© syriaintransition.com

Cover image
العدالة والحقوق والمجتمع المدني

فصول في تدريس الطاعة

كيف كرّست مدارس سوريا الحكم الاستبدادي في الفصل وخارجه

يتعرف الأطفال لأول مرة على سلطة الدولة يومياً في مدارسهم، وذلك من خلال الانضباط اليومي، والتسلسل الهرمي، وإدراك مآلات السلوك والكلام. وكانت هذه في سوريا الأسدية الخطوات الأولى من المشي في نظامٍ يعتبر العنف والفساد والتجسس الانتهازي فضائل عملية. فماذا بقي من ذلك؟

إذا كان الحكم الاستبدادي، أو حتى التحرر، يعتمد على كيفية يتعلم الناس رؤية العالم وكيف يفسرونه، فإن التعليم يمثل محوراً أساسياً في التحول السياسي الجاري في سوريا. صُممت المدارس في عهد الأسد البائد لإنتاج مواطنين موالين من خلال تلقين شبه عسكري، كما دُرِّب الشباب السوري على كيفية التعامل مع الحياة في ظل منظومة الفساد، وبالتالي إعادة إنتاج ذلك الظلم.

ولذلك لا يمكن اختزال الإصلاح التربوي بمجرد مراجعة المناهج أو تحديث أساليب التدريس، بل يجب التعامل مع المدرسة بجدّية باعتبارها مؤسسة اجتماعية ومساحة تفاعلية، ومكان تتشكل فيه العلاقات مع السلطة بشكل يومي، حيث يمكن تقويض الثقة أو إعادة بنائها، وحيث تُمارس أبجديات التعاون الاجتماعي قبل وقت طويل من تعامل الطلاب مع سياسة النظام الرسمية عندما يكبرون.

الفصل الدراسي كامتداد للدولة الأمنية

كانت المدارس في سوريا تحت حكم الأسد جزءاً لا يتجزأ من الهيكل التنظيمي لحزب البعث. فإلى جانب طقوس رفع العلم وعبادة الزعيم الإلزامية، تم دمج الطلاب تدريجياً في بنية الحزب. فكان يتم تحضيرهم للانضمام إلى حزب البعث بدءاً من المرحلة الابتدائية، ويُجبرون على الانضمام إليه في المرحلة الإعدادية، وشُجِّع الكثيرون بحلول المرحلة الثانوية على تطوير عضويتهم من «عضو نصير» إلى «عضو عامل» مقابل الحصول على ما يصل إلى عشرين نقطة إضافية في مجموع درجاتهم النهائية في شهادة البكالوريا - وهي ميزة كبيرة قد تحدّد قبولهم الجامعي وآفاقهم المهنية المستقبلية، وكانت هذه تُمنح عادةً لقاء حضور معسكرات الحزب أو القيام بمهام حزبية.

بعد إتمام الصف العاشر، كان على الطلاب حضور «مخيم صيفي». يوحي الاسم بأجواء التخييم والتحلق حول نار والسمر حولها، لكنها كانت تُقام عادةً في مباني المدارس المحلية وتستمر لأربعة أسابيع من برامج تستغرق كامل اليوم، وحيث لا يعود الطلاب إلى منازلهم إلا للنوم. جمعت هذه المخيمات بين التلقين الأيديولوجي والتدريب العسكري الأساسي. إضافةً إلى ذلك، كان يُطلب من الطلاب حضور اجتماعات حزبية كانت تعتبر بمثابة جلسات توجيهية منتظمة تُعقد بعد الدوام المدرسي كل أسبوعين تقريباً.

كان من أبرز الشخصيات المؤسسية في هذا النظام مدرب العسكرية بالإضافة إلى الموجه الإداري (والذي ليس من الضرورة أن يكون حزبي). عندما تراجع التدريب العسكري الفعلي في المدارس في السنوات الأولى من حكم بشار -حين كان يسعى إلى إظهار صورته كزعيم مدني إصلاحي لتجنب أن يصبح هدفاً أمريكياً بعد صدام حسين- أصبح العديد من المدربين العسكريين موجهين واحتفظوا بأسلحة نارية شخصية، كما روى أحد الذين أُجرِيَت معهم المقابلات. وبصفتهم وسطاء بين المدارس وحزب البعث وأجهزة المخابرات، فقد تعهدوا بمراقبة المعلمين وعقاب الطلاب، وشكّلوا قنوات مؤسسية للإبلاغ عن المخالفين. وهكذا تعلّم الطلاب مبكراً أن الحديث ينتشر بسرعة، وأن زملاء الدراسة قد يكونون مخبرين، وأن الحذر مهارة أساسية للبقاء. وهذه الأجواء والممارسات جعلت من المدارس فضاءات توجيهية للحياة الاجتماعية، ووفرت المبادئ الأخلاقية والإشارات السلوكية التي من خلالها أعاد النظام الاستبدادي إنتاج نفسه من القاعدة. وكانت الفرضية الأساسية هي أن الطاعة فضيلة مدنية، وأن العصيان يستوجب العقاب البدني.

«لكم اللحم ولنا العظم»

ترسّخت ثقافة العنف التأديبي في المجتمع بمرور الوقت، وتشير المقابلات التي أجرتها منظمة «سوريا المتجددة» مراراً وتكراراً إلى جانبٍ من المطالب المجتمعية، وهي أن بعض الآباء قبلوا بأن يقوم المعلمون بتربية الأطفال من خلال العقاب البدني، وفسّروا غياب العقاب البدني على أنه دليل على ضعف المؤسسة. قد يُفسر هذا التوقع والقبول على أنه سمة من سمات النظام الأبوي، إلا أن الواقع يبدو أكثر تناقضاً. فقد أكد العديد من المعلمين الحاليين والسابقين أن الأسر التي تُطالب بـ«الحزم» في المدرسة لم تكن بالضرورة هي التي تمارس العنف في المنزل. فالعنف، بالنسبة لهم، يُعهد به إلى المدرسة ويشرعن باعتباره تهيئةً للحياة في نظام اجتماعي استبدادي حيث يتعين على الأجساد الامتثال وعلى العقول التحمل. وعلّق أحد المعلمين قائلاً إنه بعد اختفاء «العصا» عقب سقوط الأسد، فقد العديد من المعلمين «سلطتهم»، لأن الخوف من الألم الجسدي كان له وزن أكبر من التوبيخ الأخلاقي أو الضغط النفسي وحده. فبعد عقود من الوحشية الممنهجة في المدارس، يبدو أن السلطة قد اختُزلت في القدرة على إلحاق الأذى الجسدي. وهكذا، قدّم الفصل الدراسي درساً اجتماعياً مهماً، وهو أن المكانة والسلطة متجذرتان في القدرة على القسر، والشرعية ترتبط بمن يستطيع فرض حدود السلوك.

لقد وجدت المقولة المنسوبة لبشار الأسد، بأن السبيل الوحيد لحكم المجتمع السوري هو «تكسير رؤوس الناس بالصرماية» نظيراً لها في الفصول الدراسية. فقد صرّحت إحدى المعلمات لموقع «سوريا المتجددة» - بشيء من الفخر - بأن مجرد ذكر مقاس حذائها أمام الصف كان كافياً لإجبار الطلاب على الطاعة. وروت معلمة أخرى كيف أنه بعد أن أصرّ أحد الطلاب على أن «العصا ممنوعة»، أجابت المعلمة بأن المنع ينطبق على العصا نفسها، وليس على العقاب بحد ذاته، وأجبرته على الامتثال بضربه بيدها. وقد رُسخت هذه الحادثة سلطة المعلمة في الفصل الدراسي بعد أن مورِس القهر علناً.

مع ذلك، تتباين المواقف تجاه العقاب البدني بشكل كبير. ففي استطلاع الرأي الذي أجرته «سوريا المتجدّدة» في أبريل/نيسان 2026، وشمل 900 مشارك من دمشق وريف دمشق وحمص، قال 62% منهم إن العقاب البدني في المدارس «غير مقبول بتاتاً». بينما قال 19% إنه «نادراً ما يكون مقبولاً»، في حين اعتبره 11% «مقبولاً أحياناً»، و7% «مقبولاً تماماً». ورغم أن العقاب البدني لا يزال متجذراً في المجتمع، إلا أنه محل جدل واسع.

ثقافة الغش

إلى جانب الإكراه الصريح الذي مارسه النظام، عكست الفصول الدراسية منطقاً أعمق للحراك الاجتماعي والاقتصادي في ظل حكم الأسد الفاسد والمتسم بالفساد الهرمي. كانت المدرسة بمثابة ساحة اختبار يخطو فيها الطلاب خطواتهم الأولى في نظام يُنظر فيه إلى إساءة استخدام السلطة والمناورات الانتهازية وخرق القواعد بطريقة مدروسة على أنها فضائل عملية، بل وشروط أساسية للترقي بالنسبة للكثيرين. ولذلك، كانت الامتحانات بمثابة ساحات تُصقل فيها مهارات التجاوز ضمن ثقافة أوسع للغش.

حظي من يملكون المال أو المكانة أو النفوذ في شبكات القرابة بمعاملة مميزة، غالباً بطرقٍ غير منطقية، حيث اضطر المعلمون إلى التغاضي عن سلوكياتٍ مهينة للغاية بسبب نفوذ عائلة الطالب. وعكست الفصول الدراسية أنماط المجتمع السوري الأوسع، حيث طغت السلطة على القواعد الرسمية، وأصبح الفساد جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية. وبسبب تنوع المشهد التعليمي في سوريا، إذ شمل مؤسساتٍ عامة وخاصة ودينية، وأكدت المقابلات مع المعلمين والمتخصصين في التعليم أن هذه الممارسات تباينت باختلاف أنواع المدارس والسياقات المحلية. ومع ذلك، أجمع من تمت مقابلتهم على أن الفساد كان أكثر شيوعاً في المدارس الحكومية. فعندما كان الغش المباشر صعباً، اعتمد الطلاب على الهدايا أو المدفوعات غير الرسمية لضمان الحصول على درجات جيدة. وفي بعض الروايات، أصبح منطق المعاملات في التعليم أشبه بالاستعراض، كما تصف لبنى مرعي في مذكراتها «التحدي»، كانت معلمتها تكتب مقاس حذائها على السبورة قبل «يوم المعلم»، في إشارةٍ إلى الهدايا المفضّلة التي على أولياء الأمور تقديمها. كان هذه طريقة فجة، ولكنها أشارت إلى إمكانية منح تلميحات حول محتوى الامتحان القادم أو شراء الدرجات بشكل غير رسمي.

لم يكن تفشي المحدود بين المعلمين مجرد سقوط أخلاقي فردي، بل نشأ عن اقتصاد يعاني من نقص حاد في الكوادر، حيث عانت مهنة التدريس من نقص التمويل المتعمد وتهميش مهني ممنهج. فقد أدى انخفاض الرواتب وضعف الاستثمار في تدريب المعلمين إلى جعل الفساد وسيلة للبقاء. وفي الوقت نفسه، حدّت التوقعات السياسية للنظام من دور المعلمين، فلم يكن يُتوقع منهم توسيع آفاق طلابهم المعرفية أو حثّهم على التفكير المستقل، بل اقتصر دورهم الأساسي على نقل العقيدة الأسدية والحفاظ على النظام.

إرث صعب لحقبة ما بعد الأسد

مع رحيل الأسد، تغيرت الحياة المدرسية اليومية. فلم يعد لحزب البعث، بطقوسه الدعائية الإلزامية، وجود، ولم تعد المخابرات تراقب الفصول الدراسية والممرات، مما جلب شعوراً بالهدوء والراحة النفسية للمدارس. إلا أن هذا الجو يُفهم على نحو أفضل كجزء من «شهر عسل» واسع النطاق بعد سقوط النظام، وليس كدليل على إصلاح مؤسسي عميق. فعلى الصعيد التنظيمي، لا يزال منطق الاستمرار ملحوظاً وذلك ببقاء معظم أعضاء هيئة التدريس الذين تلقّوا تدريبهم في ظل النظام القديم في مناصبهم الآن. كما يشير المعلمون إلى ضعف التنسيق وغموض التوجيهات الصادرة عن وزارة التربية والتعليم، مما يعقّد محاولات وضع معايير متماسكة في ظل بيئة تعليمية ممزقة.

ويبدو في بعض المناطق أن الدولة تحاول تعويض محدودية قدراتها المؤسسية بتعزيز حضورها وسيطرتها. ويؤكد بعض المعلمين أن الرقابة الأكثر صرامة قد قلّلت من الغش والرشاوى البسيطة، بينما ينفي ذلك آخرون. وليس من المستغرب أن إزالة صور الأسد وتغيير الأعلام لا يمحو تلقائياً سلوكيات تراكمت على مدى عقود، خاصةً مع استمرار الضغوط الاقتصادية والعادات المؤسسية التي شجعتها.

لكن التحدي الأكبر يكمن في وضع مهنة التدريس نفسها وقدراتها. فقد دخل العديد من المعلمين إلى الفصول الدراسية دون مؤهلات كافية، وسط نقص حاد في الكوادر التدريسية في زمن الثورة. ولا يزال ضعف الاستثمار في تعليم المعلمين وسوء الأوضاع الاقتصادية يُثقلان كاهل هذا القطاع. والنتيجة هي مهنة تُكافح من أجل البقاء. ويكمن السؤال المحوري بالنسبة للعديد من المعلمين في كفاية الراتب لإعالة أسرهم بعد منتصف الشهر. وتُبرز إضرابات المعلمين واحتجاجاتهم في مختلف المناطق منذ أواخر عام 2025 وحتى أوائل عام 2026 عمق هذه الأزمة، لكنها لم تُحقق تغييراً ملموساً.

المعلمون كأوصياء على النضج المدني

تمثّل المدرسة لمعظم الأطفال أول احتكاك يومي مع سلطة الدولة، ويتعايش معها من خلال الانضباط اليومي والتسلسل الهرمي وصياغة الكلام وتنظيم السلوك. وفي الوقت الذي تسعى فيه سوريا للتعافي من الحرب الأهلية وبناء دولة جديدة وعقد اجتماعي جديد، يحمل التعليم إمكانات هائلة لإحداث تغيير حقيقي، وينبغي التعامل معه كمؤسسة وطنية لإعادة الإعمار، لا مجرد خدمة عامة أخرى تُعالج بشكل ترقيعي.

إن البُعد المادي لهذا التحدي هائل. فأساليب التدريس الحديثة والمتجددة، بالإضافة إلى محتوى الكتب المدرسية التي أصبحت أكثر تعقيداً تتطلب معلّمين مؤهلين مهنياً ومستقرين اقتصادياً. وتُعدّ الرواتب الكافية والتدريب المناسب والتقدير الاجتماعي من الشروط الأساسية لتحويل المعلمين إلى أوصياء جديرين بالثقة يتمتعون بالنضج المدني، وقادرين على توجيه الطلاب وحمايتهم وتحفيزهم.

لا تقلّ تعقيداً مسألة كيفية تنظيم المدارس نفسها: الروتينات والحوافز والممارسات غير الرسمية التي تُمارس من خلالها السلطة وتُعاد إنتاجها في الحياة اليومية. ولا يمكن لوزارة التربية والتعليم ولا للدولة عموماً أن تتوقع التخلص من الاستبداد مع الحفاظ على العادات الاجتماعية والمنطق المؤسسي الفاسد الذي شكّل بنية المدارس لعقود. إذا أرادت سوريا تجاوز الاستبداد، فإنّ الفصل الدراسي هو نقطة انطلاق أساسية.

سيتم نشر الجزء الثالث من هذا البحث في عدد شهر يوليو/تموز، وسيتناول من الناحية العملية كيف يمكن لثقافة تعليمية جديدة أن تتجذر في سوريا، ومن هو القادر على رعايتها.

العودة إلى الأعلى

العدالة والحقوق والمجتمع المدني

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية