حوار لاريجاني الأخير

4. نيسان 2026

تتقاطع رواية فارسية، وصوفي من العصور الوسطى، وحوار أخير بين علي لاريجاني وألكسندر دوغين عند سوريا كمسرح لنهايات زمن متكرّرة، حيث تتصادم الميتافيزيقا القديمة مع الجيوسياسية الحديثة.

يفتتح الكاتب الإيراني جعفر مدرّس صادقي روايته «موعد في حلب» (2004) بمقطع شعري للشاعر الفارسي سعدي الشيرازي يتنبأ فيه أن نهاية الزمان ستحلّ «عندما تقع الفتنة في الشام».

يقدّم صادقي حبكة معقدة يتجسّد فيها متصوّف شهير من القرن السادس الهجري (الثاني عشر ميلادي) في شخص مجاهد باكستاني يصل إلى دمشق لإنقاذ تلميذه المعتقل لدى مجموعة فلسطينية بتهمة جمع المتطوّعين للجهاد في أفغانستان. 

عند وصوله إلى دمشق يبدأ أحمد اللاهوري عند مطالعته صور حافظ وبشار الأسد في الشوارع يتذكر حقبة أخرى عاش فيها بجسد آخر حين كان حاكم البلاد هو صلاح الدين الأيوبي، وكان ابنه الظاهر غياث الدين، حاكما لحلب!

مال الملك الظاهر إلى طروحات السهروردي في الفلسفة الإشراقية، التي تستلهم أفكار حكماء فارس القدماء، فأوغر خصومه من فقهاء الأشعرية قلب صلاح الدين عليه وكفَّروه، فقرّر قتله. اختار السهروردي، كما تقول الروايات، أن يموت بتركه في مكان منفرد ومنعه من الطعام والشراب ففارق الروح في قلعة حلب في عمر 36 عاما وكان ذلك في أواخر سنة 586 هجرية (1191 ميلادي).

الفتنة الكبرى

احتفل موقع «جادة» الإيراني، شبه الرسمي، بتلك الرواية ذات الحبكة الغريبة، ويبدو أن إدارته وجدت في التأويلات الأيديولوجية والإسقاطات التاريخية بين الماضي والحاضر التي توفّرها الرواية القصيرة أهمية تبزّ ارتباك حبكتها وغموض مقاصدها.

تحاول تلك التأويلات مد عناصر ترابط بين القرون، والتي تبدأ بالنسبة للعالم الإسلامي مما سمّاه الأديب المصري طه حسين (وتبعه في ذلك المؤرخ التونسي هشام جعيط وآخرون) بـ«الفتنة الكبرى» التي تحوّلت إلى خزّان لا تني تفاصيله تتراكم، لتشكّل معالم صراعات التاريخ والفكر الإسلامي، مع صعود وسقوط دول وامبراطوريات، وتتابع الانشقاقات الدينية المذهبية والفلسفية، وتشابك علاقات الجغرافيا والتاريخ والدين والسياسة.

خضعت أحوال الدول والأيديولوجيات السياسية والدينية في المنطقة إلى انقلابات كبرى مع سقوط الخلافة العثمانية وصعود القوى الغربية، وتمثّل حقبتنا المعاصرة التي شهدت سقوط نظام آل الأسد، وحروب فلسطين ولبنان واليمن وإيران، ومع انفجار الحرب الأمريكية – الإسرائيلية الحالية على إيران، وتردد مفاعيلها في سوريا والمنطقة، آخر تمظهرات هذه الانقلابات: صراعات تتجسّد فيها الأديان القديمة، من الإبراهيمية إلى الهندوسية والبوذية، بحيث تتشابك أكثر أدوات العولمة حداثة، من الذكاء الصُنعي والتكنولوجيات المذهلة إلى الأنفاق والصواريخ فرط الصوتية، مع الأيديولوجيات القيامية، وشعارات الحرب الدينية.

قدّم روائي من العالم الفارسيّ رؤية إلى سوريا وبلاد الشام، تصلح لهذه الحقبة القيامية، تتراكب فيها رساميل أيديولوجية تاريخية للكراهية، ونبوءات آخر الزمان. 

الانتقام من صلاح الدين

تُذكِّر عودة للسهروردي في جسد آخر للانتقام من صلاح الدين على قتله قبل ثمانية قرون، بمثيل هذه الفكرة في عقيدة التقمص عند الدروز، حيث تنتقل الروح بعد الموت من جسد بشريّ إلى جسد بشري آخر حديث المولد، ولا يكون الموت فيها فناء بل «تبديل قميص» بآخر، كما تذكر بعقيدة انتقال الروح إلى أجساد مختلفة عند العلويين، والتي يعاقب فيها من يكفر بالدين بالحلول في حيوانات نجسة أو المسخ في حالة جماد، أو برجعته مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً.

غير أن هذا يبدو عنصراً إضافياً في انحناءات الرواية الغريبة مثل اختيار بطل مسلم سنّي من باكستان (تلمّح الرواية الى انتمائه لتنظيم «الدولة الإسلامية» وتسميه تنظيم «النهضة»، لتتجسد فيه روح السهروردي المتصوّف الإشراقي الذي تتراكب في فكره، كما تشير الروايات مثل «معجم الفلاسفة» لجورج طرابيشي)، عدة طبقات، الأغلب أن بعضها تسبب بمصرعه – مثل تبشيره بحكماء فارس واليونان القدماء مصطفياً من بينهم هرمس وأفلاطون وزرادشت (وهو ما نجد أثرا له في عقيدة العلويين، ويقابلها تبجيل سقراط لدى الدروز).

رئيس الملائكة الأرجواني

تزداد غرابة هذه الرواية كثيراً مع نشر المفكر الروسي ألكسندر دوغين قبل أيام تصريحاً قال فيه إنه خاض حواراً فلسفياً طويلاً جداً مع علي لاريجاني، رئيس مكتب الأمن القومي الإيراني الذي اغتالته إسرائيل مؤخراً. «لم يكن الحوار حول كانط» (الفيلسوف الألماني الذي قام لاريجاني بكتابة عدة كتب عنه) «بل كان عن السهروردي ونظريته عن العقل العاشر، وعالم الملكوت، ورئيس الملائكة الأرجواني»، وهي مصطلحات تعود الى الفلسفة الإشراقية التي نُسبت للسهروردي.

إلى كونه منظّر «الأوراسية الجديدة»، وانتمائه الى ما يسمى الفاشية الجديدة المناهضة لأفكار التنوير، فقد بدأ دوغين سيرته بالانتماء لحلقة يوجينسكي التي كانت تهتم بالشيطانية والنازية الباطنية والصوفية وبأشكال من العلوم الخفيّة والقضايا الخارقة للطبيعة.

جذبت علاقة لاريجاني، الذي كان أقوى الشخصيات الإيرانية بعد مصرع مرشد الجمهورية علي خامنئي (وحتى اغتياله إثر ذلك)، بالفلسفة الغربية، اهتماماً فكتب عنه سلوفاي جيجيك، الفيلسوف السلوفاكي الشهير، وكذلك جدعون ليفي، الصحافي الإسرائيلي الشهير بدوره، لكنّ حديث دوغين، إذا صحّ، يشير إلى أن الجوانب الأخرى المعقدة والغامضة لدى المثقفين الإيرانيين من لاريجاني نفسه إلى صادقي، كاتب «ديدار در حلب» (موعد في حلب)، الذي بدأ بفكرة القصاص من صلاح الدين (الذي يحظى بكراهية خاصة لدى بعض الطوائف الإسلامية كونه قضى على الخلافة الفاطمية)، لنتفاجأ بتجسّد في شخصية بطل من «تنظيم الدولة» السنّي المتطرّف، وبباكستاني يجسّد شخصية السهروردي المتصوّف الإشراقيّ الفارسي، ويتكلّم مع «مجاهدين فلسطينيين» في دمشق باللغة الإنكليزية، فهل كان ذلك شبيها بالتقمّص، المستوحى من العقيدة الدرزية، أم المسخ، في العقيدة العلوية؟

المفروغ منه أن ما حصل كان فعلاً «نهاية الزمان» للاريجاني، وربما كان الاتصال الهاتفي مع حواريّه الروسي (الذي قُتلت ابنته في استهداف ضده) أحد الخطوط العديدة التي قادت إسرائيل – التي يبشر رئيس حكومتها أنصارها الإنجيليين في أمريكا أن «المسيح قادم» – لرسم تلك النهاية.

العودة إلى الأعلى

كاتب سوري مقيم في لندن

رأي

أحمد عمر

اليوم خمر وغداً اعتذار

قانون لتنظيم الكحول في دمشق يتحول إلى «حرب ثقافية» حول الهوية والدين والحرية.

31. آذار 2026

هبة عز الدين

دمشق تنتفض ونحن في سكرين

في دمشق، يتحول احتجاج على منع الكحول إلى ما هو أكبر بكثير: لحظة نادرة يدفع فيها السوريون – كثير منهم متدينون، وكثير منهم نساء – ضد تدخل الدولة، ويستعيدون حقهم في تعريف مجتمعهم بأنفسهم.

29. آذار 2026

ماجد داوي

كيف يمكن بناء الثقة بين دمشق والكرد الآن؟

قد تكون دمشق بصدد إغلاق الفصل العسكري من الحرب السورية، لكن من دون معالجة قضايا المعتقلين والنزوح والحقوق السياسية للكرد، تبقى المهمة الأصعب هي كسب ثقة الكرد.

28. آذار 2026

أحمد عمر

هل يدخل الجيش السوري لبنان قبل القامشلي والسويداء؟

هل تستعدّ سوريا للدخول إلى لبنان قبل أن تُعيد لملمة نفسها في الداخل؟ بينما تلوّح واشنطن بفكرة إسناد المهمة المستحيلة المتمثلة في نزع سلاح حزب الله إلى أطراف أخرى، توازن دمشق مخاطر الانخراط في مواجهة إقليمية جديدة.

25. آذار 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية