كيف تسعى الحكومة إلى امتصاص الغضب الشعبي

8. آذار 2026

مع تفاقم الصعوبات الاقتصادية وتصاعد الإحباط الشعبي، تطرح القيادة السورية فكرة الانتقال إلى نظام شبه رئاسي. لكن هل يمثل ذلك إصلاحاً حقيقياً، أم مجرد وسيلة لإعادة توزيع المسؤولية مع الإبقاء على تركّز السلطة؟

لم يكن مفاجئاً مقال محمد طه الأحمد، وهو مدير الشؤون العربية بالخارجية السورية، بعنوان «تحصين الدولة السورية أمام عاصفة إعادة تشكيل المنطقة»، فقد جاء في لحظة يتصاعد فيها التململ الشعبي، ولا سيما بين الأغلبية العربية السنية التي منحت الدولة الجديدة عاماً كاملاً من الدعم شبه المطلق، قبل أن تصطدم مع بداية العام الثاني بأزمات اقتصادية خانقة وارتفاع غير مسبوق في الأسعار واتساع فجوة الثقة بين السلطة والمجتمع. في المقابل، بدت مظاهر البذخ وتمركز القرار في يد الرئيس ونخبة ضيقة حوله بعيدة عن تطلعات السوريين الذين خرجوا من ستة عقود من الاستبداد.

اعتمد الرئيس خلال عامه الأول خطة مختزلة تقوم على ركيزتين واضحتين: أولاً التفاهم مع الإقليم والدول الكبرى بأي ثمن، وثانياً التعويل على تدفق الاستثمارات وبدء الإعمار نتيجة نجاح المسار الأول. غير أن القبول السياسي الخارجي لم يتحول إلى أموال حقيقية تنعش الاقتصاد، ولم تظهر مشاريع قادرة على انتشال الناس من الفقر. وهكذا بدت وعود الرخاء أقرب إلى خطاب تعبوي منها إلى برنامج واقعي قابل للتنفيذ.

مركزية مفرطة وحكومة ضعيفة

منذ الأيام الأولى للمرحلة الانتقالية اختار الرئيس نموذجاً رئاسياً شديد المركزية، تجاوز في صلاحياته ما تمنحه دساتير رئاسية مستقرة لرؤسائها مثل الدستور التركي والأمريكي. عبر الإعلان الدستوري أمسك عملياً بمفاصل السلطة التنفيذية، ثم بزمام القرار التشريعي في مخالفة للإعلان الدستوري في الوقت الذي ينبغي على الرئيس أن يكون الضامن لفصل السلطات. فيما لم تبصر المحكمة الدستورية المنوط بها النظر في دستورية القوانين والتشريعات النور حتى اليوم، والتي ينص الإعلان الدستوري في مادته الـ47 على أن الرئيس هو من يسمي أعضاءها وينظم عملها بقانون يشرعه مجلس الشعب المعطل بسبب عدم تعيين الرئيس للـ70 اسم بحسب المادة 24 من الإعلان الدستوري. فيما يكثر الحديث عن تحديات في تحقيق استقلال القضاء، وحدوث  مخالفات لقانون السلطة القضائية في تعيين بعض القضاة في مجلس القضاء الأعلى  رغم عدم تحقيقهم لمؤهلات هذا المنصب.

ترافق ذلك مع إعادة تشكيل بنية الدولة عبر إنشاء هيئات مستقلة ترتبط بالرئيس مباشرة، ومنحت صلاحيات واسعة تجاوزت الوزارات وتعارضت معها أحياناً. بقيت الوزارات إما خاضعة بصورة غير مباشرة عبر معاوني الوزراء، أو مسيطر عليها بالكامل كالداخلية والدفاع والخارجية. فيما يكثر الحديث داخل الأوساط التعليمية عن تضاؤل الاهتمام والدعم لوزارتي التربية والتعليم العالي. في الوقت ذاته، توسعت صلاحيات الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية لتكافئ عملياً موقع رئيس الوزراء، ما أفرغ الحكومة من دورها الحقيقي.

توازن مؤسساتي مفقود

انطلقت الوعود الكبيرة بالعقود والاستثمارات، وتحدث الإعلام الرسمي عن أرقام ضخمة ومشاريع استراتيجية. لكن مع مرور الأشهر تبيّن تأخر كثير من تلك العقود أو غياب جديتها، وبدأ المواطنون يشعرون بأن الخطاب يتقدم على الواقع. ومع انحسار أجواء الاحتفالات الأولى بالتحرير، انتشر التململ خصوصاً في الأوساط الثورية ودوائر المثقفين التي دعمت الدولة الجديدة على أمل بناء نموذج مختلف في الحكم.

في هذا السياق ظهرت تسريبات متكررة عن تغييرات واسعة قد تطال وزراء ومحافظين، بل وحتى شقيقي الرئيس، وهو ما منح مقال الدكتور الأحمد بعداً سياسياً يتجاوز الطرح النظري. فقد دعا إلى اعتماد نظام جمهوري متوازن يقوم على توزيع الصلاحيات بين رئيس ذي دور سيادي واستراتيجي ورئيس حكومة يتولى الإدارة التنفيذية اليومية، باعتباره مدخلاً للحد من تركّز السلطة وتعزيز الرقابة المتبادلة وفتح المجال أمام مشاركة أوسع.

غير أن هذا الطرح تجاهل واقع مجلس الشعب المعطل، وخضوع القضاء الكامل للسلطة التنفيذية، وإشكالية التعيينات الولائية الضيقة التي طبعت السنة الأولى. كما أغفل أن أي حديث عن توازن مؤسساتي يفترض أولاً إطلاق الحياة البرلمانية وضمان استقلال القضاء وإعادة تعريف العلاقة بين الرئاسة والحكومة على أسس واضحة وشفافة.

سياسة امتصاص الغضب

السؤال الجوهري يتمثل فيما إذا كان التحول إلى نظام شبه رئاسي يمثل إصلاحاً حقيقياً أم مجرد إعادة تموضع سياسي. متابعة مسار العام الماضي تشير إلى سعي لبناء رمزية فوق دستورية للرئيس، عززها الإعلام والخطاب الرسمي، مع تدخل مباشر في سرديات الثورة والتحرير. غير أن هذا المسعى واجه عقبات أبرزها دخول الأقارب في مفاصل السلطة، واحتكار المناصب الأساسية من قبل دائرة ضيقة، وتصاعد الحديث عن عودة الفساد وغياب الشفافية، وتعثر مسار العدالة الانتقالية.

بدأ المواطنون يربطون هذه الإخفاقات بالمنظومة الرئاسية نفسها، ولم يعد النقد يقتصر على همسات متفرقة. ويبدو أن البحث عن نظام شبه رئاسي قد يكون محاولة لامتصاص الغضب عبر نقل جزء من المسؤولية إلى حكومة يمكن انتقادها واستبدالها، مع بقاء الرئيس في موقع المرجعية العليا.

لكن تعديل الإعلان الدستوري يتطلب مساراً قانونياً معقداً وموافقة ثلثي مجلس الشعب، ما يعني فتح نقاش واسع حول مواد كرست تركيز السلطات بيد الرئيس. ومن غير المتوقع أن يمر هذا النقاش من دون مطالبات أوسع بإعادة التوازن بين السلطات وضمان استقلال المؤسسات.

كما أن أي انتقال دستوري جديد من دون بناء ثقة حقيقية بين المجتمع والسلطة سيبقى خطوة شكلية لا تغير في جوهر الأزمة. فالمشكلة لم تكن يوما في النصوص وحدها، بل في طريقة تطبيقها في غياب الشفافية والمساءلة. إن إعادة توزيع الصلاحيات ينبغي أن تترافق مع آليات رقابة فعلية تسمح للبرلمان بمحاسبة الحكومة، وللقضاء بمراجعة قرارات السلطة التنفيذية دون تدخل. كما أن إشراك القوى السياسية والاجتماعية في صياغة أي تعديل دستوري يمنح العملية شرعية أوسع ويمنع تحولها إلى تسوية فوقية محدودة. عندها فقط يمكن الحديث عن عقد وطني متجدد يؤسس لاستقرار طويل الأمد ويحمي البلاد من دوامة التجارب المرتجلة والصراعات الشخصية.

في الخلاصة، إن النقاش حول النظام الأنسب لسوريا مشروع وضروري، لكن تغيير الشكل الدستوري مرة أخرى بعد عام من الارتباك قد يزيد الضبابية. الحل لا يكمن في القفز بين النماذج، بل في إصلاح جوهر الممارسة السياسية: توسيع قاعدة التعيينات على أسس مهنية، ومنح الوزراء صلاحيات حقيقية، وإطلاق البرلمان ليؤدي دوره الرقابي والتشريعي، وتحرير القضاء فعلياً. عندها فقط يصبح أي نظام، رئاسياً كان أم شبه رئاسي، إطاراً قابلاً للحياة يخدم دولة المؤسسات لا دولة الأشخاص.

العودة إلى الأعلى

ناشط حقوقي وسياسي سوري

رأي

شفان ابراهيم

نريد هوية وطنية جامعة، لا شعارات مرحلية

أدّى سقوط الأسد إلى خلق فراغ في مفهوم الدولة. ومن دون اعتراف متبادل وعقد اجتماعي حقيقي يجمع جميع المواطنين، فإن الدعوات إلى الوحدة قد تتحول إلى مجرد شعار فارغ جديد.

06. آذار 2026

محمد خير الوزير

أيّ عدالة نريد؟

في سوريا ما بعد الأسد، يبقى السؤال: أيّ عدالة نريد؟ عدالة تُرمِّم المجتمع وتُعيد الثقة بالدولة، أم عدالةٌ انتقائية تُعيد إنتاج الخوف وتفتح أبواب الثأر؟

03. آذار 2026

منى عبود

ذاكرتنا الثورية ليست موضة رمضانية

في كل موسم رمضان، تعود بعض الأعمال الدرامية إلى نبش الثورة السورية سعياً وراء جذب المشاهدين. وهذا العام، يطلّ مسلسل جديد مستحوذاً على اسم «قيصر» ليُفرغه من معناه. أمّا بالنسبة لمن ذاقوا الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري، فذاكرتنا ليست مادةً للاستهلاك التلفزيوني.

01. آذار 2026

هبة عز الدين

ما سمعته في المسجد

في سوريا ما بعد الديكتاتورية، يثير أحمر الشفاه عاصفةً من الغضب تفوق تلك التي يثيرها الفساد نفسه. همسةٌ عابرة في مسجد كشفت لي بلداً يحاول أن يمسك بزمام مستقبله عبر فرض وصايته على وجوه النساء.

27. شباط 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية