العدل فرجةً ومسرحاً
21. أيار 2026
دفن عهدُ الأسد العدالة تحت الأرض، أمّا العهد الجديد فيفضّلها متلفزة.
لاحظت السينما مبكراً أن العدل والقضاء فرجة شعبية مٌرفّهه، حتى صار فناً سينمائياً. وانتبهت الحكومة السورية في العهد الجديد لأمر الفرجة والعرض، وقد اتهمت بالإفراط بالاهتمام بالهوية البصرية. وجاءت محاكمة عاطف نجيب فكانت أول محاكمة سورية تبث على الإعلام منذ عقود. والمحاكمة نوع سينمائي مشهور مثل الرعب، والرومانسية، والصراع للبقاء على قيد الحياة، وفيها يتبارز الأبطال بالحجج والأدلة العقلية، لا بالعضلات والأسلحة.
لم يكن هناك قضاء مشهود أو شريف في سوريا الأسدية، سوى برنامج إذاعي اسمه «حكم العدالة»، وليس تلفزيوني في عصر البصر والعين والمشاهدات. القضاء السوري «جهات مختصة»، والمحاكمات السياسية سريّة في أقبية المخابرات أو في غرف قصر العدل. يقال فيها ما لا يقال في العلن، فلا محام و لا إجراءات، حضور المحامي كان طموحاً كبيراً حتى لدى أعضاء اتحاد الكتاب العرب، الذين كانوا يحلمون بأن يحضر استجوابات أعضائهم عند اتهامهم بجناية الكتابة والرأي عضوان من الاتحاد.
ولا يذكر السوريون بثّاً لمحاكمة خلال حكم آل الأسد الذي استغرق نصف قرن، سوى مرتين؛ مرة في أثناء استجوابات أعضاء خلية زُعم أنها تابعة للإخوان المسلمين في أواخر السبعينيات، ومرة بعد مقتل الشيخ معشوق الغزنوي، حيث ظهر قاض ظهوراً عابراً وخاطفاً ليتّهم أهل المغدور بقتله في خلاف على الميراث. وأعدم أحد المجرمين علناً بعد زيارة باسل الأسد لحلب، فاحتفل الحلبيون احتفالاً كبيراً .
كان الأسد الفار هو القاضي الأول، والقضاء هو المخابرات، أما الجنايات، فتُعتّق في أروقة المحاكم السورية وتتعفن كجبنة الشنكليش.
العدل في القرآن والسنة
قال الله في كتابه عن جزاء الزاني والزانية: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. وقيل أن ذلك لتحقيق فوائد الردع والزجر والعبرة، عدا عن الامتثال لأمر الله القائل أيضا {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}.
وقد ظهرت دراسات حديثة تجزم أن هيئة المحلفين التي يلجأ لهم القاضي لمساعدته على الحكم وسداد الرأي، وتتكون من المشهود لهم بالشرف والحكمة، مأخوذة من الفقه المالكي في الأندلس.
قيل إن العدل هو ركن الحكم الثاني بعد السيف. العدلُ أساسُ الملك، وبه تقوم الدول وتستقرّ الرعيّة، وإذا فسد القضاء وضاع العدل تزعزعت هيبة الدولة، ولو بلغت من القوّة ما بلغت. وقد أكثر القرآن والحكماء والساسة من الكلام في منزلة العدل والقضاء: {إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسانِ} و{وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحكُمُوا بِالعَدلِ} و{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ فَاحكُم بَينَ النَّاسِ بِالحَقِّ}
ومن الحديث النبوي: «المُقسِطون عند الله على منابرَ من نور» و«إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد».
المعروف أن انهيار الدول يبدأ عندما يجرى القانون على الضعيف دون القوي. ويخشى السوريون نجاة مشاركين في القتل، وهم رجال أعمال أثرياء عفت عنهم الحكومة مقابل دية أو رشوة، لكن آخرين يرون إن العهد الجديد يتألف قلوب بعض أعضاء الحكم القديم، فالثورة تجبُّ ما قبلها.
يقول علي بن أبي طالب: «الملك يبقى مع الكفر، ولا يبقى مع الظلم»، وهو من أشهر الأقوال في السياسة والاجتماع في ديار المسلمين. ولابن تيمية قول يرد في معرض مقارنة الحضارات: «إنَّ الله يقيم الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة، وإن كانت مسلمة.»
وينظر للقضاء كحارس للحقوق وملجأ المظلوم، والميزان الذي يطمئن الناس إليه، فإذا فسد القضاء انتشر الخوف وضاعت الثقة، وأخذ الناس حقوقهم بأيديهم. ذكرنا احتفال الإعلام بفرجة القضاء الجديد بمحاكمة الرياضي الأمريكي الشهير سيمبسون الذي اتُّهم بقتل زوجته السابقة وصديقها، حيث تحول النقل التلفزيوني إلى حدث قومي وعالمي.
عدالة المشاهير
غيّرت محاكمة سيمبسون علاقة الإعلام بالقضاء، وأصبحت القضية رمزاً لمحاكمات المشاهير، كما كانت دعوى النجمة أمبر هيرد ضد طليقها جوني ديب، والتي انفجرت عالمياً، وبُثّت مباشرة على الإنترنت والتلفزيون، وتضمنت شهادات شخصية وعائلية، وتحولت إلى ظاهرة كوميديا عالمية. وكذلك شوهدت محاكمة الشرطي الذي قتل جورج فلويد، لارتباطها بقضية العنصرية وعنف الشرطة. عالمياً، تبقى أشهر محاكمات القرن العشرين تلك التي عرفت بمحاكم نورنبرغ وحوكم فيها النازيون بعد انتهاء الحرب. أما عربياً فقد نقلت مقاطع كثيرة من محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين ها تلفزيونياً للشماتة الطائفية، وتابعها العالم العربي بكثافة، كمسرحية محاكمة مرسي الذي مات أو قُتِل كمداً في سجنه.
لكن كثيراً من الدول تمنع النشر، وتنشر لوحات مرسومة بالريشة للمحاكمات، وتضيع القضايا في الإجراءات الأوربية والبيروقراطية والقوانين، فتصدر في السنة الواحدة آلاف القوانين، وتصنّف في مصنفات ضخمة. وكان السوريون قد ضجروا من هدر أموالهم وأعمارهم في أروقة العدل، فلجأوا إلى الفقهاء والشيوخ، الذين يفتون في القضية في جلسة أو جلستين.
شعار العدالة في أوربا هو: امرأة معصوبة العينين، تحمل ميزاناً بيد، وسيفاً بالأخرى. الميزان يرمز إلى الحياد والنزاهة، والعصابة إلى المساواة والحياد، بينما يمثل السيف القوة التنفيذية لفرض القانون والعقاب، ويرمز إلى السلطة الحازمة والقوة الرادعة للجاني، فالسيف هو العقوبة التي تعيد التوازن إلى الحياة التي أخلت به الجريمة. والشعار مقتبس في أوربا من الآلهة الرومانية جوسيتان، واليونانية تيميس، التي تمثل العدالة المجردة، والرحمة، والنزاهة في تطبيق القانون.
أما في أمريكا فقد انتشرت في السينما منذ عقدين صورة القاضي الأسمر الأفريقي الأصل في أفلام المحاكمات، وكذلك المحقق الأفريقي الأصل، حتى صارت نمطاً سينمائياً أميركياً، وكان أكثر قضاة عهد الأسد من الأقليات. السينما لا تعكس الحقيقة دائماً، هي تزوّرها غالباً، خاصة في البلاد العربية، فهي تعكس رغبات النخبة من مخرج ومؤلف ومنتج، أما شعار القضاء السوري فهو شعار الدولة، النسر، وقد اجتهدت الحكومة السورية في إخراج فرجة عدلية لقضية المذبحة السورية المديدة، بمحاكمة عاطف نجيب شاخصاً في البدلة المخططة، وهو زيٌ جديد، في قفص عجيب، كأننا أمام فيلم سينمائي أو فرجة لتفريج همّ سوري بالقصاص من حكم القتلة.