سياسة الرياضة في سوريا الشرع

2. أيار 2026

تستخدم الحكومة السورية الرياضة لبناء الشرعية وإظهار صورة شابة. لكن ذلك أسهل قولاً من فعلاً في بلد شديد الانقسام.

قبيل الزيارة الخارجية الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى السعودية وقطر والإمارات، حضر الشرع مباراة رمزية بين فريقين لكرة السلة، أحدهم لبناني والآخر سوري في صالة الفيحاء بدمشق. نظم المسؤولون عن الفعالية فقرة فنية جرى فيها رقص على وقع أغنية للأمريكية ميسي إليوت. تضمنت الأغنية إيحاءات جنسية مما أثار جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي.

اضطر الشرع لاحقاً، تحت وطأة ردود الفعل، إلى التصريح بأنه حضر الافتتاح بناء على اقتراح أحد مساعديه، ولم يكن لديه اطلاع على البرنامج، وأنه استغرب الأداء لأن الاحتفالات من هذا النوع من المناسبات «يجب ان تتضمن شيئاً هادفاً يرتبط بتقاليد وأعراف المنطقة».

يقدّم حوار ورد في «فيسبوك»، وحصد مئات التعليقات، مثالاً على طبيعة النقاشات الحادة التي قسّمت الناس، إثر الواقعة: اعتبر «أبو يحيى الشامي» (الذي اضطره سؤال من المعلقين إلى كتابة اسمه الحقيقي وهو محمد الحديدي) ما حصل «منكراً عظيماً»، فوردته مئات التعليقات المؤيدة، التي تخللتها آراء أخرى مثل قول «أمير الشامي»، وهو فلسطيني، إن هذا «يعكس الانفتاح والحداثة التي تتمتع بها الدولة السورية الجديدة والتي من شأنها أن تفوت الفرصة على من يريدون السوء بسوريا»، وقول «أبو وسام منصور» إن الأغنية «تدعم النجاح» وأن من غنتها تقصد «الفوز في المباريات».

ظهر الشرع قبل ذلك وهو يمتطي فرساً، كما ظهر وهو يلعب البلياردو، وهناك شريط مصوّر له مع وزير خارجيته أسعد الشيباني يلعبان كرة السلة مع قائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر والعميد كيفن لامبرت قائد قوة المهام المشتركة (نوفمبر/ تشرين ثاني 2025)، كما التقى ببعثة المنتخب السوري لكرة القدم المشارك في بطولة كأس العرب 2025 (وكان قد هاتفهم أيضاً)، وكانت الرياضة موضوع ممازحة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في تشرين أول/ أكتوبر 2025 حين قال الشرع: «لديكم درج طويل... جيد أننا نلعب الرياضة حتى نستطيع أن نأتي إلى هنا من دون أن نتعب». 

الرياضة كهوية

يشرح كتاب البريطاني نيكولاس هورنبي في كتابه «حمى الملعب: حياة مشجع» (الذي اختار له مترجمه العربي هذا العنوان المؤثّر: «أرسنال دمّر حياتي»)، كيف مثّل الانتماء لفريقه المفضل هوساً ذكورياً ودرعاً عاطفياً يجمع بين الرياضة والموسيقى، خالصاً إلى أن تشجيع فريق ليس هواية فقط، بل بنية أساسية للهوية: ترتبط حيوات المشجعين بالأحداث التاريخية للفريق والبلاد، كما يصبح الفريق، والمشجّع في داخله، وسيطاً للتغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية.

بعد انفجار الثورة عام 2011، تجلّت عناصر اشتباك الرياضيّ والسياسي بالشخصي في سوريا بشكل كبير ، فتحوّل عبد الباسط الساروت، حارس مرمى فريق «الكرامة» الحمصي، إلى أحد الشخصيات الثورية الأكثر شهرة، ومثّلت حياته، وصولاً إلى مصرعه المأساوي في عام 2019، وهو يقاتل قوات النظام على جبهة تل ملح في ريف حماه الشمالي، نموذجاً مذهلاً على العلاقة المعقدة بين الفرد والحراك الاجتماعي-السياسي. عبّر الساروت عن هذا الاشتباك المعقد بين الرياضي والسياسي في الأغاني التي صارت علامة (براند) على تلك الثورة.

مدرجات كرة القدم تنقل الحقيقة

يصوّر تعليق للكاتب السوري حسام جزماتي نشره عام 2018، المقلب الآخر من المعادلة، وتحدث فيه عن حادثة جرت في مدينة اللاذقية بين فريق تشرين، «صاحب الأرض» المحسوب على السلطة وحاضنتها الاجتماعية من العلويين، وفريق النواعير الحموي. احتسب الحكم هدفاً على تشرين فاجتاح الجمهور الغضب لدرجة أن رئيس النادي ضرب الحكم على الملأ. كان هناك احتقان طائفيّ كبير حينها لحاضنة النظام، التي يمثّلها فريق تشرين، ضد الغوطة، فتم تحويل اسم الحكم من زكريا علوش إلى زهران علوش، وتناقل الجمهور الحديث عن أن الاتحاد الرياضي «الشاميّ» يديره «دواعش الداخل» الذين اختاروا ذلك الحَكم تحديداً «ليظلم مدينة الشهداء»، وأخذ الجمهور يترحم على أيام فواز الأسد (المشهور بالعنف والتعرّض لسكان المدينة كما بالبلطجة ضد النوادي السورية الأخرى)!

تخرج النوادي، وجماهيرها، على النصّ الممسوك من قبل السلطة، كما تشير دراسة لإبراهيم زرقة عن فريق جبلة، الذي حوّل ملعب كرة القدم إلى ساحة لاجتماع مدينة منقسمة، يغني جمهورها الواحد أغنية للاعب جبلة محمود البحر «يا موج خدني معك يا بحر غرقني»، ويمثّل فريق «الكرامة» الحمصي، الذي جاء منه الساروت، مثالاً آخر على الخروج عن القوالب النمطية للانقسامات المدنية والطائفية، ففي مشاهد، من شهر شباط/فبراير الماضي، يغني جمهوره أغنية «لبّت لبّت»، التي تعبّر عن الولاء للحكم الجديد، ويغني في المباراة نفسها أغنية لعلي الديك، المغني الذي كان مقرباً من نظام الحكم المخلوع.

تتكاتف الجماهير الرياضية وتعبّر عن مشاعرها بالأناشيد التي يلقيها الآلاف مما يخلق تيّاراً كهربائياً غامراً يشابه ما يغمر الأفراد في اللحظات الشعبية الكبرى، ويؤدي انتظامها في جماعات (ألتراس) متعاضدة إلى تداخل شؤونها، بشكل عفويّ بقضايا الاجتماع والسياسة والثقافة، مما يعرّض هذا الجمهور للمعارك مع الفرق الأخرى، وأحياناً مع السلطات، كما أنه يجعلها، حين تكتسي الطابع الوطني، حوامل كبرى للهوية وذات سرديّات قومية ووطنية.

ما الذي أدركه مانديلا

يصوّر فيلم «إنفيكتوس» (2009) الاستخدام الاستراتيجي من قبل الزعيم نيلسون مانديلا لكأس العالم لرياضة الرغبي عام 1995 في تعزيز سياسته لتوحيد البلاد. تركّز جهد مانديلا على إقناع السود بدعم الفريق الوطني المعروف بــ«سبرينغبوكس» وتعني الظباء المحلية، والذي سبق وهيمن عليه البيض، وساهم فوز الفريق ببطولة العالم حينها، تحت شعار «فريق واحد، شعب واحد»، في إعطاء دفعة كبيرة للسردية الوطنية بمواجهة التاريخ الدامي للتمييز العنصري.

يمثّل حضور الشرع المباراة المذكورة، والوقائع الرياضية الأخرى التي قام بها، بهذا المعنى، نماذج عن اهتمام حكومة الشرع بشؤون الرياضة. تتراكب في هذا الاهتمام قضايا شخصية ودينية (حض الرسول الكريم على تعليم الأبناء السباحة والرماية وركوب الخيل)، ولكن يمكن فهمه أيضاً ضمن استراتيجية ذكية من الحكم الجديد لاستخدام الرياضة كأحد وشائج بناء الأمة. 

العودة إلى الأعلى

كاتب سوري مقيم في لندن

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية