يوم آخر، وارتفاع آخر في الأسعار

19. أيار 2026

مع ارتفاع تكاليف المحروقات، يجد السوريون أنه لم يبقَ ما يقتطعونه سوى الحياة نفسها

بالأمس، رفع زوجي رأسه بعد تأمل طويل في هاتفه وسألني فجأة: هل هناك «تريند» جديد اليوم؟

أجبته باستغراب: نعم، ولكن لماذا؟

قال: لقد رفعوا أسعار المحروقات

إلهاء إعلامي

قبل ساعات فقط، كان «التريند» وقفة وزير الصحة أمام إحدى مديريات وزارته، يوبّخ الموظفين المتأخرين عن الدوام، في مشهد بدا وكأنه محاولة متأخرة لتقليد أيمن زيدان في يوميات مدير عام، مع تصوير «عفوي» أُريدَ له أن يبدو قريباً من الناس.

لكن الخدعة لم تنطلِ على السوريين في فيسبوك، وُضع المشهد جانباً سريعاً، وبدأ الناس يتحدثون عن القرار الحقيقي: رفع أسعار المحروقات بنسبة قاربت 28 بالمئة.

كان القرار مفاجئاً، والارتفاع مبالغاً فيه بحسب آراء الناس، ما عرّض شركة البترول لانتقادات واسعة، حتى أنها اضطرت إلى حذف المنشور، لكنها لم تحذف القرار.

في اليوم التالي، كانت محطات الوقود قد غيّرت أسعارها على اللوحات الإلكترونية بسرعة لافتة، معلنة استجابتها الفورية للقرار.

أما أنا، فكنت مثل سائر الناس أنتظر ما الذي سيتغيّر في السوق.

لم يتحرك بائع الخضار من مكانه، ولم يمسح صاحب البقالية الغبار عن بضاعته، ومع ذلك ارتفعت الأسعار فجأة، وكأن المدينة كلها تعمل بمحركات البنزين.

لم يتوقف الأمر عند البنزين أو المازوت، بل انسحب سريعاً إلى باقي السلع الاستهلاكية من البندورة إلى كيلو اللبن، وبنسب تكاد تعكس الارتفاع ذاته، دون أي رقابة تموينية حقيقية تتابع ما يحدث في الأسواق.    

وبقي المواطن، كالعادة، الخاسر الوحيد في هذه العملية.

لم تبرر شركة البترول بشكل واضح أسباب هذا الارتفاع المفاجئ، ولم تكن شفافة في التعامل مع ما حدث، خاصة مع الحديث المتكرر عن عودة استخراج النفط وتكريره محلياً، وعن أن «نفط البلد» عاد للبلد.

اعتياد الصدمات

وفي المقابل، بدا الشارع السوري أكثر توتراً من أي وقت مضى فمع كل محاولة لردم الفجوة بين الرواتب وغلاء المعيشة، تعود هذه الفجوة للاتساع مجدداً بقرارات لم تكن في الحسبان.

الأخطر من ارتفاع الأسعار نفسه، أن الناس لم تعد تملك رفاهية الدهشة.

الجميع استقبل القرار وكأنه خبر معتاد، خاصة بعد ارتفاع سعر الكهرباء والفواتير الجنونية التي تتجاوز قدرة المواطنين على سدادها. الصدمة لم تنتهِ لتتبعها صدمة غلاء أخرى، استقبلها الناس ببعض الغضب، بعض السخرية، ثم عودة سريعة لحساب المصروف الناقص، وحذف المزيد من الاحتياجات من قائمة الحياة اليومية.  

فالدولة التي تتحدث عن مشاريع تحتاج سنوات طويلة حتى تؤتي ثمارها، تحاول امتصاص غضب الناس بالأمل، بينما يبقى الواقع اليومي أثقل من أي وعود مؤجلة.

وفي هذا المشهد، تصبح حياة الناس أقرب إلى حسابات يومية قاسية، راتب يتآكل قبل منتصف الشهر، ونفقات تتضاعف دون تفسير واضح.

تجلس صديقتي، المعلمة في المرحلة الابتدائية وأم لثلاثة أطفال، تحسب راتبها بعد «الزيادة» التي لم تحصل بعد، بل حتى راتبها الحالي لا يكفي. تبدأ بالقسمة الصعبة فاتورة كهرباء، إيجار منزل، ثم يأتي ارتفاع أسعار المحروقات ليكمل ما تبقى من الضغط على ما تسميه «راتب الحياة».

وقد ظهر استياء الناس في نتائج استطلاع أجرته مجلة سوريا المتجددة، إذ عبّر عدد كبير من الناس من فئات اجتماعية مختلفة عن فقدانهم الثقة بقدرة الحكومة على ضبط الأسعار أو تجاوز أزمة الغلاء.     

ولعل اتساع الفجوة بين ما يُقال وما يُعاش، وعدم وضوح السياسات الاقتصادية، جعل الناس في حالة غليان صامت، يظهر أحياناً في مظاهرات حملت عنوان «بدنا نعيش»، كوسيلة للتنفيس وإيصال الصوت. 

في المقابل، يبدو أن القرارات الاقتصادية تمضي في اتجاهها الخاص، في ظل ضغوط مالية واضحة، وخيارات محدودة، تُلقي في النهاية بثقلها على المواطن أكثر من أي طرف آخر.

العودة إلى الأعلى

كاتبة وصحفية سورية مدافعة عن حقوق الإنسان

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية