي، الذي أُطلق عليه «التعافي المبكر»early recovery ، والسياسي. وما إن سقط الأسد حتى اختفى ذلك الخطاب بسرعة لافتة.

ولو عومل القرار 2254 فجأة بوصفه الوثيقة الملزمة التي هو عليها، لبرزت على الفور تقريباً أسئلة محرجة بشأن الانتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة، والترتيبات الدستورية، وطبيعة الانتقال السياسي، وحدود السلطة التنفيذية. غير أن تلك الأسئلة تلاشت بهدوء من الخطاب الدبلوماسي، وأفسحت المجال أمام خطاب دبلوماسي جديد يتمحور حول تحقيق الاستقرار، وإعادة الإعمار، ودعم السلطات الانتقالية، والشعور بأن فصلاً قد أُغلق وبدأ آخر. وسرعان ما تبنّى أحمد الشرع ذلك الخطاب وأسهم في صياغته. وأصبحت عبارة: «نركّز الآن على بناء الدولة. لقد انتهت الثورة بسقوط النظام»، من العبارات التي دأب على تكرارها بعد دخوله القصر الرئاسي.

أتاح الخطاب الجديد للجهات الدولية الفاعلة تقديم انخراطها بوصفه استمراراً لسياسة قائمة منذ أمد طويل، حتى مع تواري بعض المبادئ، التي كانت تُقدَّم سابقاً على أنها ضرورية لقيام نظام سياسي شرعي في سوريا في الخلفية. وهذا أحد أسباب اتهام الحكومات بالنفاق في كثير من الأحيان.

فما يبدو للجمهورين المحلي والدولي تطبيقاً غير متسق للمبادئ ليس بالضرورة نتيجة خبث سياسي، بل نتيجة تكييف المنظمات انخراطها مع الوقائع السياسية الجديدة بطرق تحافظ على أهميتها المؤسسية. والأمر من نواحٍ كثيرة، لا يعدو كونه مسألة بيروقراطية روتينية، وإن كانت تترتب عليها تبعات سياسية خطيرة.

إذا اعتُمدت الإشارات إلى القرار 2254 في اجتماعات مجلس الأمن مؤشراً، فيمكن تتبّع التكيّف التدريجي مع الخطاب الدبلوماسي الجديد بوضوح. ففي أثناء الهجوم الذي قادته «هيئة تحرير الشام» في ديسمبر، كانون الأول 2024، واصل المجلس تأكيد التزامه بالقرار. وفي 17 ديسمبر، أصدر بياناً دعا فيه إلى تنفيذ القرار 2254 بتيسير من الأمم المتحدة. وفي اليوم نفسه دعا المبعوث الخاص غير بيدرسن، مستشعراً ما سيأتي، إلى اعتماد قرار جديد يخلف القرار 2254 ويحافظ على مبادئه، مع منح الأمم المتحدة ولاية تتلاءم بصورة أفضل مع سوريا ما بعد الأسد. غير أن الاقتراح لم يُعتمد قط.

ومع ذلك، واصل المجلس تأكيد التزامه بالقرار، وفعل ذلك بعبارات أقوى عقب مجازر الساحل في مارس/ آذار 2025، حين دعا إلى تنفيذ عملية سياسية ديمقراطية تستند إلى المبادئ الأساسية للقرار 2254، وبتيسير من الأمم المتحدة. وكرر الاتحاد الأوروبي هذا الموقف بعد شهر. وخلال الأشهر التالية، أكدت أيضاً ما لا يقل عن خمس وعشرين دولة شغلت عضوية مجلس الأمن بصفة دائمة أو منتخبة دعمها للقرار في جلسات المجلس، من فرنسا وروسيا والصين إلى الدول العربية.

لكن هذا التوافق الواسع ذا الطابع الاستعراضي، الذي كان يتقلص تدريجياً، انحسر سريعاً بعد تولّي نائب المبعوث الخاص الجديد كلاوديو كوردوني منصبه. فمنذ تولّيه المنصب لم يذكر القرار 2254 الذي يشكّل قانوناً أساس ولايته ولو مرة واحدة أمام مجلس الأمن. وفي الوقت نفسه، تغيّرت بنية إحاطاته ومحاور تركيزها ومفرداتها السياسية لتعكس الخطاب الجديد.

ويبدو أن المفردات الجديدة قد لاقت رواجاً. فمنذ أول إحاطة قدمها أمام مجلس الأمن في فبراير/ شباط 2026، لم تواصل التأكيد أن مبادئ القرار 2254 لا تزال المرجعية المشروعة للمرحلة الانتقالية في سوريا سوى روسيا والصومال وليبيريا وكولومبيا وبنما واليونان في مناسبة واحدة.

باختصار، ظهر بوضوح خطاب جديد يتمحور حول إقامة علاقات بنّاءة مع السلطات السورية الجديدة، وفي ظل أجواء عامة من التفاؤل والبدايات الجديدة. ولا يكاد يكون ثمة شك في نجاحه في إعادة تنظيم الانخراط الدولي. أما ما إذا كان ناجحاً بالقدر نفسه في تعزيز المبادئ السياسية التي لا يزال ذلك الانخراط يُبرَّر استناداً إليها، وفي تحقيق أهدافه الإنسانية والتنموية والسياسية المعلنة، فتلك مسألة أخرى.

الدلالة

إذا لم تكن الفاعلية السياسية، بما يشمل نقاشاً جدياً حول ما تعنيه فعلياً، وماهية الأهداف، وكيف يمكن تحقيقها بصورة واقعية، هي ما تكافئه بنية الحوافز في الحوكمة الدولية، فستستمر الأمور كالمعتاد. وبصورة عامة، يعني ذلك أن الحكومات ستواصل الاكتفاء بمعالجة سطحية، فيما تساعد، سواء شاءت أم أبت، على تكريس الأوضاع التي يصنعها أولئك الذين يفرضون وقائع على الأرض بالقوة.

وهناك استثناءات بارزة؛ فألمانيا على سبيل المثال، خصصت موارد لتحليل الشبكات وتحسين فهم المشهد السياسي. لكن العواصم عموماً نادراً ما تكون بيئات مرنة. وغالباً ما يقتصر التحليل في وزارات الخارجية على استشارة حفنة من المصادر، قبل الاستقرار على استنتاجات تتوافق إجمالاً مع أولويات السياسات لدى حكومة معينة، وهي أولويات تتمحور في معظم أنحاء أوروبا حول الهجرة.

لذلك سيكون من المضلل اعتبار العدد الكبير من ورش العمل واجتماعات التنسيق وأنشطة التخطيط في قطاعات العمل الإنساني والتنموي والحوكمة دليلاً على وجود جهد متواصل لتحديد السبل الأكثر فاعلية سياسياً لدعم سوريا. فجانب كبير من هذه الأنشطة يهدف إلى إظهار النشاط وهو ما يولّد شرعية بحد ذاته، وإلى مواءمة البرامج مع الخطاب الجديد للانخراط.

إذا استمر تقديم المساعدات الإنسانية إلى حدّ كبير عبر المنظومة القائمة للأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، الدولية منها والمحلية، في وقت تتقلص فيه مخصصات التمويل؛ وإذا ظلت البرامج التنموية الأكبر حجماً تتأخر بسبب تقييمات الاحتياجات المتكررة وأنشطة التخطيط، بدلاً من اختبار الأوضاع على الأرض والدخول في مناقشات صريحة مع دمشق بشأن التنفيذ؛ فإن منظومة الحوكمة الدولية ستكرر كثيراً من أخطاء الماضي. ومن أبرزها الخلط بين الاعتراف السياسي والشرعية السياسية، وعدم الاستفادة من أدوات التأثير المتاحة، والسماح للغة طموحة بأن تحل محل استراتيجية سياسية، وتجاهل حقيقة أن ولاية الأمم المتحدة تنطوي على التزامات.

غالباً ما تؤكد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والجهات المانحة أنها تعالج البعد السياسي للمرحلة الانتقالية من خلال دعمها للمجتمع المدني والأمم المتحدة، غير أنه يصعب التوفيق بين هذا الطرح وحقيقة أن الأمم المتحدة تفتقر إلى استراتيجية سياسية لسوريا.

ولا تتطلب الاستراتيجية السياسية في هذا السياق ولاية للوساطة من النوع الذي يوفره القرار 2254، بل تتطلب إطاراً يتيح للأمم المتحدة ممارسة رقابة سياسية على أنشطة وكالاتها، ومحاسبتها على مدى إسهام أنشطتها مجتمعةً في تحقيق أهداف سياسية محددة بوضوح. لكن الإطار وحده لا يكفي؛ إذ يتطلب الأمر أيضاً قيادات تتمتع ببعد النظر والشجاعة السياسية لتوظيف ثقل المنظمة، وتكون مستعدة للمجازفة بإمكانية الوصول، والأهمية المتصوَّرة، والراحة المؤسسية، بدلاً من جعل الحفاظ على الذات شاغلها الأول.

وينبغي توجيه هذا الثقل، من بين أمور أخرى، نحو عملية دستورية شاملة توفّر بعد التوافق عليها مرجعية مشروعة للمساءلة بشأن مسار سوريا في المرحلة المقبلة.

يعيدنا ذلك إلى منطق إعادة الإنتاج التنظيمي الذي يحكم الحوكمة الدولية وما يرافقه من مشكلات. وليس من قبيل المصادفة أن نائب المبعوث الخاص كلاوديو كوردوني لم يستند إلى القرار 2254 منذ تولّيه منصبه. إذ يبدو أن هدفه الأساسي تنظيمي: تجنّب الاحتكاك بدمشق، التي ترى في أحكام القرار تهديداً لسلطتها، وضمان نقل مكتب المبعوث الخاص من جنيف إلى العاصمة السورية، رغم أن أي مهام سيُسمح له بأدائها هناك يتولاها بالفعل المنسق المقيم للأمم المتحدة.

وتكشف المحادثات مع دبلوماسيين في نيويورك وعدد من العواصم الأوروبية عن غياب لافت للوضوح بشأن الدور الذي سيؤديه المكتب فعلياً في دمشق ويميزه عن كيانات الأمم المتحدة الأخرى، أو بشأن الأهداف السياسية الملموسة التي يُتوقع من المبعوث الخاص تحقيقها. وبدلاً من ذلك أصبح نقل المكتب هدفاً بحد ذاته.

وبتعطيل الولاية من أجل الحفاظ على المكتب يتلاشى تدريجياً مبرر الحفاظ عليه، فيما يرسي ذلك سابقة خطيرة لبعثات الأمم المتحدة مستقبلاً في أنحاء العالم، إذا كان من الممكن بهذه السهولة حصر البعثات السياسية في تقديم الدعم التقني. ويبدو أن الدول الأعضاء قبلت هذا الوضع إلى حدّ كبير. فإغلاق مكتب سياسي خلال مرحلة انتقالية من شأنه أن يقوّض ادعاءها بأنها تدعم الانتقال السياسي في سوريا من خلال الأمم المتحدة. لكنها في الوقت نفسه تبدو متحفظة إزاء اضطلاع الأمم المتحدة بدور سياسي حقيقي.

كلما طال أمد هذا التناقض ازداد تهميش القرار 2254، وفي نهاية المطاف، أيضاً تهميش المبادئ المكرّسة في ميثاق الأمم المتحدة والتعامل معها بوصفها أموراً اختيارية. ومن دون مرجعية مشتركة للمساءلة عن كل شيء، من المساعدات المنقذة للحياة إلى الدعم التقني لمؤسسات الدولة، تصبح الظروف مهيأة لتتفتح من جديد باقة أوجه القصور نفسها التي طبعت الحوكمة الدولية المتعلقة بسوريا بين عامي 2011 و2024.

ماذا بعد؟

خلص هذا التحليل إلى أنه رغم تغيّر الخطاب الدبلوماسي المحيط بسوريا منذ سقوط الأسد، فإن بنى الحوافز الكامنة في الحوكمة الدولية لم تتغيّر. فلا يزال الوصول والحضور يُعاملان بوصفهما إنجازين في حدّ ذاتهما، حتى عندما يعجز المعنيون عن إثبات كيفية إسهامهما في تحقيق الأهداف السياسية التي يؤيدونها علناً. وعند تقييم ذلك في ضوء المبادئ المكرّسة في ميثاق الأمم المتحدة والأهداف السياسية التي تدّعي الحكومات أنها تسعى إلى تحقيقها، فإنه يشكّل صورة من صور العمل كالمعتاد، تخذل في نهاية المطاف كلاً من سوريا ومنظومة الحوكمة الدولية نفسها.

استناداً إلى التقارير العلنية بشأن زيارة أنطونيو غوتيريش، إلى جانب إفادات دبلوماسيين وسوريين ومسؤولين في الأمم المتحدة أُطلعوا على تفاصيل الزيارة، يصعب تحديد أي هدف سياسي أُحرز تقدم بشأنه. وهذا أمر لافت بالنظر إلى إلمام غوتيريش الطويل بسوريا، بدايةً بصفته مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، ثم أميناً عاماً للمنظمة.

وقد أُلغيت، من دون تفسير، كلمته المقررة أمام مجلس الشعب، التي كان يُتوقع أن تمنح ثقلاً لفكرة تقاسم السلطة. أما الطلب المؤسسي الوحيد الذي حمله الأمين العام إلى دمشق، فتعلق بنقل مكتب المبعوث الخاص. لكن دمشق التي لم تتأثر بحملة الاستمالة رفضته.

إذا لم يكسر الأمين العام نفسه المنطق التنظيمي المهيمن على الأمم المتحدة والحوكمة الدولية ككل، من خلال الإصرار على أهداف سياسية واضحة، والاستعداد لوقف الانخراط عندما لا يحقق غرضاً يُذكر سوى إضفاء الشرعية على ذاته، فمن الصعب تصوّر سبب يدفع الآخرين داخل المنظومة إلى التصرف على نحو مختلف.

يمثّل إنشاء منظومة للحوكمة الدولية تكافئ حوافزها الفاعلية السياسية بدلاً من الاستمرارية التنظيمية تحدياً هائلاً. ويمكن البدء من التركيز المتزايد على تقديم الدعم التقني للمؤسسات السورية، وهو ما يستحق مزيداً من التدقيق؛ تدقيقاً ينبغي أن يشمل الجانبين.

فلا يمكن أن يكون بناء المؤسسات عملاً غير سياسي. إذ إن كل جهد لتعزيز الوزارات، أو صياغة التشريعات، أو دعم الانتخابات، أو بناء قدرات الدولة، يعيد توزيع السلطة والشرعية. وفي الأنظمة السياسية التي تضعف فيها الضوابط والتوازنات، يعني تعزيز المؤسسات أيضاً تعزيز الجهات الفاعلة التي تسيطر عليها.

وليست الجهات الدولية بريئة هي الأخرى من الحسابات السياسية. فكل حضور دولي يمكن أن يؤدي أيضاً دور منصة لجمع المعلومات الاستخباراتية، وكل عرض للمساعدة التقنية قد يكون ذريعة لإيجاد موطئ قدم. ومن ثم، يحمل التعاون التقني طابعاً سياسياً مضاعفاً، ولذلك من الطبيعي أن تتعامل السلطات السورية مع هذه العروض بحذر. ويُفترض، بناءً على ذلك، أن تأتي نظرية التغيير السياسية أولاً، لا أن تُصاغ بأثر رجعي لتبرير برامج بدأ تنفيذها بالفعل.

العودة إلى الأعلى

لارس هاوخ هو مدير الأبحاث في شركة CMS ومدير التحرير في مجلة «سوريا المتجدّدة».

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية