ما سمعته في المسجد

27. فبراير 2026

في سوريا ما بعد الديكتاتورية، يثير أحمر الشفاه عاصفةً من الغضب تفوق تلك التي يثيرها الفساد نفسه. همسةٌ عابرة في مسجد كشفت لي بلداً يحاول أن يمسك بزمام مستقبله عبر فرض وصايته على وجوه النساء.

«بدنا نخطب فلانة لأحمد، البنت بتجنن، دين وأدب وحشمة وأخلاق» تقول سيدة جالسة أمامي في المسجد بعد صلاة التراويح، في حديثها المغمغم مع سيدة أخرى بقربها. ترد الثانية: «بس هي أختها مو تمام، بتضل بتحكي ع الفيس بوك بفيديوهات، وشاطه الكحلة وطارقة الحمرة، وهديك المرة كانوا كاتبين أنها كانت تحب واحد بزمانها».

في لحظة واحدة، تنتقل الفتاة تلك، عروس أحمد المستقبلية، من خانة العروس المناسبة إلى دائرة الشبهة، بسبب ظلّ امرأة أخرى قريبة منها.

لا أعرف شيئاً عن كلا السيدتين، ولا عن المخطوبة أو أختها، وحقيقة لم أرغب بالتدخل بالحديث، خصوصاً أنه قد تصيبني نيران صديقة إن عرفتني إحدى السيدات، بما أنني كنت لفترة قريبة ضيفة دائمة في «ترندات» سوريا. لكن سرعان ما تبادر لذهني كتاب كنت قد انتهيت من قراءته منذ أسابيع، خصوصاً وأنني عدت للقراءة كي أخرج نفسي من الأجواء الفيسبوكية المسمومة، وأجد سياقات مشابهة لما نمر به كنساء في سوريا حالياً.

الحمرة والآيلاينر

ما دار في المسجد ليس استثنائياً، فلطالما كان استسهال الخوض في سمعة النساء خصوصاً العاملات في الشأن العام، مرضاً معدياً، وخصوصاً بعد سقوط نظام الأسد. وطبعاً، رغم قسوته، لكن من المتوقع أن يحصل ذلك بعد سقوط نظام ديكتاتوري. فبعد سقوطه، دخل المجتمع السوري بكل شرائحه بمرحلة فراغ السلطة وإعادة تشكيل الهوية الوطنية. ولسوء حظ النساء السوريات، في بلادنا، لا تُمارَس السلطة فقط عبر مؤسسات الدولة، بل عبر بُنى قرابية وأخلاقية تُنظِّم الجسد الأنثوي وتربطه بالشرف الجمعي كما تقول الباحثة اللبنانية سعاد جوزيف في كتابها «الجندر والمواطنية في الشرق الأوسط» (2003). وتوضّح جوزيف أن لحظات إعادة تشكيل السلطة السياسية سواءً بعد الاستعمار أو بعد انهيار أنظمة سلطوية غالباً ما تترافق مع إعادة تشديد الرقابة على النساء بوصفهن حاملات رمزية الهوية الجماعية.

وعليه، تُقابَل مشاركة النساء في المجال العام خلال فترات التحول السياسي بخطاب أخلاقي يُشكِّك في سلوكهن الشخصي بدل مناقشة مطالبهن السياسية. مثلاً، أن تحضر ناشطة سياسية مؤتمراً سياسياً، وتحمل المايكروفون وتسأل عن آليات تشكيل الجيش الوطني في سوريا، والهوية الجامعة، ثم تنتشر تلك الصورة لها تحديداً على أنها تحمل خيارة بدل الميكروفون، في تلميح للعضو الذكري، وهذا تماماً تسليح التلميح الجنسي لإفراغ المرأة من شرعيتها السياسية.

المفارقة أن من يكتب تلك التعليقات غالباً ما يرفع شعارات الأخلاق والفضيلة، ويتحدث عن حماية المجتمع من الانحلال، ويستشهد البعض بنصوص دينية بضرورة الحجاب والستر، وألّا تزيد الزينة عن المعقول كالخاتم لليد والكحل للعين، ويحرّمون «الأصباغ والمساحيق التي تستعملها المرأة في عصرنا للخدين والشفتين والأظافر ونحوها، فإنها من الغُلُوّ المستنكر، والذي لا يجوز أن يستعمل إلا داخل البيت».

ومع هذا، فالبعض يمارس أكثر أشكال الانتهاك وضوحاً، ألا وهو انتهاك الكرامة. فالتلميح الجنسي هنا هو أداة سياسية قديمة بلبوس رقمي جديد. حين تُختزل امرأة تسأل سؤالاً بصورة خيارة، فالمقصود ليس السخرية فقط، بل نزع الشرعية عنها، وتحويل حضورها العام إلى مادة تهكم.

قلق جماعي

ويبدو أنه في المجتمعات الخارجة من أنظمة ديكتاتورية، لا يشفع تبدل السلطة لتغيير البنى العميقة التي تنظّم المجتمع. وبالتالي يسقط الطاغية، لكن يبقى النظام الأبوي، بل وقد يجد في الفوضى فرصة ذهبية لإعادة تثبيت قواعده. أو بعبارة أخرى، في لحظات التحوّل يبدو أن المجتمع يبحث عن شيء يمسك به وسط الارتباك، فسقوط صورة الأب القائد، يوقظ قلق جماعي عميق، وأسئلة وجودية حول من يحمي الهوية؟ من يضبط المجتمع؟ وغالباً ما تكون الإجابة السحرية بضبط النساء، وكأن استقرار الدولة يحدد بطول التنورة أو لون قلم الحمرة أو حدة زاوية الآيلاينر.

وللحمرة والآينلاينر في سوريا شجون. حتى أنها زعزعت السلم الأهلي في محافظة اللاذقية، ما اضطر المحافظ أن يصدر قراراً لا مركزياً يمنع فيه النساء العاملات بمؤسسات الدولة من المكياج. ويعود التركيز مرة أخرى على النساء، بدل طرح رؤى اقتصادية للنهوض بالدولة، وإيجاد حلول للفساد المؤسسي، والبدء بمسار عدالة انتقالية واضح، وتأمين المازوت للمدارس في الشتاء. لماذا يتحول المكياج إلى معركة هوية؟ ولماذا يُستدعى الفقه، والسخرية، والذكورية الشعبية دفعة واحدة حين يُذكر أحمر الشفاه؟ أحياناً أسأل نفسي: لو خرجتُ غداً بلا كحل، هل سيُناقش كلامي أكثر؟ ولو وضعتُ حمرة أغمق، هل سيقلّ وزن حجّتي؟ هل تتبدل قيمة رأيي بتبدّل لون شفاهي؟

وطبعاً وجد الشعب بأكلمه بأنه لديه الحق بنقاش قرار شخصي بالمكياج، بل أن النقاش تحوّل إلى ساحة تصفية رمزية للنساء. فجأة صار المكياج معياراً للعفة، وصارت الحواجب الكثيفة مادة للسخرية، وصار التشبه بـ«جعفر» طريقة لتهشيم الأنوثة علناً. هذا النوع من الجدل يكشف هشاشة أعمق، فلو كانت الهوية الوطنية صلبة، لما اهتزّت بزاوية آيلاينر. ولو كان السلم الأهلي قائماً على العدالة والمساواة، لما احتاج إلى إزالة طبقة ماسكارا ليصمد.

وهكذا، بدلاً من أن تكون المواطنة قائمة على الكفاءة والالتزام المهني، تصبح قائمة على درجة لمعان الشفاه. وبدلاً من أن يكون النقاش حول العدالة الانتقالية، يصبح حول حدود الزينة، وفي بلد تُمدَّد فيها العطلة الانتصافية للطلاب ويحرمون من التعليم لأن مدارسهم ما تزال مدمرة، ولعدم توفّر مازوت في المدارس، تكون الأولوية لاستصدار ورقة حكم بعنوان لا مكياج عليها!

الانسحاب

طويت سجادتي، وقمتُ لأمشي. خطوتُ خطوتين نحو الباب، ثم توقفت. التفتُّ إليهما، وابتسمتُ بخفة، وددت أن أقول لهما: «يا خالة، هل يتوقف مستقبل أحمد بسبب كحل أختها؟». وحينما اقتربت، قلت لهما: «تقبل الله»، ثم مضيت نحو الباب وفي راسي موجة عبارات غاضبة، أود أن أقولها بالصوت العالي هنا:

نحن النساء لسنا ساحة اختبار لطمأنينة مجتمع قلق، ولا مرآة تُقاس عليها أخلاق الأمة، نحن مواطنات، وإن كان لا بدّ من معركة هوية، فلتكن حول العدالة، لا حول وجوهنا وأشكالنا.

العودة إلى الأعلى

مدافعة عن حقوق الإنسان وكاتبة في مجال قضايا النساء

رأي

كنان النحاس

بحثاً عن العدالة الانتقالية وتشويه التاريخ

 هل يمكن حقاً لتجربة ألمانيا بعد الحرب أن تشكّل نموذجاً يحتذى به في العدالة الانتقالية في سوريا؟ نظرة أدق تكشف واقعاً أكثر تعقيداً – وأكثر عنفاً – بكثير من الصورة المختزلة في محاكمات نورمبرغ. على سوريا أن تصوغ مسارها الخاص نحو العدالة، مساراً يرتكز إلى سيادة القانون والمساءلة وحقوق الضحايا.

25. فبراير 2026

ياسر الظاهر

شبح الركود لا يقل خطورة عن الثورة المضادة

بينما ترسم القيادة السورية الجديدة مسار ما بعد الأسد، تواجه معضلة حادّة: كيف تحمي الثورة من خصومها من دون أن تخنق التعددية التي وعدت بها يوماً؟

21. فبراير 2026

أحمد عمر

الكتاب يصفق للشعب السوري في عرسه

طوابير، كتب كردية، ابن تيمية، صالات صلاة، وحافلات مجانية. قدّم معرض دمشق الدولي للكتاب صورة مكثفة لبلد يختبر حدود جديدة للتعددية وحرية التعبير.

17. فبراير 2026

شفان ابراهيم

لنعترف أننا مفككون

في سوريا اليوم، لا تعلو سوى لغة التخوين والشيطنة، بينما يغيب الحديث عن التنمية والعدالة والمستقبل. الاعتراف بأننا مفككون هي الخطوة الأولى نحو إنقاذ ما تبقى من الوطن.

14. فبراير 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية