لنعترف أننا مفككون

14. فبراير 2026

في سوريا اليوم، لا تعلو سوى لغة التخوين والشيطنة، بينما يغيب الحديث عن التنمية والعدالة والمستقبل. الاعتراف بأننا مفككون هي الخطوة الأولى نحو إنقاذ ما تبقى من الوطن.

يؤسفني كثيراً مشهد التراشق الإعلامي عبر مختلف الشاشات المعنية بالشأن السوري. والمؤسف الأكثر، إن أغلب المُدافعين عن السلطة في دمشق، يُظهرونها – السلطة - وكأنها لهم وحدهم دون سواهم، وأن الأخرين الذين يُفكرون أو ربما سيُفكرون بعقلية وطريقة مُغايرة ، إنما هم شيطانٌ مُطلق، وجب القضاء عليهم. كما يذهب كثير من الجمهور المُعارض عبر تلك الشاشات لشيطنة كل ما يصدر عن السلطة، واعتبارها شراً لا يُمكن الرهان عليه ولا أمكانية للتعديل أو العمل معه. ووفقاً لذلك، فإن الذباب الالكتروني يجد الملعب المغمس بالقطر فيتراقص عليه، وبالمحصلة فإن الحاضر الأكبر هي الشتائم والتخوين من الطرفين، والدعوة لسفك الدماء، والغائب الأخطر هو البحث في مستقبل البلاد، وطرائق توحيد معاول ردم الهوةَّ بين السوريين. وفي النهاية فإن سردية أن الدروز خونة، والعلويين فلول، والكرد انفصاليين، مقابل أن السلطة جذرية ومُنتهِكة، هي السردية الوحيدة الصادرة حتّى اليوم.

ظاهرة الشيطنة المتبادلة هذه، قادت لغياب وفقدان المنطقة الوسطى، أو الحلول الوسطية التي تجمع السوريين، وبالتالي تحول الفضاء العام السوري إلى أبيض واسود لا غير. لتجد الأصوات المعتدلة والباحثة عن الحلول الوسطى بأنها أصبحت مشروع شيطنة جديد، و«ضحية» جديدة لرشقها بخطاب التحريض والكراهية والعنف. أشعر أحايين كثيرة، بأن سباقاً وصراعاً محموماً يدور حول السلطة، وخاصة من قسم من الإعلاميين والنُخب والسياسيين، للحصول على «فيزا» منح (صكوك الوطنية)، أو جر أحدهم لساحة التراشق الإعلامي، وممارسة كل أشكال خطاب الكراهية عليه. ليعود الذباب الالكتروني مُجدداً لممارسة هواية تزييف الوعي، وتضخيم النزاعات الصغيرة، وتحويلها إلى صراعات وجودية كبيرة، ليُترك الموضوع الجوهري الصُلب حول سوريا، ومستقبلها وكيانها.

يبحث السوريين اليوم عن شاشة يستمعون من خلالها وعبرها حول التنمية، والتعليم، ومستقبل الشباب، والنساء، وكيف يمكن لسوريا ما بعد الصراع والنزاع، أن تتحول إلى نموذج في مسارات العدالة الانتقالية، وإنهاء العنف، ومنع الإفلات من العقاب. يبحثون عن شاشة لا ساحة معركة، عن إعلامٍ ينقل لهم عن هموم الناس، وتحقيق الوزارات الخدمية لأدنى مستويات أحلامهم البسيطة. لكنهم يصطدمون بإعلام  يعمق الفجوة، ويزيد التخوين ويمنح مساحة لضيوفٍ ويُعلي من شأنهم ، وهم بالمقابل يُقدمون كُل ما يلزم لصب الزيت على النار، وتعميق منسوب التخوين.  وبهذا تغيب  أمكانية تفكيك السرديات القاتلة القائمة على التعميمات الطائفية والقومية.

حشود بموافقة الدولة

ذات مرة، قال أحد الضيوف عبر إحدى الفضائيات: إنهم يملكون ما يقارب من النصف مليون مقاتل في «جيش العشائر». أليس هذا فصيل جديد ما دون دولتي؟ لربما تسلّح ذلك الجيش قبل إسقاط النظام، ولكنه الآن في فترة زمنية تصرّ فيه السلطة على مصادرة وسحب وضبط وحصر كُل السلاح في يد ووزارتي الدفاع والداخلية فقط. ولماذا لا تهاجم تلك الأعداد الدوريات الإسرائيلية التي تجول وتصول وتخرق السيادة الوطنية في ريف دمشق ودرعا والقنيطرة والجولان وجبل الشيخ؟

ثم، هل تملك فعلاً السلاح الثقيل حتى تفتح جبهات في الداخل السوري؟ إذا كان الجواب «لا» فلماذا تعبث بأمن البلاد وتُرسل أبنائها إلى المحارق، وتُنهي كُل ما له علاقة بالسلم الأهلي؟ أما إذا كانت فعلا تملك سلاحاً ثقيلاً: فمن أين أتت به؟ ومن هي الجهة التي سلحتهم أو منحتهم نفاذاً ووصولاً لاقتناء السلاح؟ لتشعر تلك الجماعة بفائض القوى، وتذهب صوب تنميط المكونات السورية خاصة الدروز والعلويين والكرد، وحتّى السنة الغير منسجمين معهم أو مع السلطة، ومن ثم فرزهم صوب قوالب جاهزة من خونة وانفصاليين، ليكون الرد عليهم بسفك الدماء.

هل فكرت السلطة أن لجوء بعض الإعلاميين والسياسيين المحسوبين عليها، إلى مثل تلك الألفاظ والتُهم، ستجعل منها أهم وأكبر هدية لأعداء سوريا، والساعين صوب منع الاستقرار، وبل سينجحون في منع ايّ تلاقٍ وطني. والأكثر تفكيكاً للروح الوطنية، ان هذه التصرفات تُغيّب مشروع المستقبل، وتعبد طريق استعادة صراعات الماضي. عجبي على بلادي، الغالبية مشغولة بالشتائم، والتخوين، في حين يغيب البحث في مستقبل البلاد.

لنكن صادقين

بالمقابل فإن الساحة الإعلامية مفتوحة أيضاً لمن يرغب بالبحث عن الحلول الوسطية وللباحثين عن عقد اجتماعي جديد، يضمن الاعتراف بالآخر والبحث عن المشتركات، وعن تحمل المسؤولية الجماعية. وتمنح الوقت والمساحة للباحثين عن معاول الردم بدلاً عن الهدم، والتأكيد على أن الاعتراف بالتشظي هو الخطوة الأولى للعلاج.

أول الاعترافات هي ان سوريا  مقسمة فعلاً، جغرافياً وسياسياً، والأخطر بشرياً. لذا من الجيد الاعتراف أن أهالي السويداء -الدروز يخافون من السلطة في دمشق، وان قاطني الساحل من العلويين يحملون مشاعر الغبن والخوف من هويّتهم . وأن الكرد لا يُرحبون بمن وصفتهم السلطة بالجماعات المنفلتة. كما أن جمهور السلطة أيضاً يحملون مشاعر وذاكرة جمعية عن القتل والبراميل وكل اشكال الصواريخ، و والتعذيب والاسيد في صيدنايا، والمختفين قسراً، ومئات الآلاف ممن استشهدوا وفُقِدوا، ومدنهم المدمرة. كل هذه المشاعر موجودة، وهي منتشرة بين العرب والكرد، وبين الطوائف، وبين المسلمين والمسيحيين.

هذه نتيجة شبه طبيعية لثلاث عوامل، الأولى: أن هذا التنوع القومي الديني لم يكن عامل تأجيج وصراع بحد ذاته، بل هو ما نجح في تأجيجه النظام البائد، وضرب كل المكونات ببعضها البعض، ولا نزال ندفع ثمنها جميعاً. والثاني: أن غياب السردية الوطنية الجامعة، والعقيدة العسكرية الموحدة، تديم تلك المخاوف، والثالثة: أن غياب طاولة الحوار المستديرة، وغياب الاعتراف أن في سوريا مشكلة سياسية يتوجب حلها، وأولى الخطوات للحل هو الاعتراف بالتنوع وإدارته، وحجم المشاكل والغبن التاريخي، والخوف المستقبلي، وهو ما يُلزم الجميع الاعتراف إننا منقسمون ومفككون ومنفصلون عن بعضنا البعض. وكما أن الشمس لا تُحجب بالغربال، فإن الوضع الراهن لا يُحجب أيضاً.

العودة إلى الأعلى

باحث في الشأن الكردي والسوري

رأي

ياسر الظاهر

فواز حدّاد يكشف الحالة السورية

فواز حدّاد روائي رافق التجربة السورية على مدى نصف قرن. طالما اعتُبرت رواياته محرَّمة في عهد النظام السابق، لما تكشفه من أثر الاستبداد في تشكيل الوعي والثقافة والأحكام الأخلاقية. وبهذا، غدا أحد أكثر الأصوات الأدبية حضوراً ووضوحاً في المشهد الثقافي اليوم.

07. فبراير 2026

ماجد داوي

نظرة كردية لاتفاق قسد مع الحكومة

في الشارع الكردي، لا يُنظر إلى الاتفاق بين قسد ودمشق على أنّه نهاية القصة، بل بداية فصل جديد. فصل يبدأ بوقف نزيف الدم وتفادي النزوح الجماعي، وينتهي بتحقيق اللامركزية السياسية عبر الوسائل السياسية.

05. فبراير 2026

محسن المصطفى

أمام كرد سوريا فرصة نادرة

مع تغيّر ميزان القوى وإعادة تشكّل الديناميات الإقليمية، يواجه أكراد سوريا فرصة نادرة: الانتقال الحاسم من منطق الميليشيات المسلحة إلى الانخراط السياسي والتعددية ضمن إطار دستوري. إما اغتنام هذه الفرصة، أو المخاطرة بمزيد من التراجعات.

31. يناير 2026

أحمد عمر

سقوط جدار برلين السوري

على مدى عقدٍ من الزمن، عاشت سوريا في ظلّ قطيعة غير مرئية بين شرقها وغربها أعادت تشكيل الولاءات وتفاصيل الحياة اليومية. وانهيار هذه القطيعة يفتح مرحلة انتقالية خطِرة، يتعيّن فيها إعادة بناء الوحدة قبل أن يتصلّب الانقسام من جديد.

29. يناير 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية