مشاهدات عائد إلى إدلب

7. أيلول 2026

بعد 15 عاماً في ألمانيا، عدتُ لأجد أن سوريا قد تغيّرت، وأنني تغيّرت أيضاً.

ركبت سيارة صديقي إلى إدلب، بعد خمس عشرة سنة في ألمانيا، ويومين من حصولي على الجنسية الألمانية.

استغرق الطريق ثلاثة أيام  من أوربا إلى آسيا وأنا أجلس القرفصاء، ركبتاي في حضني، حتى ظننت أنني سأصاب بداء الفيل. في مغامرات طرزان، تحرص الفيلة على الموت في مقبرة الأفيال. ثمة قول شهير في تعريف الوطن: إنه المكان الذي فيه قبور الأجداد. لكني لن أزور المقبرة إلا مودّعاً، وسأنشغل بزيارة الأحياء إلى يوم الخميس ثم نزور منازل أسلافنا في ليلة الجمعة، وفي الأعياد، حاملين باقات الآس.

بعد غرامات مرور تركية وحواجز الحدود الدولية المضجرة، وقفنا على حدِّ صربيا ستَّ ساعات، ثم وصلنا إلى باب الهوى. والهوى هو الحبُّ. كان الاستقبال هو أفضل ما رأيت في العالم، وحظيت بحفاوة إنجاز لمعاملات الدخول. يتهم خصوم القيادة الجديدة بأنها تُحسن صناعة وجه السحارة السورية، وتجمّل التغليف، فالخدمات في الداخل أقلُّ جودة، وأحياناً سيئة، كأنها من عهد ما قبل الثورة.

الموظفون يرحبون، ويبتسمون ويحرصون على الخدمة والتكريم. ولو سألت أي سوري عن الحدود في عهد الأسد الفار لأجابك بأنها  مثل الصراط: إمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار.

دخلنا إلى الجنة آمنين. وهذه نعمة قلّ مثيلها. 

كان أول شيء فعلته أنني طلبت من صديقي السائق، الذي تناوبت معه على قيادة السيارة، أن أنزل تحت أول شجرة زيتون، تلك الشجرة المقدسة المعمِّرة التي ورد ذكرها في ستة مواضع في القرآن الكريم واقترن مرة بالتين. أوّل أحمد حسون، مفتي النظام السابق، سورة التين بأن الله أراد بها سوريا، فأقيل من منصبه وفق بعض التفسيرات، أو كان سبباً في خسارته منصبه. فالنظام لم يكن يحبُّ النفاق الذي ينتهك المقدّس أو ينقلب إلى كوميديا.

سجدت سجدة الشكر مثل الرئيس الشرع عند فتحه قسطنطينية العرب، وملأت يدي بالتراب الأحمر، وشممته كما يفعل أبطال الروايات الحالمة، وهبّت علي نسائم وطني. وقد صدق محمود درويش الذي ألمَّ بشعر ابن الدمينة فقال :إنّ الطريق إلى البيت أجمل من البيت.

ثمة حكاية أسد صحراوي في فيلم وثائقي استغرق من منتجه 17 سنة لمراقبة أسرة أسود كانت تغير على أبقار صحراء ناميبيا، فأُبعد إلى غابة تبعد مئات الفراسخ، فعاد إلى وطنه في الصحراء، بعد قطع المراحل وحيداً. لست أسداً، لكن إدلب هي عريني، وقد كانت عاصمة الثورة أيضاً.

في الثورات تنزح حتى العاصمة إلى الأطراف.

 ريح الصِبا

كان أهلي قد سبقوني بالطائرة. فوجئت زوجتي بي، فقد كنت أخفيت عنها خبر عودتي. وكنت استعجل لقاء حبيبتي الأولى صِبا. ربما عدت بسببها. لم يقل محمود درويش ولا ابن الدمينة إنَّ المرء يحتاج إلى امرأتين: امرأة للإنجاب والكباب والإرهاب، وأخرى للهيام والغرام والأحلام، امرأة لباقات الورد وامرأة لباقات البقدونس.

الزحام شديد، ودراجات نارية كثيرة، كان النظام السابق يخاف منها، ولا يمنح رخصة شرائها إلا للمقربين. مطبّات كثيرة لتخفيف السرعة، والأسواق مزدحمة، والأوساخ كثيرة، وشرطة مرور مبتسمون كثيرون.

انتبه الشرطي إلى لوحة السيارة فسألني: أين كنت؟ قلت: في ألمانيا. قال معاتباً: ما الذي أعادك؟

هكذا هي الحال: المقيمون يتوقون للهجرة، والمهاجرون للعودة.

نزلت وعانقته على ابتسامته، بل وعانقت كل شرطي مرور رأيته في طريقي.

في مكتب كاتب العدل، وكانت عطلة قضائية، ولم يكن سوى موظف واحد من أربعة. وكان الزحام شديداً، بسبب العائدين الساعين إلى ترتيب أحوالهم القضائية. الموظف البطل كان يعمل بدأب ونشاط. انحنيت عليه وقلت له مباركا: أنت أشرف من رأيت.

لكنه لم يرفع رأسه، استمر مثل دودة القزِّ في صناعة الشرف.

دعوات وولائم

سمنت في الأسبوعين مثل حوت أوركا. تناولت مرةً وجبتي غداء. كنت مدعواً إلى وليمة، وفوجئت بصديق فأقسم علي أن أتغدى معه، ففعلت.

أكلت من تين إدلب الطيب. أنا أُفضّل التين الأصفر. يوجد نوع واحد من التين في ألمانيا، ليس مثل التين الذي أعرفه، والتينة الألمانية غالية السعر، وتباع بالثمرة الواحدة، ولا تشبه تين القرآن الذي ورد مقروناً بالزيتون ويسبقه. وللعلم، فإن لحم أكتافي من عسل التين، كنت آكل نصف سحارة في اليوم، في موسم التين.

الدين والإسلام

ألِفَ أولادي الأوساخ والصخب، فهي المرة الأولى لهم في وطن الآباء، واعتادوا المرحاض العربي، والسهرات مع أبناء العمومة، وانتشار الخُمر والبراقع على وجوه النساء، ثمة نساء سافرات مكشوفات الشعر، وعباءات ضيقة تكشف المفاتن. 

واعدت الحبيبة الأولى في مديرية التربية، على الماسنجر، وليس في حديقة عامة، فحضرت معها أختها مِحرماً، فأفسدت اللقاء. كنت قد أحضرت لها هديّة، وهي لوحة. أظنُّ أن أختها تعرف قصتنا.

الحبيبة الأولى لم تكن محجبة في الماضي. تحدثنا حديث مدرس وطالبة. كانت أختها تبتسم.

سألَت: هل كبرتُ؟

قُلت: لقد هزلتِ.

قالت: من الشوق.

الحبيبة الأولى ما تزال تنتظر أن أتزوجها، لكن الأسد، ليس أسد النظام السابق الذي فرّ إلى روسيا بل أسد ألمانيا العائد، سقط أيضا وفرّ إلى ألمانيا.

صليت الجمعة كالمعتاد في آخر الصفوف، فأنا أصلي وأتجنب الخطب. وجدت أنَّ سوريا أصبحت أكثر تديناً، لكن أقلَّ إسلاماً. كنت أظنُّ أنّ القيادة ستسعى إلى ترتيب سوريا كما رتّبها البعث، لكن البعث كان أذكى في التنظيم والتحشيد: طلائع بعث، وشبيبة ثورة، ومهرجانات واحتفالات.

الناس يصلون ويصومون، ويموتون متجهين إلى القبلة، لكنهم أقلُّ دينا مما كنت أتوقع. والجامع ما يزال مسروقاً.

الأسبوعان انقضيا سريعاً. كنت قد اشتقت إلى ألمانيا. لقد صارت وطناً أيضاً، لكن من غير تين وصبا.

كنت أفكر أنَّ حال سوريا تشبه حالي، وأني أحتاج إلى ثورة ثانية. ربما إلى بناء أسرة جديدة.

زوجتي تسبقني بالطائرة وأنا أسافر في سيارة قديمة، القيادة تركب الطائرة، والشعب يمتطي الدراجات النارية، ركبتاي في حضني وأشكو من داء الفيل...

ومن خذلان ريح الصِبا.

العودة إلى الأعلى

كاتب سوري

رأي

نادرة بني

تأثير سترايساند في سوريا

يُطلق «تأثير سترايساند» على الظواهر الاجتماعية التي تتسبب فيها جهود إخفاء المعلومات في انتشارها على نطاق أوسع بكثير. وفي نفس السياق، من خلال تقييد وصول النساء إلى بعض البرامج الجامعية، أشعلت وزارة التعليم العالي السورية، من دون قصد، نقاشاً أوسع بكثير حول حقوق المرأة، وحول توقّعات السوريين المتزايدة بإمكان الطعن في قرارات الحكومة.

12. تشرين الأول 2026

حسام الدين محمد

سوريا نحو دور لا غنى عنه.. فهل يجني شعبها ثماره؟

تعيد الحرب واضطرابات المنطقة إبراز أهمية سوريا كبوابة إلى البحر المتوسط، لكن أنابيب النفط وطرق التجارة وحدها لن تنتشل السوريين من الفقر.

05. تشرين الأول 2026

هادون بارث

الأنقاض بوصفها «آلة لتعطيل السياسة»

لطالما كانت هذه الاستعارة عنصراً ثابتاً في الكتابات التي تتناول السياسات المتعلقة بسوريا، لكنها اكتسبت اليوم دلالة سياسية جديدة في ظل السلطة السورية الجديدة.

29. أيلول 2026

شفان إبراهيم

لم يُؤتِ السلام في الحسكة أُكُلَه بعد

مع اندماج المقاتلين الأكراد في مؤسسات الدولة السورية، يهدد الإقصاء السياسي وتدهور الظروف المعيشية بتقويض العملية الانتقالية.

24. أيلول 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية