جحيم سجن صيدنايا: ما وراء حملة التشكيك؟

6. نوفمبر 2025

لطالما كان اسم «سجن صيدنايا» في سوريا مرادفاً لكلمة «الجحيم». ولسنوات طويلة تداولت الألسن روايات عن التعذيب والقتل والتصفية الممنهجة، كانت تبدو من فرط وحشيتها وكأنها مجرد «روايات رعب» مُبالغ فيها، بعيدة عن التصديق. 

تحدث الناس عن تلك الروايات بسرية وهمس، قبل أن تبدأ الحقائق بالتكشف بعد ازدياد وتيرة الاعتقال وأعداد المعتقلين الذين يجدون أنفسهم بين جدران جناح السجن الأحمر. تحولت الرواية السرية الى قصص وشهادات علنية لأن عدداً كبيراً من المعتقلين تمكن من الهرب خارج الحدود السورية بعد خروجه من السجن، وأصبحت السردية أكثر وضوحاً ورعباً.

​لكن المأساة الحقيقية تكمن في أن التحقيقات الحقوقية وشهادات الناجين لم تثبت صدق الروايات السرية فحسب، بل أظهرت أن الحقيقة كانت أكثر فظاعة من أي تخيل. ومع ظهور هذه الحقائق، برزت محاولات ممنهجة مدفوعة من نظام الأسد لتشويه الشهادات والتشكيك في الوقائع. هدفت تلك المحاولات إلى نكران الجريمة وبالتالي عدم القدرة على المحاسبة، فَعَمِل النظام البائد على التكذيب المستمر للشهادات.

كانت الذريعة هي استحضار الدليل القاطع، فالشهادة التي يرويها المعتقل الناجي من جحيم الموت في صيدنايا ربما تكون رواية كيدية ملفقة تهدف إلى تشويه سمعة سجن عسكري عادي. ​لكن ما كشفته التحقيقات حول صيدنايا (دولية ومحلية)، تجعل نكرانها أمراً مستحيلاً، وكشفت أن الأمر ليس مجرد سوء معاملة، بل هو نظام متكامل مصمم للقتل الجماعي البطيء والسريع.

​فالإعدام الممنهج كما وصفته منظمة العفو الدولية بأنه «مسلخ بشري»، الذي صدر في أغسطس عام 2017 ليس وصفاً مجازياً. فقد وثقت المنظمة إعدام ما يصل إلى 13 ألف معتقل شنقاً أو مرضاً خلال السنوات الأولى للثورة السورية، كانت الإعدامات تتم في جنح الليل، بعد محاكمات صورية تستغرق دقائق معدودة، ما يؤكد أن السجن كان آلة تصفية لا مؤسسة إصلاحية، خاصة لأولئك الذين يرى فيهم النظام تهديداً لوجوده.

ولم يكن فقط تقرير «المسلخ البشري» ففي ديسمبر 2024 صدر تقرير IIIM بعنوان معتقلات الحكومة السورية كأداة للقمع العنيف، والذي جمع مئات الشهادات والوثائق بشأن مراكز الاحتجاز الحكومية في سوريا، وأكد أن نظام التعذيب والاختفاء القسري كان ممنهجاً. 

شكوك قديمة، وخدع جديدة

في مواجهة هذا الكم الهائل من الأدلة والشهادات، ظهرت من جديد محاولات التشكيك الممنهج في الروايات الحقيقية. فقد كان الهدف الأساسي وراء الترويج لروايات مشككة هو تجريد شهادات الناجين من مصداقيتها. والفرضية هنا بسيطة: إذا تمكن الإعلام الموالي من إثبات أن تفصيلاً واحداً في شهادة ما هو كذب أو مبالغة (كوجود أقبية سرية عميقة جداً لم يُعثر عليها لاحقاً)، يصبح من السهل إقناع الجمهور بأن القصة بأكملها «مبالغة» أو «نسج من الخيال».

المختلف هذه المرة هو أن هذه المحاولات الجديدة ترتكز على التشكيك بالرواية الحقيقية من خلال المبالغة المتعمدة فيها ونشرها على أوسع نطاق ومن ثم إثبات بطلانها. فقد أصبحت الروايات أكثر جنوناً من أن تُصدق، كرواية المكبس البشري التي انتشرت بشكل كبير وتم استخدامها على مستويات كبيرة وفاعلة رغم استحالتها، ورغم الشهادات الكثيرة التي أدلى بها معتقلون وناشطون على مختلف وسائل الإعلام العالمية والمحلية لم يكن المكبس للبشر، إنه لورشة نجارة كانت موجودة في السجن.

ورواية السراديب المخفية تحت الأرض التي انتشرت مع سقوط النظام وفتح أبواب السجن ليكتشف العالم أن عدد المُحَرَّرين أقل بكثير من توقعاتهم، فأصبحت قصة السردايب والغرف السرية هي الوسيلة التي أمِل منها الأهالي ايجاد أبنائهم المختفين. لكن فرق الدفاع المدني التي استجابت لكل الدعوات التي نادت بتحطيم أرض وجدران السجن حوّلت الأمل إلى سراب وخيبة ولم يظهر أي معتقل حي.

لكي لا تضيع الحقيقة

هذه الروايات التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي تجعل الحقيقة تضيع بين طياتها، وتدفع بالتشكيك بكل ما حدث من انتهاكات لحقوق الإنسان، لا على مستوى سجن صيدنايا فقط، بل على مستوى التعذيب والقتل والاعتداءات في الأفرع الأمنية أيضاً. ولربما سيقود الأمر للتشكيك بكل ما ارتكبه النظام السابق من مجازر.

قد يقول البعض إن بعض هذه الروايات ليست سوى محاولات لاسترضاء الحكومة الجديدة من خلال المبالغة في جرائم النظام السابق. غير أن مثل هذه التلفيقات، مهما بدت نياتها حسنة، يجري توظيفها من قبل أصحاب النيات السيئة، فلا تؤدي إلّا إلى عرقلة جهود العدالة الانتقالية والمساءلة. والمستفيد الأكبر من هذا الالتباس هو، بطبيعة الحال، النظام القديم وأعوانه. فالنفي والمبالغة يؤديان إلى النتيجة ذاتها: تقويض الحقيقة، وتشويه شهادات الناجين، وإطالة الطريق نحو العدالة.

ولعلّ أفضل ما يمكن اتباعه لتجنّب ضياع الحقيقة، هو تجريم التضليل الحاصل، وتعزيز دور الناجين من الاعتقال في حفظ الذاكرة الجمعية للناجين، وإدخالهم بقوة في مسار العدالة الانتقالية من خلال هيئات دولية ووطنية تعمل على إثبات الرواية الحقيقية، وربما تضمينها في يوم ما ضمن المناهج الدراسية كي تترسخ في أذهان الأجيال القادمة حول حقيقة ما حصل في صيدنايا.

العودة إلى الأعلى

كاتبة وصحفية سورية مدافعة عن حقوق الإنسان

رأي

محمد خير الوزير

أيّ عدالة نريد؟

في سوريا ما بعد الأسد، يبقى السؤال: أيّ عدالة نريد؟ عدالة تُرمِّم المجتمع وتُعيد الثقة بالدولة، أم عدالةٌ انتقائية تُعيد إنتاج الخوف وتفتح أبواب الثأر؟

03. مارس 2026

منى عبود

ذاكرتنا الثورية ليست موضة رمضانية

في كل موسم رمضان، تعود بعض الأعمال الدرامية إلى نبش الثورة السورية سعياً وراء جذب المشاهدين. وهذا العام، يطلّ مسلسل جديد مستحوذاً على اسم «قيصر» ليُفرغه من معناه. أمّا بالنسبة لمن ذاقوا الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري، فذاكرتنا ليست مادةً للاستهلاك التلفزيوني.

01. مارس 2026

هبة عز الدين

ما سمعته في المسجد

في سوريا ما بعد الديكتاتورية، يثير أحمر الشفاه عاصفةً من الغضب تفوق تلك التي يثيرها الفساد نفسه. همسةٌ عابرة في مسجد كشفت لي بلداً يحاول أن يمسك بزمام مستقبله عبر فرض وصايته على وجوه النساء.

27. فبراير 2026

كنان النحاس

بحثاً عن العدالة الانتقالية وتشويه التاريخ

 هل يمكن حقاً لتجربة ألمانيا بعد الحرب أن تشكّل نموذجاً يحتذى به في العدالة الانتقالية في سوريا؟ نظرة أدق تكشف واقعاً أكثر تعقيداً – وأكثر عنفاً – بكثير من الصورة المختزلة في محاكمات نورمبرغ. على سوريا أن تصوغ مسارها الخاص نحو العدالة، مساراً يرتكز إلى سيادة القانون والمساءلة وحقوق الضحايا.

25. فبراير 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية