© syriaintransition.com

Cover image
العدالة والحقوق والمجتمع المدني

الحرية الموجَّهة

كيف يمكن للصحفيين الأجانب العمل في سوريا؟

بينما تحتفل دمشق بقفزة في تصنيفها على مؤشر حرية الصحافة العالمي، يصف صحفيون أجانب نظام اعتماد غامض يشجع الرقابة الذاتية بشكل غير مباشر.

ثمة شعور ملموس بالحرية على أرض الواقع في سوريا، والذي كان مفقوداً في ظل نظام الأسد. فعامة الناس أصبحوا أكثر استعداداً للتحدث بصراحة مع الغرباء بعد اختفاء عبادة الشخص الواحد وأجهزة الاستخبارات البغيضة. ولم يعد الصحفيون الأجانب يُرافَقون عادةً من قبل مرافقين حكوميين، أو يُجبَرون على القلق بشأن التنصت على غرفهم أو العبث بأجهزتهم. لكن هذه الحرية الجديدة هشة، كما يتضح من الإجراءات التي يمنح بموجبها الصحفيون الأجانب على تصاريح دخول سوريا والعمل فيها. بل وقد تعكس هذه الإجراءات، في بعض النواحي، ممارسات من الحقبة البائدة.

التواصل المشروط

لا تزال إجراءات دخول سوريا تعتمد على تحيز موروث من عهد الأسد: الدخول كزائر مقابل الدخول كصحفي. رسمياً، يتطلب الدخول كصحفي الحصول على تصريح من مديرية الإعلام الأجنبي التابعة لوزارة الإعلام قبل ولوج البلاد. وتُقدّم حالياً الطلبات عبر بوابة إلكترونية لهذه المديرية، ولا تُعتبر صالحة إلا إذا قُدّمت من خارج سوريا. عملياً، هذا يعني أنه لا يمكن للصحفيين الدخول بتأشيرة زيارة ثم الحصول على اعتماد صحفي بعد وصولهم.

ناهيك على أن عملية التقديم معقّدة بحد ذاتها. إذ يتعين على الصحفيين تقديم بياناتهم الشخصية، وانتماءاتهم المهنية، والجهات التي كلّفتهم بالعمل الصحفي، ونماذج من أعمالهم السابقة حول سوريا. كما يُطلب منهم تحديد وجهات سفرهم، والمواضيع التي ينوون تغطيتها، وحتى الأشخاص الذين قد يُجرون معهم مقابلات، والأسئلة التي قد يطرحونها. ويُطلب أيضاً معلومات عن شخص محلي سيعتمد عليه، مثل سائق أو مُترجم أو مُنسّق.

بعض البيانات المطلوبة إلزامية، بينما البعض الآخر اختياري. وقد أشار صحفي دخل سوريا عدة مرات دون صعوبة إلى أنه يترك عادةً بعض البيانات فارغة، بما في ذلك تلك المتعلقة بخطط السفر وأسئلة المقابلات، دون أي عواقب. وفي الآونة الأخيرة، أفاد بوجود نقاش وجيز مع الوزارة بشأن رفضه الكشف عن أسماء الأشخاص الذين قد يُجرى معهم مقابلات لأسباب أخلاقية، وهو أمر وافقت عليه الوزارة في نهاية المطاف.

الموافقة بمثابة حكم بالرضا

ما الذي يحدد نجاح الطلب؟ كما أوضح مسؤولون في الوزارة لموقع «سوريا المتجددة»، يتم رفض وسائل الإعلام أو الصحفيين الذين يُنظر إليهم على أنهم مرتبطون بإسرائيل أو إيران تلقائياً. وهذا أمر مفهوم، نظراً لأن إسرائيل وإيران هما الدولتان الوحيدتان اللتان لهما عداء صريح مع الحكومة الجديدة.

وبغض النظر عن معيار الاستبعاد هذا، فإن القرار الأولي هو في الأساس مسألة ما إذا كانت الوزارة ترضى عن عملك وعن المؤسسة التي تعمل فيها، وهو في الواقع نفس المعيار الأساسي الذي استخدمه النظام القديم، والذي كان كثيراً ما يرفض منح التصاريح للصحفيين الأجانب على أساس «انعدام الموضوعية» (أي التغطية التي يعتبرها شديدة الانتقاد له).

بعض وسائل الإعلام مدرجة فعلياً على القائمة السوداء. وتخضع المنصات التي يُنظر إليها على أنها متعاطفة مع الأسد أو مرتبطة بالنظام السابق لتدقيق خاص. وعلى سبيل المثال، تمكن الصحفي جورج مالبرونو، من صحيفة لو فيغارو الفرنسية، والذي أجرى مقابلة مع الأسد عام 2013، من الحصول على تصريح محدود لمدة خمسة أيام بعد رفض أولي تم إلغاؤه بتدخل شخصي. ومنذ ذلك الحين، لم يتمكن من العودة، ويعتبر نفسه ممنوعاً فعلياً من دخول البلاد.

حرية ضمن حدود

في حال قبول الطلب، يتعين على الصحفيين التوجه إلى الوزارة فور وصولهم للحصول على تصريحهم. كان المبنى، الواقع في منطقة المزة بدمشق، مظلماً ومتهالكاً في عهد النظام السابق، ولكنه خضع لترميمات كبيرة مؤخراً.

عادةً ما تكون صلاحية التصريح شهراً واحداً. إلا أنه لا يمنح حرية الوصول غير المقيّد إلى جميع أنحاء البلاد. وللقيام بتغطية صحفية في بعض المحافظات، أو العمل في المناطق المصنفة كــ «حساسة» -والتي غالباً ما تسكنها أقليات- أو لإجراء مقابلات مع مسؤولين أمنيين أو عسكريين، قد يحتاج الصحفيون إلى موافقات إضافية من مديريات المحافظات. وقد تكون هذه الموافقات محدودة النطاق والمدة، إذ قد تغطي بضعة أيام فقط لمهمّة محددة.

أما التشديد الأكبر فهو مخصص لزيارة مناطق مثل حدود الجولان ومحافظة السويداء. وكما لاحظ أحد الصحفيين: «لا أنفي وجود حرية صحافة، لكنك تشعر بأنك مُوجَّه في اتجاهات معينة ومُبعد عن أماكن لا يرغبون في تغطيتها». باختصار، ثمة شكل من أشكال الرقابة على الوصول: الصحفيون أحرار في التغطية، لكن ليس بالضرورة أن يكونوا أحراراً في اختيار المكان أو الكيفية.

الرقابة الذاتية المحسوبة

يتعين على الصحفيين مغادرة البلاد بمجرد انتهاء صلاحية التصريح، وعليهم تقديم طلبات التجديد من الخارج، على أن تتضمن نماذج من أعمالهم التي أنجزوها خلال إقامتهم السابقة. عملياً، يصبح هذا هو العامل الحاسم في تحديد منح التصاريح مجدداً، كما كان الحال في ظل النظام السابق. ولكن الصعوبة تكمن في غياب معايير واضحة، ففي بعض الحالات، يكون الارتباط بين التقرير الصحفي واستياء الوزارة واضحاً. وفي حالات أخرى، تُتجاهل الطلبات أو تُرفض ببساطة دون أي تفسير، وعندها يُترك للصحفيين استنتاج حدود التغطية الصحفية المقبولة.

أما تغطية الأحداث الحساسة فغالباً ما تنطوي على أخطار أخرى. فقد واجه بعض الصحفيين الذين غطوا مجازر الساحل أو أحداث السويداء صعوبة في تجديد تصاريحهم، بينما تمكن آخرون من الحفاظ على حقهم في الوصول رغم التقارير النقدية، مما يشير إلى عدم تناغم تطبيق القوانين. وفي بعض الأحيان، يمكن التفاوض على منح التصاريح، فقد أشار عدد من الصحفيين إلى وزير الإعلام حمزة مصطفى، المدير السابق لتلفزيون سوريا، كجهة اتصال مفيدة لحل مشكلات التأخير أو الرفض.

تبدو بعض المواضيع أكثر حساسية من غيرها، ومنها التقارير المتعلقة بالمقاتلين الأجانب (المهاجرين)، وهم الذين انضموا إلى الثورة ضد الأسد، وموضوع دور الشخصيات المقربة من الرئاسة في الاقتصاد. وأشار صحفيون إلى أن تقارير رويترز عن المجازر الساحلية والشبكات الاقتصادية التي تضم حازم الشرع وأبو مريم الأسترالي قد أثارت استياءً لدى وزارة الإعلام. كما يذكر بعض الصحفيين أن كاتباً إسبانيا تلقى توبيخاً شديداً بسبب تقاريره عن المتحولين جنسياً في سوريا، وما يُزعم من تعرضهم للمضايقات من قبل قوات الأمن.

لا تُفضي كل هذه الشواهد إلى القول بوجود رقابة صريحة، بل تشير إلى شيء أكثر غموضاً. فغياب الحظر الرسمي أو القواعد الواضحة يُصعّب إثبات انتهاكات صريحة لحرية الصحافة، ويدفع بالصحفيين إلى ضبط تقاريرهم لتجنب المنع في المستقبل.

أما بالنسبة للمقيمين في سوريا، فالأمر أكثر خطورة. وكما قال أحد الصحفيين، فإن فقدان الاعتماد الصحفي قد يعني فقدان شبكة التواصل أو انقطاع الرزق أو حتى إمكانية البقاء في الداخل، ولهذا يفكر البعض باستخدام بأسماء مستعارة لتجنب هذا الخطر عند النشر.

وعلى الرغم من الغموض، فهناك ثمة تحوّل عن النهج الفظ للنظام السابق. فبخلاف عهد الأسد، بات بإمكان الصحفيين التواصل مع المسؤولين، ومساءلة القرارات، وفي بعض الحالات التفاوض بشأن السماح بالتغطية من عدمها. صحيح أن الوصول إلى المعلومات يخضع للرقابة، ولكنه مفتوح للمناقشة أيضاً. ومع ذلك، يتطلب الحفاظ على قدرة الوصول والتغطية والكتابة من الصحفيين تقديراً دقيقاً ومستمراً بشأن ما يمكن نشره، وكيفية نشره، ومتى يجب التريث.

العودة إلى الأعلى

العدالة والحقوق والمجتمع المدني

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية