لم يُؤتِ السلام في الحسكة أُكُلَه بعد

24. أيلول 2026

مع اندماج المقاتلين الأكراد في مؤسسات الدولة السورية، يهدد الإقصاء السياسي وتدهور الظروف المعيشية بتقويض العملية الانتقالية.

عندما أعلن مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، حلَّ القوات في دمشق، طُوِيَت صفحة الفصائل المسلحة غير الحكومية في محافظة الحسكة. وفي المرحلة المقبلة، سيصبح عبدي مستشاراً رئاسياً، فيما حصلت إلهام أحمد على مقعد في مجلس الشعب.

جاء هذا الإعلان عقب موافقة قوات الأسايش، وهي قوات الأمن الداخلي التي يقودها الأكراد، على الاندماج في قوات الأمن العام. ومنذ ذلك الحين، انضمت وحدات حماية المرأة (YPJ) إلى وزارة الداخلية. كما توجّهت عدة كتائب من ألوية شُكّلت من قوات سوريا الديمقراطية إلى النبك للتدريب، قبل أن تعود للخدمة في مناطقها الأصلية.

من سيحوز مقعداً على الطاولة؟

يتمثل التحدي الذي يواجه الحسكة اليوم في اتساع الفجوة بين وتيرة الاندماج العسكري والأمني وبطء التقدم في الاندماج الإداري والمدني. فلا يوجد إطار واضح ينظّم عمل الجهازين البيروقراطيين معاً، ولا اتفاق سياسي يقدّم تسوية شاملة للقضية الكردية. كما يكاد يغيب النقاش حول سردية وطنية مشتركة وهوية جامعة وعقد اجتماعي جديد.

دفع ذلك بعض الأكراد إلى التشكيك في الحنكة السياسية لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، وسط تلميحات إلى تراجع نفوذه. في المقابل، يشير آخرون إلى احتكاره شبه الكامل للمفاوضات والمناصب، وإلى قدرته على التأثير في إدارة المحافظة على نحو لا يضاهيه فيه أي فاعل كردي آخر. ومن المستبعد أن يحظى المستبعَدون من عملية صنع القرار بنفوذ يُذكر عند تنفيذ تلك القرارات.

يكشف توزيع المناصب الإدارية في الحسكة عن ميزان القوى الفعلي. فقد قُسّمت المناصب بين مؤيدي دمشق، المنتمين حصراً إلى المجتمع العربي، وبين مؤيدي الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية وحزب الاتحاد الديمقراطي أو أعضائها، المنتمين حصراً إلى المجتمع الكردي. والاستثناء الوحيد هو تعيين امرأة من حزب الاتحاد السرياني في مجلس محافظة الحسكة. ويُعدّ هذا الحزب إحدى منظمتين تمثلان المجتمع الآشوري السرياني المسيحي، إلى جانب المنظمة الديمقراطية الآشورية، التي لا تنتمي إلى الإدارة الذاتية وحصلت على مقعد برلماني واحد منحه إياها الرئيس السوري.

ويغيب، على نحو لافت، العرب الذين رشحتهم الإدارة الذاتية، كما يُستبعد المجلس الوطني الكردي تماماً من الإدارة المدنية للحسكة، بما يقوّض حضوره الراسخ في المحافظة. فالمشاركة في المؤسسات وتولي المناصب العامة هما، في نهاية المطاف، من أبرز السبل التي يكتسب بها أي مشروع سياسي نفوذاً عملياً. وفي هذا المجال، لا يزال حزب الاتحاد الديمقراطي يملك الكثير ليقدمه.

سيصدر الحكم من بيوت الناس

إلى جانب الصراع على التمثيل والمناصب، تبرز مهمة إعادة تفعيل المؤسسات واستعادة ثقة الناس بها. وخلال سنوات حكمها لشمال شرق البلاد، أخفقت الإدارة الذاتية في ترسيخ مكانتها كمزوداً موثوقاً للخدمات، أو في تقديم نموذج حكم جديراً بالاقتداء. وبفضل تنوع الحسكة العرقي واللغوي والديني، ستكون قدرتها على تحقيق الاستقرار مؤشراً مهماً إلى نجاح المرحلة الانتقالية. وقد يشجع الاندماج فيها مناطق أخرى، وربما يوفر لها نموذجاً يُحتذى به. غير أن هذا الوعد سيظل مجرد كلام ما لم يلمس الناس تحسناً ملموساً في حياتهم اليومية.

حتى الآن، ازدادت الأوضاع المعيشية سوءاً. فقد تحولت أسعار الطاقة والوقود إلى كابوس يثقل مختلف جوانب الحياة اليومية. واستمرت الاحتجاجات في القامشلي قرابة شهرين، لكنها لم تحقق، على ما يبدو، أي نتيجة. بل على العكس، تفاقمت الأوضاع: ارتفعت أسعار الوقود مراراً، وانقطعت الكهرباء، وازدادت كلفة اشتراكات المنازل في المولدات الخاصة.

وكأن رسالة الحكومة تقول: احتجوا كما يحلو لكم؛ سنفعل ما يحلو لنا.

وفي غياب تفسير مقنع أو تبرير رسمي كافٍ لهذه الزيادات القاسية، ينظر الناس بصورة متزايدة إلى الحكومة والإدارة الذاتية السابقة باعتبارهما عازمتين على تبادل اللوم، فيما تقتسمان المكاسب بينهما.

وتسعى الإدارة الذاتية، عبر متحدثيها والمحللين التلفزيونيين المتعاطفين معها، إلى تصوير ارتفاع الأسعار بوصفه نتيجة للاندماج، محمّلةً دمشق وحدها مسؤولية الفوضى التي تعم البلاد بعد إحكام سيطرتها على موارد الطاقة. وفي المقابل، تسعى دمشق إلى إثبات العكس تماماً: أن استمرار نفوذ الإدارة الذاتية هو المسؤول المباشر عن تفاقم المشكلات.

ولا يُسهم أيٌّ من هذين الطرحين في سداد فاتورة الكهرباء المنزلية، كما أن هذا التراشق بالاتهامات لا يمنح المواطنين سبباً وجيهاً للثقة بالمؤسسات التي تدّعي اليوم خدمتهم.

العودة إلى الأعلى

باحث في الشأن الكردي والسوري

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية