سوريا بحاجة إلى «اتفاق جديد»
19. أيلول 2026
بين مطرقة الاشتراكية البعثية التي فقدت مصداقيتها وسندان النيوليبرالية المتوحشة، تحتاج سوريا إلى رؤية اقتصادية جديدة يلتف حولها الناس.
ستظل الاشتراكية في سوريا مرتبطة إلى الأبد بحزب البعث الأسدي الحاكم من 1963-2024. ورغم أن معظم السوريين ينأون بأنفسهم اليوم عن مصطلح «الاشتراكية»، إلا أن الكثيرين منهم لا يزالون يؤيدون في دواخلهم مبادئها الأساسية، مثل مجانية التعليم والرعاية الصحية، ودعم السلع الأساسية كالوقود والخبز. غير أن تدابير الحماية الاجتماعية هذه كانت لها تكلفة باهظة تمثلت في دكتاتورية الحزب الواحد وغياب أي شكل من أشكال المساءلة الشعبية. لكن زوال أحدهما لا يعني بالضرورة زوال الآخر.
لا تزال سياسات الرعاية الاجتماعية الأساسية تحظى بتأييد شعبي في سوريا، كما تُظهِر استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجرتها مجلة «سوريا المتجدّدة». ولعل المشكلة لا تكمن في سياسات الرعاية الاجتماعية بحد ذاتها، بل في ارتباطها بنمط معين من اشتراكية الدولة. أمّا اليوم، فعلى السوريون صياغة قاموس سياسي جديد يلتفّون حوله لانتشال أنفسهم من واقع الدمار الشامل والنزوح والفقر.
ونظراً لتزايد السخط إزاء الأوضاع الاقتصادية، يبدو من المفيد لحكام سوريا الجدد إعادة النظر جذرياً في نهجهم النيوليبرالي تجاه إعادة الإعمار، لصالح برنامج اجتماعي واقتصادي يعود بالنفع على الغالبية العظمى من السكان، لا على قلة قليلة تتمتع بنفوذ وعلاقات واسعة. إن سوريا بحاجة إلى «اتفاق جديد» (New Deal) يحظى بدعم دولي لإعادة بناء المساكن والبنية التحتية على نطاق واسع، فضلاً عن إصلاح خدمات الرعاية الصحية وإرساء نظام فعال للضمان الاجتماعي.
كان «الاتفاق الجديد» (New Deal) في الولايات المتحدة نظاماً غير مسبوق من حيث الحجم والنطاق، وهدف إلى التصدي للأزمة الاقتصادية المتمثلة في «الكساد الكبير» (1929-1939). وقد تضمّن هذا البرنامج -الذي قادته الدولة- مشاريع بنية تحتية ضخمة وفرت فرص عمل للملايين وعززت تدابير الحماية الاجتماعية، وذلك رغم حرص الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت الشديد على النأي بها عن أي ارتباط بالاشتراكية. ومع ذلك، لم يخلُ هذا الاتفاق من أوجه قصور؛ إذ أدت نقاط ضعف هيكلية إلى استمرار بعض أشكال التفاوت الاجتماعي والاقتصادي -لا سيما بالنسبة للنساء والسود- فضلاً عن غياب نظام شامل للرعاية الصحية.
نموذج الحريري
تُذكّر مبادرات الاستثمار الحالية في سوريا بتلك التي شهدها لبنان المجاور في حقبة التسعينيات. ففي عهد رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، ركّزت إصلاحات التحرير الاقتصادي بشكل مكثف على قطاعي السياحة والعقارات، وكذلك القطاعين المالي والمصرفي، وذلك على حساب القطاعات كثيفة العمالة، مثل الزراعة والصناعة.
ولعل خير تجسيد لهذا النهج كان مشروع «سوليدير» العقاري الذي أطلقه الحريري، حيث أُزيلت الأسواق القديمة في وسط بيروت لإفساح المجال أمام المتاجر الفاخرة والشقق السكنية الشاهقة. وقد حُوِّلت حقوق ملكية أصحاب المنازل الأصليين إلى أسهم، اضطر الكثير منهم إلى تسييلها (بيعها) بسبب حاجتهم الماسة إلى السيولة النقدية. وبالمثل، تتجه النخبة الاقتصادية الصاعدة في سوريا بشكل متزايد نحو مشاريع استثمارية فاخرة تهدف إلى إعادة إعمار البلاد، وذلك أحياناً على حساب حقوق الملكية وحقوق ضحايا نظام الأسد. ولعل أبرز مثال يجسد هذا التوجه هو مشروع مرتقب لتحويل مطار المزة إلى مرفق مدني مخصص لرجال الأعمال القادمين على متن طائرات خاصة؛ إذ من شأن هذا المشروع أن يؤدي إلى طمس الأدلة الجنائية المتعلقة بالمقابر الجماعية، وتجاوز حقوق المُلّاك الذين انتُزعت ملكياتهم في عهد الأسد.
وفي مسعاها لجذب استثمارات ضخمة، تعتمد الحكومة السورية سياسات خفض الضرائب ومنح الإعفاءات الجمركية، مستندةً في ذلك إلى خطاب الكفاءة الاقتصادية الليبرالية الجديدة؛ غير أن هذه التدابير تُعدّ في الواقع بمثابة دعم مباشر -بحكم الأمر الواقع- للقطاع الخاص. لذا، يجدر بالحكومة النظر في برامج لإعادة الإعمار تحقق فوائد مباشرة وملموسة لعامة السوريين، مع توفير فوائد غير مباشرة للقطاع الخاص في الوقت ذاته.
نحو «اتفاق جديد» لسوريا
من شأن «اتفاق جديد» لسوريا أن يتيح للحكومة السورية تنفيذ مبادرتها «سوريا بلا مخيمات»، كما سيوفر فرص عمل تشتد الحاجة إليها في بلد يعيش فيه 90% من السكان تحت خط الفقر، وسيشكل كذلك دفعة قوية للقطاع الخاص؛ فمع ارتفاع الدخل، سيزداد الطلب الاستهلاكي، مما يحفز تأسيس مشاريع تجارية جديدة.
وسيكون دور المجتمع الدولي جوهرياً، نظراً لأن الحكومة السورية تفتقر -ظاهرياً- إلى السيولة المالية اللازمة. إذ يمكن للدول الأوروبية تقديم خبرات بالغة الأهمية حول كيفية إرساء نظم الحماية الاجتماعية، بدلاً من الاكتفاء بتمويل مشاريع إنسانية وتنموية مجزأة وغير مترابطة. وفي الوقت نفسه، يمكن لدول الخليج دعم هذه الجهود عبر توفير رؤوس الأموال الضرورية. ومن شأن برنامج كهذا أن يرسخ استقراراً طويل الأمد، من خلال معالجة بعض الأسباب الجذرية للإرهاب والهجرة، بدلاً من الاكتفاء بمجرد التعامل مع تداعياتها لاحقاً.
ولكي تتحقق خطة مدعومة دولياً، يتعين على الحكومة السورية إعادة النظر بشكل جذري في سياساتها الاجتماعية والاقتصادية. فكما أخبرني أحد المسؤولين في وزارة الأشغال العامة والإسكان، لا تزال الحكومة تفتقر إلى رؤية واضحة لإعادة الإعمار في ظل غياب التمويل الدولي؛ غير أن الحكومة السورية بحاجة أولاً إلى بلوَرة هذه الرؤية لتتمكن من جذب المانحين الدوليين.
إن «الاتفاق الجديد» لسوريا لن يتيح للبلاد إعادة الإعمار على نطاق واسع فحسب، بل سيمكنها أيضاً من أن تصبح منارة لمنطقة تتسم ببعض أعلى معدلات التفاوت الاجتماعي والاقتصادي -إن لم تكن الأعلى- على مستوى العالم. ولن يتحقق أي تقدم ما لم يتم إنقاذ بعض مبادئ الاشتراكية من «محرقة» حزب البعث.