الكتاب يصفق للشعب السوري في عرسه
17. فبراير 2026
طوابير، كتب كردية، ابن تيمية، صالات صلاة، وحافلات مجانية. قدّم معرض دمشق الدولي للكتاب صورة مكثفة لبلد يختبر حدود جديدة للتعددية وحرية التعبير.
يتفق المراقبون ومحبو الكتب من أمة «اقرأ» — أول لفظ أنزل الله تعالى على نبيه الأمّي — أنَّ معرض الكتاب الأخير في دمشق تحول إلى ما يشبه العرس الوطني، أو المولد المصري، أو المهرجان. أما العرسان فهم الكتّاب، حتى أنَّ بعضهم وصفه بـ «معرض الكتّاب»، وشاعت عبارة درجت على ألسنتهم في صفحات وسائل التواصل والتفاصل: تجدون كتابي في الجناح الفلاني. فسأل كاتب ساخر: أين القرّاء؟
وكان المثقفون السوريون يشكون من غياب الفضاء العام في عهد الأسد؛ فالشعب السوري كان أسيراً في قمقم زجاجي اسمه التلفزيون، وغُيبت الساحات السورية بكل معانيها، الحقيقية على الأرض، والفكرية والافتراضية. وبالمقارنة، توجد في كل مدينة أوروبية ساحة كبيرة تتوسط المدينة، و أمام موقف الباصات أو القطارات غالباً، وبها يجتمع فيها الناس مساءً بعد يوم شاق، أو يتظاهرون ضد الحكومة، أو يحتفلون بالأعياد والمناسبات، أو يتسامرون.
أما في المدن السورية، فقد نُقلت محطات الباصات في عهد الأسد من مركزها إلى خارج المدينة، إما لتخفيف الزحام أو لغايات سياسية، وهو ما نرجحه . وتحولت ساحة الحجاز في وسط دمشق، وكانت محطة ينطلق منها القطار إلى مكة، إلى متحف خالٍ من التحف، وإلى أثرٍبعد عين من حضارة زائلة. وسارت أخبار بأن أنقرة ودمشق تعملان على إحياء خط السكة الحديدية الذي دمره الجاسوس الإنجليزي صاحب «الأعمدة السبعة» الشهير باسم لورانس العرب.
عيد الكتاب والسمفونية
ظهرت آثار عرس الكتاب «الحزين» في احتفال الكتّاب على وسائل التواصل الاجتماعي، ومباهاتهم بآثارهم وصورهم، في معرض ما سماه أحد الظرفاء: «الشوفونية» المشتقة من فعل «شوفوني»، أي: انظروا إلي. وبرزت بدعة فريدة في معرض الكتاب هي «قسم الكتاب الكردي»، فقد عُرضت كتب بالكردية لأول مرة في تاريخ سوريا في قسم خاص، يعرضها موظفون بالزي الكردي، وكان ذلك حلماً كردياً وطنياً أثمر بعد ستين سنة من النضال.
أما من اشتكى من كثرة كتب الأسلاف أو الكتب السلفية، فهم قليل من الأقليات العلمانية والدينية. وشكوا من مكتبة ابن تيمية وهو أحد أغزر مؤلفي الإسلام بعد ابن الجوزي، وقد توفي في داخل محبسه في قلعة دمشق عام 1328م، بعد اعتقال دام عدة أشهر مُنع فيها من كتبه وأدوات الكتابة. وشهدت جنازته حشوداً ضخمة، فهو الذي جاهد ضد الغزاة وضد تحجر السلطات السياسية والفقهية آنذاك. وقد يأتي اليوم الذي يُحتفل به فيه كما احتفل العالم بنلسون مانديلا. ولم يكن مانديلا عالماً ولا فقيهاً ولا مفكراً ولا فيلسوفاً مثل ابن تيمية، فريد عصره ويتيم دهره، وهو بطل لدى معظم الشعب السوري. بعض الساخطين سمّوا معرض الكتاب الذي كان اسمه في بعض عهود الأسد معرض الكتاب التقدمي بأنه «معرض الكتاب الرجعي».
لابن تيمية جملة أدبية اشتهرت، تشبه القصيدة النثرية، لو كُتبت بالإبر على آماق البصر لكانت عبرة لمن اعتبر: «ماذا يفعل بي أعدائي؟ إن سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة». ونضيف: ومحاربتي دعاية.
الدعوة الرسمية وأسعار الكتب
جاءت الدعوة للمعرض من مكتب رئاسة الجمهورية، وهي دعوة كريمة، وكان أبوه أحد المؤلفين في المعرض، وقد طبعت له خمسة كتب عن دار الفكر، وقلما تجد رئيساً عربياً أبوه كاتب أو مؤلف. والحق أنَّ أسعار الكتب مرتفعة، ولا تناسب القدرة الشرائية للمدخول السوري، لكنه كان عيداً وحفلة، لكتاب حزين، مصاب بالتوحد.
وجد كثير من الزائرين في المهرجان أصدقاءهم، فقد انقضت الحرب وأزيلت الحواجز، وعادت كثير من الطيور إلى أعشاشها، بل قد يجد الزائر كاتبه ويحصل منه على توقيعه، وقد يحصل منه على هدية. ويستمتع بالزحام، ويستلذ بعروض الأطفال المسرحية مثل «كراكوز وعيواظ»، والأغاني الثورية التي يغنيها الأطفال في أحد أقسام المعرض مثل أغنية: «ارفع رأسك فوق أنت سوري حر».
الصلاة والفضاء العام
يصلي زائر المعرض صلاته في وقتها؛ فقد كانت الصلاة ممنوعة في الثمانينيات، وبقيت مكروهة في الأمكنة العامة في دولة التقدم والاشتراكية في التسعينيات. وكان المصلون يصلون في معارض الكتب على بُسط مُدت على عجل في زوايا مهملة. أما الآن فلها صالات كريمة.
كان النظام المدحور يجد حرجاً في منع الضيوف العرب من الصلاة. بل يستطيع الزائر الفقير القادم للفرجة والخارج من حرب أهلكت الحرث والنسل، والصامت والناطق، أن يشرب القهوة مجاناً في أقسام الدول العربية الغنية مثل الكويت وقطر والسعودية.
مولد «سيدي» الكتاب
معرض الكتاب «مولد» يضيع فيه الزائر مثل «أليس في بلاد العجائب». لقد بات لسوريا عيدان في شهر واحد، أو سنة واحدة هما: عيد الثورة وإسقاط النظام، وعيد معرض الكتاب، الذي تحول إلى عيد للاستقلال والتحرير، فقد أسقط الشعب السوري أحد أبغض الأنظمة الدكتاتورية في التاريخ العربي، بعد تقديم مئات الآلاف من شهداء البشر وتحطيم الحجر.
يجدر بالذكر أن دور نشر كسُلتْ عن المشاركة، لكنها أرسلت كتبها عبر دور نشر زميلة، واحتفل الكتّاب الممنوعة كتبهم بإباحة عرضها وبيعها.
السوريون يحبون الكتب، حتى إن من لا يقرأ يشتري مجلدات فارغة للمباهاة، يزيّن بها بيته ويستعرض ثقافته. لم يُسمع بكاتب احتج على منع كتابه. ربما اشتكى زائرون من بعد المعرض في مدينة المعرض قرب المطار، لكنه مع ذلك كانت المواصلات إليه مجانية، فأنعم بالمعرض وأنعم بزواره.
نجد في مادة «قرأ» في لسان العرب معان كثيرة منها: القراءة والجمع والدنو والغياب والحمل والتنسك، وقد جمع فعل «اقرأ» السوريين، فهم أمة القرآن.
يقال إن تجارة العطر غير خاسرة، فمن فاته الربح لم تفته الرائحة، غالباً ينال نفثة مجانية.
ونضيف إلى تاجر العطر: زائر معرض الكتاب.