نظرة كردية لاتفاق قسد مع الحكومة
5. فبراير 2026
في الشارع الكردي، لا يُنظر إلى الاتفاق بين قسد ودمشق على أنّه نهاية القصة، بل بداية فصل جديد. فصل يبدأ بوقف نزيف الدم وتفادي النزوح الجماعي، وينتهي بتحقيق اللامركزية السياسية عبر الوسائل السياسية.
ثمّة شيء واحد مؤكّد: لا يُحقّق هذا الاتفاق المُوقَّع بين الحكومة السورية وقوّات سوريا الديمقراطيّة المطالب الكردية في البلاد على المستوى الشعبيّ. لكنه، في مستوى مماثل، يُنظر إليه كحالة استثنائيّة مرحليّة، يهدف إلى تحقيق الحدّ الأدنى من الاستقرار ومنع الصدام المفتوح الذي سيكلّف الكرد الكثير من نزوح وتهجير وعمليات قتل جماعيّة. لذا، في الشارع الكردي يشكّل هذا الاتفاق مدخلاً لإعادة بناء شكل علاقة جديدة مع دمشق، بالمطالب ذاتها، إنما بآليّات مختلفة تراعي التحوّلات السياسيّة والمجتمعيّة والإقليميّة المحيطة.
ضمانات أمنية
من نافل القول إنّ وقف إطلاق النار هو أهمّ ما يمكن أن يضمّه هذا الاتفاق، والحدّ من انفجار هويّاتي في المنطقة، ومنع الاقتتال المجتمعي بين الكرد والعرب. لذا، تكمن الضرورة الأخلاقيّة لدى الشارع الكردي بوصفه فرصة لأن يكون الجميع رابحاً، وأن تكون عمليّة الدمج التي بدأت بحقن الدماء تنتهي بدمج المؤسّسات الأمنيّة والمدنيّة.
والحال أنّ إحدى ما أفرزته هذه المرحلة هو إعادة تأكيد المُؤكَّد كردياً، وهو ألّا يتدخّل الشباب الكردي في نزاعات خارج مناطقهم، وهو مطلب كردي ثابت، كان دائما نقطة خلاف مع قوّات سوريا الديمقراطيّة في إرسال مقاتلين كرد إلى المدن العربيّة مثل الرقة ودير الزور، لذا فإن وقف نزيف الشباب الكرد خارج مدنهم يُعدّ إنجازاً يُنظر إليه بإيجابيّة في الشارع الكردي.
في هذا السياق، يُنظر إلى تثبيت هيكليّة قوّات سوريا الديمقراطيّة كقوّة عسكريّة موحّدة عبر ألوية واضحة، بدل الدمج الفردي، على أنّه مكسب استراتيجي دفاعي، خاصة مع بقاء الآساييش كقوى أمنيّة متحكّمة بالمسارات الأمنيّة داخل المدن والبلدات الكردية، حتى وإن كان ضمن ملاك الأمن العام السوري. كذلك فإن تثبيت موظّفي الإدارة الذاتيّة داخل مؤسّساتهم دون الإقصاء الجماعي كما شهدته مناطق أخرى من سوريا، وفّر الحماية الاجتماعيّة لآلاف العائلات. إذ أنه يشكّل ضامناً اجتماعيّاً مهمّاً بالنسبة للمجتمع الكوردي، وهو ما يصبون إليه في اللامركزيّة التي يطالب بها الكرد مراراً، وبالتالي فإن هذه اللامركزيّة غير المعلنة تمثّل مسار الضمان الاجتماعي بالنسبة لهم.
خطوة نحو اللامركزية السياسية
إلّا أنّه من المهم أيضا الإشارة إلى أنّ الشارع الكردي على يقين تام بأنّ مطالبته باللامركزيّة السياسيّة وتثبيت حقوقه الدستوريّة هو الحلّ النهائي لقضيّته. فالهاجس من أن يكون هذا الاتفاق مؤقتاً لا يزال يراودهم، لكن الحاجة إلى توفير الضمانات الأمنيّة جعلتهم يقبلون بالاتفاق كما هو الآن، مع إحالة التفاوض إلى الوفد الكردي المنبثق من كونفرانس وحدة الموقف الكردي الذي عُقد في نيسان 2025.
من جهة أخرى، وفي حال فشل الاتفاق، فإن المخاطر لن تقتصر على عودة الاشتباكات فحسب، بل سوف تمتدّ إلى تفكّك الثقة المجتمعيّة وفتح الباب أمام تدخّلات إقليميّة أوسع، خصوصاً من جانب تركيا. لذا، فإنّ التمسّك بالاتفاق قد يشكّل مدخلاً عقلانيّاً لتحويل الهدنة الأمنيّة إلى مسار سياسي يربط بين الحقوق الكردية الكاملة والحفاظ على وحدة سوريا على أسس جديدة من الشراكة تضمن التعدديّة والديموقراطيّة والمواطنة المتساوية.
ختام القول: يبرز دور الحراك الشعبي الكردي في تطوير هذا الاتفاق الأمني، عبر المطالبة بإشراف دولي لضمان استمرار وقف إطلاق النار، وجدول زمني واضح لأي عمليّة دستوريّة أو دمج مؤسّسي، وضمانات دستوريّة صريحة للامركزيّة السياسيّة، لتكون لبنة أولى في بناء دولة سوريّة موحّدة، عادلة، وقادرة على احتضان تنوّعها بدل قمعه؛ دولة يكون فيها المنتصر الحقيقي هم الناس، بكل مكوّناتهم، لا دعاة الحرب ولا تجّار التحريض وخطاب الكراهية.