ذاكرتنا الثورية ليست موضة رمضانية
1. مارس 2026
في كل موسم رمضان، تعود بعض الأعمال الدرامية إلى نبش الثورة السورية سعياً وراء جذب المشاهدين. وهذا العام، يطلّ مسلسل جديد مستحوذاً على اسم «قيصر» ليُفرغه من معناه. أمّا بالنسبة لمن ذاقوا الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري، فذاكرتنا ليست مادةً للاستهلاك التلفزيوني.
وسط موسم رمضان التلفزيوني السنوي، ظهر مسلسل «القيصر لا مكان لا زمان» الذي يروي قصصاً عن الثورة السورية، من ضمنها قضية المعتقلين في سجون النظام السوري السابق. إلا أنه منذ لحظاته الأولى، بدا العمل واهياً وسطحياً، ومنفصلاً بشكل صادم عن الواقع الذي عاشه السوريون خلال سنوات الثورة.
بدلاً من أن يكون شهادة صادقة على المعاناة، بدا وكأنه محاولة سافرة لتبييض الماضي أو إعادة سرد القصة بطريقة «آمنة»، لا تُدين ولا تُطالب بالمساءلة. فلا زمان ولا مكان لسرديتنا نحن الذين عشنا التجربة، وهذا يثير تساؤلات مشروعة، خاصةً وأن معظم صناع المسلسل لم يسبق لهم أن اختبروا معاناة المعتقلين ولا حياة الثوار بين الحصار والكيماوي والتهجير والبراميل. لم يخبروا شيئاً منها على أرض الواقع. ففي السنوات الأولى للثورة، كانوا إما مؤيدين صامتين أو من بين أولئك الذين اعتبروا السوريين «إرهابيين» يستحقون الاعتقال وربما القتل، ويذرفون دموعهم نصرة لقاتلنا وتأييداً له.
تصوير غير واقعي
كما أن المسلسل لم يحاول إخفاء افتقاره إلى البحث أو عجزه عن الاقتراب من الحقيقة. تجاهل صناع العمل القصص الواقعية الموثقة التي تملأ المجال العام، ولا يبدو أنهم كلفوا أنفسهم عناء الاستماع إلى معتقل سابق أو ثائر عاش التجربة منذ عام ٢٠١١، وليس فقط منذ «االتكويع» المتأخر بعد سقوط النظام. بدا مشهد الاعتقال في العمل درامياً، خالياً من فظاعته الحقيقية، ومنفصلاً تماماً عن سياقه الوحشي والقمعي.
لا يمتّ الاعتقال الذي صوّرته إحدى بطلات المسلسل بصلة إلى اعتقالنا. لم أرَ في عينيها الرعب الذي عشنا أثناء الاستجواب، ولا نظرة الألم التي تُنتزع من المرء حين يُسلب اسمه ووجهه وصوته.
في الواقع، جعلني مشهد واحد أضحك بمرارة: حين أمسك المحقق بذراعها ليُريها مقطع فيديو كان على هاتفها.
لم يُدرك مُبدعو هذا العمل أننا كنا نجُرّ إلى الاستجواب معصوبي الأعين، عاجزين عن رؤية أي شيء أمامنا. لم يلمسنا المُستجوب إلا للتعذيب أو الضرب أو الإهانة، بل لم نكن «جديرين» بأن يُمسك بنا من أذرعنا كما يُمسك الإنسان. كنا مجرد أرقاماً و أجساداً لا قيمة لها، لا شخصيات مؤثرة بملامح مُختارة بعناية للكاميرا. فلا أذكر أن محققاً نادى بإسمي يوماً، أو نظر في عيني، كنتُ أسمع مسبات وشتائم لا توجد إلا في قواميسهم، موحّدة كأنها لقنت لهم تلقيناً، رغم تعدد الأفرع التي زرتها أثناء اعتقالي المتكرر.
حتى عندما استُحضرت رموز الثورة، كان ذلك بشكل سطحي ومُختزل، ضمن قراءة مُتأخرة ومُشوّهة لزمن الثورة وسياقها الحقيقي، وكأن السنوات الأولى، بكل ما فيها من تضحيات وهزائم، يُمكن اختزالها في مشاهد عابرة لإرضاء رقابة ما أو ترند موسمي.
استغلال اسم القيصر
يكمن أخطر جانب في هذا العمل ليس فقط في ضعفه الفني، بل أيضاً في توقيته ورمزيته. إن اختيار اسم «قيصر» هو استغلالٌ صارخٌ لرمزٍ من رموز حقوق الإنسان والقانون، مرتبطٍ بواحدةٍ من أهم الملفات التي توثّق جرائم النظام، والتي لها تاريخٌ طويلٌ في سبيل كشف الحقيقة والسعي لتحقيق العدالة الانتقالية.
إن تحويل هذا الرمز إلى مادةٍ درامية استهلاكية، في وقتٍ لم تتحقق فيه العدالة بعد، يُفرغه من معناه، ويعيد تدويره ضمن سردية آمنة لا تدين الجاني ولا تُسمّيه. وزاد الطين بلة تصريح المخرج بأن «هناك مطاعم تحمل اسم قيصر» لا يزيد الوضع إلا سوءاً وأنه لم يقصد «قيصرنا، نحن الثوار الذين نُقدّر تاريخنا». وكأن تقدير الذاكرة جريمة، لا حقاً أخلاقياً لمن دفعوا الثمن.
الاعتقال كظاهرة رمضانية
لم يكن مسلسل «القيصر» العمل الوحيد الذي تجرأ على معالجة أكثر القضايا حساسيةً في سوريا: قضية الاعتقال والتعذيب. هذا العام، ظهرت السخرية في مسلسل آخر بعنوان «مولانا»، والذي يبدأ ببطل يُعتقل بسبب آرائه الثورية ويُتهم بـ«زعزعة هيبة الدولة، والنيل من شخص الرئيس»، تلك التهم التي كنا نموت بسببها ومن يكتب له النجاة يعيش بسخرية أنه كان يزعزع أمن الدولة ويسب الرئيس.
هنا، يبدو المحقق أكثر جدية، ويبدو التمثيل أكثر واقعية. فعندما رأيت الكيس الأسود على رأس البطل، تذكرت فترة وجودي في فرع أمن الدولة، ذلك الكيس الذي كنت أسميه «كيس غوانتانامو»، لأني رأيته من قبل في فيديوهات عن ذلك السجن البعيد، قبل أن أراه هنا، فوق رأسي مباشرة.
لكن استحضار آلامنا بهذه الطريقة، وتحويل ذكرياتنا إلى مشاهد متكررة، لا يخدم القضية؛ بل يُسهم في تبسيطها يوماً بعد يوم. في النهاية، لا يصبح الأمر أكثر من مجرد إعلان لزيت أو سمن يحمل اسم «أجدادنا»، في سيرك رمضاني مبتذل.
عدالة انتقالية وذاكرة غير ملتئمة
لم تبدأ العدالة الانتقالية في سوريا بعد، ، أو ربما بدأت بشكل خاطئ معكوس وهي تنصف الجلاد على الضحية. فالهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية لم تَفتح الملفات بالشكل الصحيح، ولم يُحاسب الجناة، ولا يزال مصير عشرات الآلاف من المختفين قسراً مجهولاً. الذاكرة الجماعية للسوريين لا تزال معلقة، مليئة بالتساؤلات، ومثقلة بقضايا عالقة. في مثل هذا السياق، لا يمكن للفن أن يتجاهل الحقيقة أو يتعامل مع الذاكرة كمجرد «مادة جاهزة» للمعالجة الدرامية.
بل إن الأخطر من ذلك هو تأثير هذه الأعمال على آباء وأمهات المختفين قسراً، أولئك لم يتلقوا أي إجابة حتى الآن: هل أبناؤهم على قيد الحياة أم أموات؟ كيف لأم تنتظر الأخبار لأكثر من عقد من الزمان أن تشاهد، خلال شهر رمضان، عملاً ترفيهياً يستعير صورة الاعتقال ويعيد تمثيل الألم، دون حقيقة، ودون محاسبة، ودون حتى اعتراف صريح بالجريمة؟
عندما تُعرض الذاكرة قبل تحقيق العدالة، تصبح عبئاً إضافياً على الضحايا. نحتاج لسنوات آخرى كي يلتئم جرحنا ونترك للأجيال القادمة إرثنا الثوري على شكل أعمال فنية تروي الحقيقة كاملة، لا تقف من فوقها لبيع مساحات إعلانية.