لا بدّ من الحديث عن الفساد
9. نيسان 2026
كان من المفترض أن يؤدي سقوط الأسد إلى إنهاء الفساد، إلا أن الشبكات والممارسات ذاتها لا تزال متجذّرة في الدولة، مما يقوّض جهود الإصلاح ويُضعف ثقة المواطنين.
في حديثٍ أخير، روى أحد الأقارب تجربته في التعامل مع الإجراءات البيروقراطية الروتينية: ما زالت الرشاوى متوقَّعة، وما زالت القواعد تُثنى، وما زال من السهل الالتفاف على العمليات الرسمية. الفساد، بعيداً عن التراجع، لا يزال يشكّل كيفية عمل المؤسسات العامة في الحياة اليومي.
الفساد الإداري لا يزال حاضراً، وتمتد مظاهره من الرشاوى الصغيرة إلى شبكات تنظيمية داخل المؤسسات الحكومية، ما يشير إلى أن إسقاط النظام لم يكن كافياً للقضاء على الظاهرة.
الفساد «تضاعف»
خلال حديث مع أحد الأقارب عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة، أشار إلى تجربته الشخصية مع بعض المؤسسات الخدمية أثناء مراجعتها لإنجاز معاملات بسيطة أكد أن معظم موظفيها لا زالوا يتلقون الرشاوى، ويمارسون أساليب الالتفاف على القوانين والتعليمات الرسمية، ما يوضح أن الفساد الإداري ما زال جزءاً من النسيج اليومي لهذه المؤسسات.
اعتقدت سابقاً، وبحسبة منطقية، أن نسبة الفساد قد انخفضت منذ تولي حكومة الشرع الانتقالية مهامها إلى النصف، ولكن عند مناقشة الأمر مع صديق موظف في إحدى الوزارات، كان ردّه على اعتقادي مفاجئاً: إذ أكّد أن الفساد في القسم الذي يعمل به قد تضاعف، والسبب، حسب قوله، هو بقاء الموظفين القدامى الذين مارسوا الفساد قبل سقوط النظام في مناصبهم، وتولي مسؤولين جدد، غير مؤهلين، مهام كبيرة، معتمدين على الكوادر السابقة التي لا يخلو معظمها من الفساد. مضيفاً أن هؤلاء الموظفون القدامى قد خبروا التفنن و التلاعب بالمعاملات والاختلاسات دون أن يتم كشفهم بسهولة.
وهنا تبرز قضية إقصاء الخبرات الوطنية المؤهلة كأحد أهم أسباب استمرار الفساد وفشل الإصلاح.
نقص في الكفاءات
الحكومة الجديدة، التي شُكِّلت منذ نحو سنة، جاء أعضاؤها في معظم وزارات الدولة من خلفيات سياسية وأيديولوجية واحدة، مع نقص واضح في الكفاءات المهنية والخبرات التكنوقراطية اللازمة لإعادة بناء بلد منهك اقتصادياً وأمنياً وتعليمياً ودبلوماسياً واجتماعياً. في الوقت نفسه، استُبعِد عدد كبير من الخبرات الوطنية النظيفة، والتي كانت قادرة على تقديم حلول عملية لمشاكل الفساد وإعادة هيكلة المؤسسات.
هذا الإقصاء ساهم بشكل مباشر في توسيع دائرة الفساد القديمة، لأن المسؤولين الجدد غالباً ما يفتقرون إلى الخبرة العملية في إدارة الموارد ومكافحة الاختلاسات، ويعتمدون على كوادر قديمة لديها شبكة معقدة من العلاقات والاختلاسات، ما جعل الإصلاح الإداري أكثر صعوبة. إضافة إلى ذلك، فإن تهافت خبرة عناصر الأجهزة الرقابية يصعّب رصد المخالفات، ويتيح للفاسدين القدامى الاستمرار في ممارسة أعمالهم دون عقاب، وهو ما يؤدي إلى شعور عام بالإحباط بين المواطنين والنزيهين من الموظفين على حد سواء.
حتى على مستوى الأجهزة الأمنية، فهناك فساد في عدد من المدن، كما كشف أحد سائقي حافلات النقل العام عن تلقي بعض عناصر شرطة المرور رشاوي بالخفاء، ما يعكس أن الفساد ليس مقصوراً على المؤسسات المالية والإدارية فحسب، بل يمتد ليشمل كثيرا من مفاصل الدولة.
إصلاحات شاملة
مؤخراً، أشار رئيس الجمهورية نفسه إلى أن حجم الفساد والتخريب الذي خلفه النظام السابق كان كبيراً ويحتاج إلى وقت طويل للتخلص منه، وهو اعتراف رسمي بأن الفساد مشكلة متجذرة ومعقدة، وليس مجرد خلل مؤقت يمكن إصلاحه بسرعة.
مع ذلك، قصور الحكومة في معالجة الفساد يضيف تحدياً إضافياً. القرارات والتعاميم المتسرعة وغير المدروسة غالباً ما تزيد من تعقيد الواقع الإداري اليومي، وتؤدي إلى تعطيل أي محاولات للإصلاح. كما أن ضعف الرواتب وعدم كفايتها لتغطية الاحتياجات الأساسية للموظفين يجعلهم أكثر عرضة للجوء إلى الرشوة لتغطية الفجوة المعيشية.
يتضح يوماً بعد يوم أن النهوض بالبلد ومحاربة الفساد يحتاجان إلى إصلاحات شاملة وعميقة، تشمل: إحلال الخبرات الوطنية المؤهلة مكان الفاسدين، وتقوية الأجهزة الرقابية والمحاسبية، وتطوير قوانين تحارب الفساد بشكل فعّال. كما يجب معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الموظفين والمواطنين للجوء إلى ممارسات غير قانونية، مثل الفقر وانخفاض الرواتب والبيروقراطية المفرطة.
باختصار، سوريا لم تتخلص بعد من الفساد بعد إسقاط النظام، ولايزال الفساد مشكلة متجذرة تحتاج إلى إصلاح شامل يوازن بين الاستفادة من الخبرات الوطنية النزيهة ومعاقبة الفاسدين القدامى، مع تطوير أجهزة الرقابة وتعزيز الشفافية، فاستمرار الفساد يعيق التنمية، ويؤخر إعادة الإعمار، ويهدد استقرار الدولة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.