مضغ علكة البعث

11. آذار 2026

قد تكون سوريا قد دخلت «عهداً جديداً»، لكن من يُصغِِ جيداً سيجد أن اللغة تبدو مألوفة على نحو مريب. فمن الكليشيهات البعثية إلى بقايا البيروقراطية القديمة، ما تزال مفردات النظام السابق تتردد في خطاب العهد الجديد.

لا يمر يوم إلا ونسمع أصداء الماضي البعثي البغيض في بيانات العهد الجديد وخُطب قادته ومراسلاته. فما تزال الآذان تسمع عباراته الخشبية، مثل: «نرفع أسمى آيات الشكر والتقدير للشهداء»، والشهداء عند العهد الجديد، وعندنا أيضاً، ليسوا أصحاب تحية فهم عند ربهم يرزقون. وعبارة «القيادة الحكيمة»، وصفة «الوحدات الخاصة»، ذلك الفصيل العسكري سيء الذكر الذي بقي اسمه قائماً،. ونحمد الله أن العهد الجديد لم يرث فرعاً للجوية كما كان في عهد «الأبد». بل ورد أن بعض الفروع الأمنية ذات أرقام للإيهام بكثرتها.

إعادة تدوير تعبيرات العهد القديم

وقد يكون مسوغ استعمال ألفاظ البعث ضيق ذات اللسان أو قلة الحيلة؛ فكأن العهد البائد لم يُبَد بل بقي رائداً وقائداً، ولم يغادر الشعراء من متردم، بل استوفوا كل أغراض الشعر.

قد يلبس المرء معطفاً بعد تصغيره، أو ثوباً بعد تكبيره، غير أنَّ رجلاً ضخم الجثة إذا لبس معطفاً للصبي بدا مضحكاً. فكيف إذا مضغ علكة قديمة من سوق المستعمل والمسروق؟ وهل بقيت علكة البعث العلماني في فم الحكام الجدد؟

بعض القيادات في العهد الجديد وقف دقيقة صمت على أرواح الشهداء! وهذه الدقيقة كانت في الأصل اختراعاً بعثياً علمانياً مستورداً من وراء أعالي البحار، لتجنب قراءة الفاتحة القرآنية حسب التقاليد الشامية. وكانت الدقيقة نفسها تختصر أحياناً إلى ثلاثين ثانية، كعادة الرفاق المتعبين من سرقة أمتعة الأحياء واختلاس عزوة الأموات! لعلهم كانوا يتعبون من النضال واقفين في الحواجز فيقعدون، أو حرقاً للمراحل وكسر لظهور الرواحل.

وللعهد الجديد جهاز في الجيش اسمه «التوجيه المعنوي»، كما في عهد البعث وكان اسمه الشؤون المعنوية. وقد بلغنا أن محافظة حمص أمرت موظفيها بالاستغناء عن وصف «المحترم» في المخاطبات الرسمية، وهو وصف كريم لا تثريب عليه.

كان الأولى بالدولة أن تبحث عن علاج لعبارات بيروقراطية غريبة، لا معنى لها، أو ضاع معناها، مثل: «للبحث والتدقيق أصولاً»، وهي عبارة لا يعرف أحد ما أصولها. وكذلك عبارة «لتنفيذ الأمر بالسرعة القصوى» التي تبدو أقرب إلى معادلة فيزيائية غير مسلية عصية على الحل منها إلى خطاب إداري.

أما «الإحالة إلى الجهات المختصة» فلا تزال على حالها، كأنها الاسم الحركي للمخابرات السرية التي كانت تعتقل تصيد السوريين في أدغال القوانين.

اللغة كأداة للسلطة

اللغة ليست وسيلة تعبير فحسب، بل أداة سلطة. ولهذا حرصت الأنظمة الشمولية على تشكيل اللغة بما يخدم رؤيتها للعالم. في عهد أدولف هتلر ظهرت مصطلحات مثل الرايخ الثالث والعرق الآري والمجال الحيوي. كما استُعملت تعبيرات مخففة مثل «الحل النهائي» لإخفاء مشروع الإبادة الجماعية.

وقد لاحظ الباحث الألماني فيكتور كليمبرر هذه الظاهرة في كتابه لغة الرايخ الثالث، حيث بيّن كيف طفحت اللغة اليومية بألفاظ الدعاية حتى صار الناس يكررون خطاب السلطة دون أن يشعروا.

وفي الاتحاد السوفياتي في عهد جوزيف ستالين ظهرت مصطلحات مثل الرفيق والبرجوازية وأعداء الشعب والتطهير والخطة الخمسية. ولم تكن هذه مجرد كلمات، بل أدوات تحدد مصير الأفراد، ومنازلهم الحزبية، بل ومصائرهم أيضاً.

فاللغة لا تنقل الأفكار فقط، بل تصنعها أيضاً. وإن الله عندما خلق آدم، كان أول ما فعله هو أن علمه الأسماء كلها.

أما الثورة السورية التي قدمت مئات آلاف الشهداء، فلا تزال صحيفتها الرسمية تسمى صحيفة الثورة! وإن أضيفت إليها صفة السورية ترفقاً بالسوري وخوفا عليه من الخلط بين الثورة السورية وبين الثورة الجزائرية أو الفيتنامية.

التجديد اللغوي

نصح المتنبي من عجز عن إكرام الآخرين أن يعوض ذلك بجميل الكلام، فقال:

لا خيلَ عندك تهديها ولا مالُ

فليسعدِ القولُ إن لم تُسعدِ الحالُ

وكان الإسلام مثالاً فريداً في تجديد اللغة؛ فقد أعطى كلمات قديمة معاني حضارية جديدة مثل: الإسلام، الجاهلية، الخلافة، بيت المال، الجهاد، الشهادة. كما ظهرت مصطلحات مثل: أمير المؤمنين، دار الإسلام، دار الحرب، الوقف.

والحق أن الجيش السوري اليوم أقرب إلى المعجم الإسلامي في مصطلحاته من الإعلام والإدارة، وإن بقيت بعض الأسماء الموروثة مثل الشؤون المعنوية. وهذا يدل على أن العهد الجديد لم يرث من العهد الأسدي مؤسساته فحسب، بل بعض تقيته اللغوية أيضاً.

العودة إلى الأعلى

كاتب سوري

رأي

هبة عز الدين

بين «النسوي» و«النسائي»: الباب ما زال مغلقاً

لسنواتٍ طويلة، ناقشت السوريات ما إذا كان الخطاب النسوي أو اللغة الأكثر محافظة حول «قضايا المرأة» هو الطريق الأفضل للوصول إلى المشاركة السياسية. لكن بعد نتائج انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، باتت حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: بغضّ النظر عن اللغة التي يستخدمنها، ما زالت النساء مُستبعَدات من مراكز السلطة.

10. آذار 2026

منير الفقير

كيف تسعى الحكومة إلى امتصاص الغضب الشعبي

مع تفاقم الصعوبات الاقتصادية وتصاعد الإحباط الشعبي، تطرح القيادة السورية فكرة الانتقال إلى نظام شبه رئاسي. لكن هل يمثل ذلك إصلاحاً حقيقياً، أم مجرد وسيلة لإعادة توزيع المسؤولية مع الإبقاء على تركّز السلطة؟

08. آذار 2026

شفان ابراهيم

نريد هوية وطنية جامعة، لا شعارات مرحلية

أدّى سقوط الأسد إلى خلق فراغ في مفهوم الدولة. ومن دون اعتراف متبادل وعقد اجتماعي حقيقي يجمع جميع المواطنين، فإن الدعوات إلى الوحدة قد تتحول إلى مجرد شعار فارغ جديد.

06. آذار 2026

محمد خير الوزير

أيّ عدالة نريد؟

في سوريا ما بعد الأسد، يبقى السؤال: أيّ عدالة نريد؟ عدالة تُرمِّم المجتمع وتُعيد الثقة بالدولة، أم عدالةٌ انتقائية تُعيد إنتاج الخوف وتفتح أبواب الثأر؟

03. آذار 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية