من يملك حق التصرف بالحقيقة المرّة؟

4. حزيران 2026

البلد بأكمله مهتم بطريقة التعامل مع مصير رانيا العباسي وأبنائها

سأروي لكم قصة قصيرة عن أم اعتُقلت ابنتها وهي حامل بطفلها الأول. كانت الابنة لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها، ولم يمضِ على زواجها سنة واحدة حين اعتُقلت مع زوجها وأهل الزوج واختفت أخبارهم تماماً.

تحدثت تلك الأم عن ابنتها وكأنها تراها أمامها رغم مرور سنوات طويلة على اختفائها. كان ترجيح موت ابنتها أكبر بكثير من أمل عودتها هي وطفلها وزوجها سالمين، لكنني لم أكن أملك الجرأة لأقول ذلك.

تذكرتُ هذه القصة وأنا أستمع إلى الأستاذ حسان العباسي، شقيق الدكتورة رانيا العباسي، الذي خرج بفيديو ينعى شقيقته وأطفالها بعد صدور بيان الهيئة الوطنية للمفقودين، وقالت فيه إنها حصلت على ما لا يدعو إلى الشك من الأدلة التي تجزم بمقتل رانيا وأطفالها في حفرة التضامن على يد أمجد يوسف.

قال حسان العباسي إن الهيئة تسرعت في إصدار البيان، وإنه وشقيقته الدكتورة نائلة العباسي لم يتمكنا بعد من تقريب الصورة إلى والديهما أو تهيئتهما لتلقي هذا الخبر، وإن صدور البيان بهذه الطريقة وضع العائلة في حالة صدمة.

لا أعرف أين تكمن الحقيقة هنا ففي بيانها أكدت الهيئة أنها أصدرته بموافقة من العائلة، كما أكدت مقتل الأطفال ووالديهم، لكنها لم تنشر الأدلة التي استندت إليها، واكتفت بالإشارة إلى تحقيقات أوصلتها إلى هذه النتيجة، وأنها تعمل حالياً على البحث عن رفات العائلة التي أُبيدت بالكامل.

من المسؤول؟

لنعد مرة أخرى إلى حسان العباسي الذي وجّه اتهاماً واضحاً وصريحاً للفريق الذي تترأسه الصحفية انتصار شحود، وهو الفريق الذي قادت تحقيقاته إلى كشف هوية أمجد يوسف وظهوره للعالم بوصفه أحد المتورطين في مجزرة التضامن.

وتبين لاحقاً أن الفريق العامل مع انتصار شحود يمتلك ما يقارب تسعةً وعشرين فيديو يوثق المجزرة، وأن ما نُشر وتداوله الناس كان واحداً منها فقط، وقد احتفظ الفريق بباقي الفيديوهات للحفاظ على سلامة الأدلة ومنع العبث بها وتقديمها للمحاكم الدولية بدلاً من تحويلها إلى مادة إعلامية قد تتعرض للتشويه، وأن نشرها جاء قبل سقوط النظام.

لكن الجدل لم يتوقف عند هذا الحد. فقد رفض الفريق تسليم تلك الأدلة مباشرة إلى الجهات المختصة في الحكومة السورية الجديدة بعد سقوط النظام، مبرراً ذلك بغياب الثقة، وجاء هذا الموقف في ظل قرارات وخطوات أثارت جدلاً واسعاً حول جديّة مسار العدالة الانتقالية، من بينها إشراك شخصيات مرتبطة بملفات حساسة في لجان المصالحات، كفادي صقر، الذي أثار ظهوره موجه غضب ما زالت تتسع رقعتها وحدّتها إلى يومنا هذا. 

وفي المقابل، أكد فريق انتصار شحود في بيان لاحق أنه سلّم ما بحوزته من أدلة ووثائق إلى السلطات الألمانية منذ عام 2022، وأن مهمته كانت بحثية وتوثيقية بالدرجة الأولى وليست مهمة قضائية أو تنفيذية تتعلق بتحديد هوية جميع الضحايا أو التواصل مع عائلاتهم، كما أوضح أنه قام لاحقاً بتسليم ما لديه من مواد للحكومة السورية عبر منظمة وسيطة.

اتهامات متبادلة

وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يحق لفريق بحثي الاحتفاظ بالأدلة كل هذه السنوات؟ وماذا عن حق العائلات وأهالي الضحايا في معرفة مصير أبنائهم؟ وإذا كانت الأدلة موجودة لدى جهات رسمية ودولية منذ سنوات، فمن تقع عليه مسؤولية تحويلها إلى حقيقة تصل إلى العائلات التي ما زالت تنتظر؟

بعد صدور بيان الهيئة الوطنية للمفقودين، تحولت القضية سريعاً إلى ساحة من الاتهامات المتبادلة، وانشغل كثيرون بتبادل اللوم وتحديد الجهة التي تتحمل مسؤولية التأخير أو الإعلان أو الاحتفاظ بالأدلة.

ولمن لا يعرف رانيا العباسي، فهي طبيبة أسنان وبطلة سوريا في لعبة الشطرنج وأم لخمسة أطفال اعتُقلت بعد اعتقال زوجها عبد الرحمن ياسين بيومين بتهمة تمويل الإرهاب في آذار عام 2013، ومنذ ذلك الوقت تصدر اسمها واسم زوجها وأطفالها وسكرتيرتها قوائم المفقودين في سوريا، وتحولت قضيتها إلى واحدة من أكثر قضايا الاختفاء القسري حضوراً في تقارير المنظمات الحقوقية المحلية والدولية.

وربما يفتح الجدل الحالي باباً أوسع للنقاش حول العلاقة بين منظمات التوثيق والضحايا وعائلاتهم، وحول الحدود الفاصلة بين حماية الأدلة والحفاظ عليها من جهة، وحق العائلات في الوصول إلى الحقيقة من جهة أخرى.

وفي خضم هذا الجدل، لا يبدو أن أياً من الجهات التي تمتلك الأدلة أو أجزاءً منها مستعدة لنشرها للرأي العام، مبررة ذلك بالحفاظ على السلم الأهلي ومنع استغلال المشاهد المروعة في تأجيج الانقسامات. غير أن السلم الأهلي نفسه يواجه اليوم اختباراً صعباً في ظل موجات الغضب والاستقطاب التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، وتحولت في بعض الأحيان إلى خطابات تحريض جماعية تتجاوز مسؤولية الأفراد المتهمين إلى جماعات بأكملها.

وبين حق العائلات في معرفة الحقيقة، وحق العدالة في حماية الأدلة، وواجب الدولة في إدارة هذا الملف الحساس، يبقى السؤال مفتوحاً: من يملك حق التصرف بالحقيقة عندما تكون الحقيقة نفسها جرحاً؟

أما الأمهات اللواتي ما زلن ينتظرن أبناءهن، فلا يعنيهن كثيراً ذلك الجدل الدائر، بل ما ينتظرنه هو أن يعرفن كيف انتهت حكاياتهم.

العودة إلى الأعلى

كاتبة وصحفية سورية مدافعة عن حقوق الإنسان

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية