مصانع الشهادات في سوريا

12. تموز 2026

الجامعات الخاصة تفتقر إلى جودة التعليم والبحث العلمي. على الحكومة أن تباشر بالإصلاح.

تمثل الجامعات الخاصة في سوريا إحدى أبرز مشكلات التعليم العالي. فهي تقدّم نفسها كمؤسسات للمعرفة، وصناعة الكفاءات، والابتكار، ومكاناً لإعداد الجيل المقبل من بُناة الدولة. غير أن الواقع يكشف أن كثيراً منها تحول إلى مشاريع تجارية بحتة، تستنزف أموال الطلاب من دون أن تقدم قيمة أكاديمية حقيقية. وقد استفاد أصحابها من تراخيص مُنحت بسهولة لافتة في عهد النظام السابق، وهي التراخيص التي يبدو أن السلطة الجديدة لا تجد حرجاً في الإبقاء عليها.

لقد حوّل نظام الأسد التعليم العالي إلى أداة للنفوذ السياسي والمحسوبية الاقتصادية. ومع صدور المرسوم التشريعي رقم 36 لعام 2001، فُتح الباب على مصراعيه أمام إنشاء الجامعات الخاصة في سوريا. وخلال سنوات قليلة، ظهرت عشرات الجامعات، وكان كثير منها ثمرة نفوذ شخصيات مقربة من النظام السابق.

وكان الأمر في غاية البساطة: مبنى، وترخيص، وعدد من الأسماء الأكاديمية اللامعة لتزيين الواجهة. أما الإقبال، فكان مضموناً في ظل الضغط الهائل على الجامعات الحكومية، التي كانت تعاني أصلاً تراجعاً أكاديمياً وتردياً في بنيتها ومرافقها.

الربح قبل الجودة

لم يتغير الكثير بعد وصول الحكومة الجديدة إلى السلطة. ففي يناير (كانون الثاني) 2025، حصلت 29 جامعة خاصة على الاعتراف الرسمي، بينما استُبعدت تسع جامعات في شمال سوريا، الذي كان خاضعاً سابقاً لسيطرة المعارضة، وطُلب منها استكمال وثائق إضافية.

وقد أوحى ذلك القرار، إلى حد محدود، بوجود رغبة في الحفاظ على معايير التعليم في الجامعات الخاصة. إلا أن منح الجامعات التي أُنشئت في عهد الأسد شهادة سلامة كاملة يثير تساؤلات جديّة حول غياب المراجعة الأكاديمية المستقلة والشفافة التي كان يفترض أن تسبق هذا الاعتراف.

واتضح لاحقاً أن ذلك لم يكن النقص الوحيد. فأساليب التعلم التشاركي، التي أصبحت من ركائز التعليم الجامعي في معظم الجامعات المتقدمة عالمياً، تكاد تكون غائبة في سوريا. كما يفتقر الطلاب إلى قواعد البيانات والأرشيفات البحثية التي تعد أمراً بديهياً بالنسبة إلى طالب جامعي عادي في دولة مثل سنغافورة مثلاً.

أما البحوث المخبرية، التي تُعد ركناً أساسياً حتى في جامعات متوسطة المستوى في كثير من دول العالم، فهي نادرة في معظم الجامعات الخاصة السورية. كما أن النشر في الدوريات العلمية المحكمة ذات السمعة المرموقة يُعامل باعتباره أمراً مستحباً لا ضرورة أكاديمية. بل إن بعض الجامعات الخاصة يثني أعضاء هيئته التدريسية عن النشر في المجلات الدولية التنافسية، لأن ذلك يستهلك وقتاً يمكن استثماره في التدريس.

وتغيب كذلك مكاتب نقل التكنولوجيا وحاضنات البحث العلمي، القادرة على تحويل الأفكار إلى مشاريع إنتاجية. أما الشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص، فعندما توجد، تكتسب طابعاً بيروقراطياً وسياسياً أكثر مما تستند إلى منطق اقتصادي أو تجاري. وليس مستغرباً، والحال هذه، أن تتسع الفجوة باطراد بين ما تنتجه الجامعات وما يحتاج إليه المجتمع والاقتصاد فعلياً.

لا تبذل الجامعات الخاصة جهداً يُذكر لإخفاء طبيعتها الربحية. إذ تتراوح الرسوم الدراسية السنوية بين نحو 1800 دولار لتخصصات مثل الإعلام، وأكثر من 11 ألف دولار للهندسة والطب. وهذه الرسوم لا تستند إلى أي مؤشرات قابلة للتحقق تتعلق بجودة التدريس، أو مستوى البحث العلمي، أو فرص توظيف الخريجين. أما الادعاءات المتعلقة بـ«الجودة العالمية»، فغالباً لا تتجاوز صفحات «البروشور».

رفع مستوى التعليم

أعلن الرئيس أحمد الشرع أن الإصلاح المؤسسي يشكل أحد أولوياتها، وينبغي أن يكون إصلاح الجامعات في صدارة هذه الأولويات. 

ولهذا الغرض، يستطيع إنشاء هيئة وطنية مستقلة للاعتماد الأكاديمي، تعمل بعيداً عن نفوذ وزارة التعليم العالي. ومن شأن ذلك أن يمنح الطلاب وأولياء أمورهم صورة أوضح عما يدفعون أموالهم من أجله.

كما يمكن للحكومة أن تُلزم كل جامعة خاصة بنشر بياناتها المالية والأكاديمية بصورة علنية، بما في ذلك حجم الأرباح التي تحققها، ونسب توظيف خريجيها، وحجم الإنتاج البحثي الأصيل الذي تنجزه.

وينبغي للحكومة أيضاً أن تشجع الشراكات البحثية بين الجامعات والقطاع الخاص. ومن الوسائل المتاحة لتحقيق ذلك تقديم حوافز ضريبية وغيرها من الحوافز للشركات التي تنشئ أقسام البحث والتطوير التابعة لها داخل سوريا. ومن شأن هذه الخطوة أن تجعل الجامعات الخاصة تسهم في تحريك الاقتصاد الوطني، بدلاً من الاكتفاء بزيادة ثراء أصحابها.

أما الجامعات التي تعجز عن تحديث مناهجها، ولا تنتج أبحاثاً علمية جادة، ولا تمنح طلابها أي ميزة حقيقية في سوق العمل، فالحل واضح: إغلاقها.

ففي أفضل الأحوال، ليست سوى امتداد مكلف للمرحلة الثانوية. وفي أسوأ الأحوال، ليست إلا مصانع للشهادات تُخرّج جيلاً جديداً من سائقي سيارات الأجرة المتذمرين.

يستحق الشباب السوري تعليماً جامعياً أفضل. وقد حان الوقت للتعامل بجدية مع إصلاح التعليم العالي.

العودة إلى الأعلى

سياسي وباحث وكاتب وأكاديمي سوري

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية