اليوم خمر وغداً اعتذار
31. آذار 2026
قانون لتنظيم الكحول في دمشق يتحول إلى «حرب ثقافية» حول الهوية والدين والحرية.
لا يمر يوم من غير موقعة تلاسن وتلامز بالألقاب على وسائل التواصل الاجتماعي والسياسي. لنذكر معركة الضفيرة الكردية، والتي حققت في صحتها صحيفة ديرشبيل الألمانية، فوجدت أنها كذبة ملفقة. ومعركة الراية في يوم النيروز، وقد مضت المعارك كلها بسلام، لكن هذه المعركة مختلفة قليلاً؛ لأن وزيرةً مسيحية انشقت معنوياً عن العهد الجديد، وقد اتسعت رقعة المعركة حتى بلغت أكناف بيت المقدس. إذ أن رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس في القدس، المطران عطا الله حنا، ساهم بسهم، دفاعاً عن الأحياء المسيحية «المكلومة» من طعنة قرار محافظة دمشق «النجلاء».
تبدو معركة النبيذ الدمشقية معركة نبذٍ وتنبيذٍ متبادل، ومظهراً من مظاهر الآفات الاجتماعية الأصلية، التي قد يُعزى حظٌّ منها إلى النظام السابق؛ فقد سكر أحد الطرفين أو كلاهما، والجهل مُسكر.
إما أن محافظة دمشق، وليس عموم سوريا، سكرت بسؤددها وقوتها وعزة دينها، فأخطأت تقدير الموقف في هذه «اللحظة التاريخية الحرجة»، أو أن الطرف الآخر سكر بقلة عدده ورعاية المجتمع الدولي له، حتى غدا القليل كثيراً، والضعف قوة أحياناً، يقول شاعر «الأقلية الجاهلية» السموأل:
وما ضرّنا أنّا قليلٌ وجارُنا
عزيزٌ، وجارُ الأكثرين ذليلُ
القرار المشؤوم
بدأت القصة بقرار محافظة دمشق تنظيم مهنة بيع المشروبات الكحولية، وحصره في أحياء بعينها، حيث: مُنع تقديم المشروبات الروحية في المطاعم والملاهي الليلية، وسُمح ببيعها «مختومة فقط»، تحريماً لكشف عورتها في الشوارع، ضمن ثلاث مناطق: باب توما، والقصاع، وباب شرقي، وهي أحياء يقطنها أكثرية من المسيحيين، مع فرض شروط صارمة، وقالت المحافظة إن القرار جاء استجابةً لشكاوى الأهلين، وحرصاً على الآداب العامة.
فور صدوره، ثار غبار بين العدوتين: بين من يعدّون الخمر أم الخبائث، وبين من يعتبرونه حرية شخصية و«صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها»، ورآه بعضهم اعتداءً على الحريات الشخصية، واعتبره آخرون لمزاً بالمكوّن المسيحي، وأن سكنهم قبلة للسكارى، ليس سكارى الحب، إنما آباء الخبائث.
كان متوقعاً أن يبارك المسيحيون القرار، فهو يراعي خصائص دينهم، فهو مشروب رمزي في المسيحية، «ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة» كما تقول رسالة بولس، وتقول نصيحة طبية في العهد الجديد: «استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك»، لكن بعض الطوائف تمنع الخمر تماماً (مثل بعض البروتستانت)، وطوائف أخرى تبيحه ضمن الطقوس وخارجها باعتدال (مثل الكاثوليك والأرثوذكس).
ليست الخمر في المسيحية مشروباً مقدساً، وإن كان قد تحول إلى دم السيد المسيح كما يعتقدون، فهو رمز ديني، والمحرّم هو الإفراط والسكر وليس الشرب بحد ذاته.
وفي السياق ذاته، اعتبرت لجنة حي باب توما القرار مخالفةً صريحة لمواد «الإعلان الدستوري» التي تكفل بالمساواة وحماية الحريات الشخصية. فوقف معارضون وقفة احتجاج، وأبدى نشطاء من الثوار الموالين سخطهم على القرار. كأنهم يقولون: ممنوع ذكر الدين والوطن للجميع. وتذكر بعضهم علمانية النظام الراحل العظيمة.
الرد الحكومي
من جهتها، أصدرت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات بياناً عبر صفحتها في فيسبوك، حمل نبرة فخر ومنافرة، قالت فيه إن المسيحيين في سوريا، هم سكانها الأصليون (الذين) حافظوا على دينهم عبر السنين ووقفوا مع وطنهم ضد المستعمرين، وآمنوا بأن الثقافة والعلم أساس بناء البلاد. وأضافت: «المسيحيون في سوريا هم أدباءها ومثقفوها، أطباؤها وكتّابها. مناطقنا ليست أماكن للمشروبات والكحول، بل قلب دمشق وتاريخها المشرق، ومكان للعيش المشترك.» كما شددت على رفض الإقصاء، معتبرة أن قوة الدولة في تنوعها، وأن التطرف سبب ضعفها.
اشتّم الواقفون على الثغور في الجبهة الأخرى رائحة استعلاء وهجاء، فكأن الوزيرة تتهم غير المسيحيين بأنهم وافدون، وأبدلوا دينهم، وخنعوا للاستعمار، وأنهم لا يؤمنون بالعلم وإنما الخرافات بالأساطير.
إزاء هذه الغيرة على «الخندريس»، وهي الخمر المعتّقة، أصدرت محافظة دمشق بياناً توضيحياً، قد يكون عنوانه مقتبساً من أبي نواس «دع عنك لومي فإن اللوم إغراء»، أكدت فيه أن القرار ليس جديداً، بل يعود إلى عام 1952، والذي يشترط موافقة سكان الجوار قبل الترخيص، وأن القرار الجديد جاء استجابة لشكاوى من الإزعاج وسوء السلوك، كما اعتذرت لأهالي باب توما والقصاع وباب شرقي عن أي سوء فهم، مؤكدة أن هذه المناطق تمثل قلب العاصمة وهويتها الثقافية، وأنها ستعيد النظر في تطبيق القرار بما يراعي طبيعتها الديموغرافية. وختمت متراجعة خطوة إلى الوراء: بأنها ستعمل خلال ثلاثة أشهر على تنظيم المهنة وفق الأنظمة السابقة، مع مراعاة خصوصية المطاعم السياحية.
وهكذا انزلق قرار تنظيم بيع الكحول إلى معركة دينية صليبية، ظاهرها إداري وباطنها طائفي. ارتفعت أصوات تتهم القرار بالتشدد، بل وربطه البعض بأفكار ابن تيمية الذي كان النظام السابق يطلب رأسه ميتاً وميتاً، وسأل سائلون: متى سنتحد مع تورا بورا، فيما انقسم الشارع بين مؤيد ومعارض، في مشهد إعلامي مألوف.
وسرعان ما تحوّل الكحول إلى شعار: شعار للحرية عند البعض، وسلاح سياسي في وجه الحكومة عند آخرين.
قراءات وتأويلات
ذهب بعض المحللين إلى ربط القرار بسياقات سياسية أوسع، وربما برسائل موجهة إلى الداخل أو الخارج، بل قيل إن القرار مكافأة على مهمة اجتياح الجيش السوري للبنان القريبة!
كما شهدت الوقفات الاحتجاجية حضور شخصيات ذات صلة بالنظام السابق، ما عزز الانطباع بأن المسألة تتجاوز ظاهرها. في النهاية، لم تعد القضية قضية خمر، بل أمر واختبار للحرية وحدودها، وللدولة وتنظيمها، وللمجتمع وتناقضاته.
ووصف آخرون أصحاب الوقفة الاحتجاجية بالسكرجية، في إشارة رمزية إلى صراع يتجاوز كأس الراح، ليغدو الصراع على أم الخبائث أو مفرّجة الكروب «التي هي الداء والدواء»، صراعاً على المعاني والرموز.