غسان عبود والبحث عن التكريم

30. نيسان 2026

في سوريا اليوم، الجميع يريد الاعتراف. من أصحاب المليارات إلى المنشقين المنسيين والناجين المجهولين، بات الصراع حول من يستحق التكريم لمشاركته في الثورة أكثر علنيةً وتوتراً.

ذكّرنا، والشيء بالشيء يذكّر، فيديو رجل الأعمال السوري غسان عبود، مالك قناة أورينت، بزيارة الرئيس أحمد الشرع لبرلين والجدل حول أحق السوريين بصحبته ولقائه، وطرح سؤال: من أنت وماذا فعلت للثورة حتى تُدعى إلى شرف لقائه؟

 وقد باح غسان عبود لشعبه، واقفاً غير قاعد، بما يجول في صدره، رداً على اتهامات له بالحنث بوعوده المالية وتبرعاته للوطن، فذكر أنه يحتفظ بالفواتير والأرقام بما قدمه من مالٍ للثورة. وهو لا يزال مطلوباً للسلطة السورية! فمذكرات الأسد ما زالت سارية المفعول، وثمة من يزعم أنَّ الأسد ما يزال يحكم البلد، وأنَّ الشرع يقود المركبة السورية القديمة نفسها، وكان الأجدى بحكومة الثورة أن تجدّد الصفحة وتعفو عما سبق، وقد عفوا عن أساطين المال أمثال سامر الفوز، وفواز الأخرس، ومحمد حمشو، ولا يقارن غسان عبود بهم، فقد كانوا على العدوة الأخرى. ليس هو وحسب، بل إن جميع المنشقين يشكون من أنَّ أسماءهم ما تزال في سجلات المطلوبين ويعانون في أثناء العودة من بأس السين وظلم الجيم، ويقعون في خضّة المراجعات، وهي بيروقراطية جافة، وليست أمنية بحمد الله ومنته، لكنها مزعجة.

ثم تلاه السيد عبود بفيديو ثان، طال مثل مدة الأول أو يزيد، ووقف فيه محامياً عن إدلب قلعة الثورة التي يتهمها أبناء المدن السورية باحتكار المناصب، وقال ان شباب إدلب، ولا يوجد بيت في إدلب إلا وفيه شهيدان أو ثلاثة، لم يجنوا من مكاسب الثورة وغنائمها سوى حراسة بعض المحارس الخشبية «الكولبات» التي توضع في مداخل المواقع الأمنية.

أبطال الثورة باللآلاف

وقد وُجهت، إبان زيارة الرئيس السوري لألمانيا، دعوات للناشطين السوريين الألمان (تعبير يشبه قولك السوريين الأتراك) أو أصحاب الصول والطول منهم في الثورة السورية، وهم غالباً من نشطاء وسائل التواصل، من أصحاب المقالب الطريفة، ففازوا بمجد الشهرة والحظوة، وجرى بينهم صراع على السوشال ميديا على الأحقية بشرف لقاء الرئيس، ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي والكواكب الزرقاء، من يغفل يوماً عن الحضور في وسائل التواصل نُسي، فالشهرة الحديثة عمرها قصير مثل عمر الفراشة.

وإذا كان غسان عبود معروفاً، فأين أبطال الثورة السورية المغمورين، وهم بعشرات الألوف؛ نذكر أيمن الأسود، ونجاتي طيارة، أو الشيخ الصياصنة، وقد باتوا نسياً منسياً.

وكان غسان عبود قد نحا باللائمة على الحكم، وذكر عدداً من النواقص لا شكّ فيها، وزعم أن أسرة الشرع تحكم سوريا، وأن أخوي الرئيس، وأحدهما كان يقيم في روسيا، والثاني في أربيل، ليس لهما في الثورة باع أو يد أو أنملة، هما بمثابة رئيس وزراء، ووزير اقتصاد على التوالي. فقيل إنَّ غسان عبود يسعى لمنصب، وهو صاحب قناة أورينت التي جمعت كثيراً من الكتاب والناشطين في المنافي، وعاشوا من غلالها فترة غير يسيرة. وبنى عبود مرة جداراً عليه صورته على غرار الأسد، وقيل هذا من حقه، فهي أمواله التي كسبها في المهاجر، وليست من أموال الشعب السوري المسروقة كما فعل الأسد، ولعل الرجل يسعى لموقع أو منصب أو تكريم لم يحصل عليه، وكان قد طالب القيادة السورية الجديدة تكريم أسرة أورينت، لكنها لم تفعل.

إنّ أبا سفيان يحب الفخر

تحدث عبود عن النوادي الرياضية، ودعم الرياضة، فقيل له إن قانون النوادي لم يصدر بعد، الأحزاب لم يصدر قانونها، الجمعيات لم يصدر قانونها، هذه اسمها مرحلة انتقالية، لكن يبدو للناظر أو المنتظر أنها مرحلة جليدية.

إنّ أحفاد أبي سفيان كلهم يحبون الفخر.

الكل يريد التكريم!

ثمة نائب منشق في البرلمان عاد وظهر في فيديو وهو يشكو، ويبكي، وكان قد انشق باكراً، وضحى بمنصبه، ولجأ إلى كندا يبيع في شوارعها القهوة، ولم يكن يريد بعد عودته سوى التكريم. إن هؤلاء من أصحاب النفوذ السياسي القديم أو المالي الحديث، لكن أبطال الثورة بعشرات الألوف، بل بمئات الألوف، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر التكريم، وكل من كتب شتيمة للنظام أو عرّض به ظنّ نفسه مناضلاً مجاهداً، حتى أن عزة الشرع بطلة ولا تخلو من شجاعة، فهي لم تذكر الأسد بخير. إذاً كل من لم يصفق للأسد بطل، فما بالك بمن وضع روحه على كفه أو فتح جيبه مثل غسان عبود وأمثاله لأهله السوريين.

الصورة مع الرئيس تكريم، وكتاب وسام لدى المدعوين، وكانت الصورة مع الأسد تنجي من المهالك، وتعويذة سحرية. لكن للتكريم أشكال أخرى، مثل إصدار طابع باسم البطل، أو وسام، أو تسمية شارع بزفت لا ينسلخ بعد أول وابل، أو صورة في الصحيفة، أو عمل قائمة شرف مثلاً، كما فعلت التنسيقيات السورية باكراً في مطالع الثورة.

قلنا إن أبطال الثورة بمئات الألوف، أما الذين قضوا نحبهم، فنالوا أكبر جائزة، وهي جائزة الشهادة. وهم أحياء عند ربهم يرزقون.

شظايا في الجسد

منذ مدة، عبر سوريّ أمامي في مطار اسطنبول بوابة الفحص الإلكتروني التي تولول عندما تتحسس بأس المعادن، فخلعوا ثياب الشاب وعرّوه في غرفة خاصة، وجعلوه يرقص رقصة البطة، ثم وجدوا أنَّ الشاب به نحو عشرين شظية قد استقرت تحت الجلد وتحولت إلى عظام معدنية، وهو مواطن لم يدّعِ أي بطولة، ولم يسعَ إلى منصب، وليس له صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم ينل أي أعجاب في حياته سوى أعجاب البوابة الالكترونية وتغريدها.

العودة إلى الأعلى

كاتب سوري

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية