لماذا ينبغي لسوريا ألّا تتدخل في لبنان؟

29. تموز 2026

مواجهة «حزب الله» قد تزج بسوريا في حرب دامية من دون أن تفعل الكثير لاحتواء إسرائيل.

يجد الرئيس السوري أحمد الشرع نفسه اليوم بين مطرقة شعب أنهكته الحروب وسندان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يدفع باتجاه تدخل سوري في لبنان.

فمنذ يونيو (حزيران)، كرر الرئيس الأميركي دعواته إلى أن يتصدى الجيش السوري لـ«حزب الله»، وكان آخرها في وقت سابق من هذا الشهر إلى جانب الرئيس اللبناني جوزيف عون. بل ذهب ترمب أبعد من ذلك، مدّعياً أن الشرع أبدى تجاوباً مع مطالبه.

لكن منذ مايو (أيار)، عندما نشر الجيش السوري آلاف الجنود على الحدود مع لبنان، دأب المسؤولون السوريون، بمن فيهم الشرع نفسه، على نفي أي نية للتدخل في الشؤون السيادية للدولة المجاورة.

وتشير استطلاعات رأي حديثة إلى أن غالبية السوريين، بنسبة 63 في المائة، ترفض بشكل قاطع أي تدخل في لبنان. ولا يختلف المزاج اللبناني كثيراً، إذ لا تتجاوز نسبة من يرون أن على سوريا الاضطلاع بدور فاعل 2 في المائة. وبالتالي، فإن أي «موافقة» محتملة من الحكومة اللبنانية على تدخل سوري ستفتقر بوضوح إلى الغطاء الشعبي.

معركة صعبة

تكاد الحجج المناهضة للتدخل السوري في لبنان لا تنتهي. فعلى مدى عقود، تدخلت سوريا في الشأن اللبناني، وأسهمت في تأجيج الحرب الأهلية، ونفذت اغتيالات سياسية، وفرضت وجوداً عسكرياً في البلاد استمر 30 عاماً. وأي تدخل جديد، مهما كان محدوداً، من شأنه أن يؤجج المشاعر المناهضة لسوريا، وهي مرتفعة أصلاً، وقد يدفع ثمنها قبل غيرهم مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في لبنان.

ثم إن فرص نجاح مثل هذا التدخل تبدو محدودة للغاية. فـ«حزب الله» سيتعامل مع أي هجوم سوري باعتباره تهديداً وجودياً، على نحو لا يختلف كثيراً عن تعامل دروز سوريا مع قوات دمشق قبل عام، حين خاضوا قتالاً شرساً ضدها.

وإذا كان الجيش السوري لم يتمكن من حسم المواجهة مع عدد محدود من الفصائل الدرزية، وإن كانت إسرائيل تقف إلى جانبها، فمن الصعب تصور قدرته على هزيمة «حزب الله» في بيئته وعلى أرضه. فالحزب تنظيم مسلح شديد الانضباط، يتقن حرب العصابات، ولم تستطع إسرائيل، رغم تفوقها العسكري الهائل، القضاء عليه في ثلاث حروب متعاقبة على امتداد تاريخه الذي يعود إلى 44 عاماً.

والتدخل السوري لن يكون قليل الجدوى فحسب، بل قد يتحول إلى حرب شديدة الدموية تعمق الجروح الطائفية في المنطقة. فـ«حزب الله» ليس قوة شيعية مسلحة وحسب، بل كان أيضاً أحد أبرز حلفاء نظام الأسد، وارتبط اسمه بإعدامات ميدانية طالت مدنيين من السنّة في سوريا. ولذلك فإن نزعة الثأر قائمة بالفعل.

أما المجازر الطائفية التي ارتكبها الجيش السوري، ذو الغالبية السنية، العام الماضي، أولاً بحق العلويين ثم الدروز، فتقدم لمحة عما يمكن أن تنزلق إليه مواجهة من هذا النوع.

وثمة أيضاً ما يتعلق باستقرار سوريا نفسها. فعملية عسكرية في لبنان ستستنزف جيشاً محدود القدرات والعديد أصلاً، في وقت تواجه فيه المرحلة الانتقالية الهشة في البلاد أطرافاً عدة تسعى إلى زعزعة استقرارها.

ويأتي تنظيم «داعش» في مقدمة هذه التهديدات، بعدما نفذ سلسلة هجمات منذ بداية العام، بينها التفجيرات التي شهدتها العاصمة السورية هذا الشهر. وهناك أيضاً متمردون يسعون إلى الثأر، وكانوا مرتبطين سابقاً بنظام الأسد الذي سقط، فضلاً عن العمليات العسكرية الإسرائيلية الآخذة في الاتساع في جنوب غربي سوريا.

العامل الإسرائيلي

لكن السؤال الأهم بالنسبة إلى دمشق يظل أكثر ارتباطاً بمصير الدولة ومستقبلها: هل يخدم التدخل العسكري في لبنان مصالح سوريا بعيدة المدى في مواجهة إسرائيل؟

هل يمكن لمسايرة ترمب في هذا الملف أن تضمن لدمشق تعهدات أميركية طويلة الأمد تحول دون أن تصبح سوريا الهدف الإسرائيلي التالي؟ أم أن إضعاف «حزب الله» بمساعدة سورية قد يؤدي، على العكس، إلى تسريع موعد التدخل الإسرائيلي في سوريا؟

لا تحتاج دمشق إلى البحث بعيداً عن تجربة حلفاء واشنطن الأكراد كي تدرك مدى هشاشة الضمانات الأميركية. فالسياسة الأميركية تجاه أكراد سوريا تقلبت مراراً بين الإدارات الجمهورية والديمقراطية.

خلال ولايته الأولى، أعطى ترمب الضوء الأخضر للعملية التركية المدعومة من فصائل سورية، «نبع السلام»، عام 2019 ضد «قوات سوريا الديمقراطية» ذات القيادة الكردية. وكانت تلك القوات قد تشكلت عام 2015، في عهد إدارة باراك أوباما، لتكون القوة الرئيسية التي قاتلت تنظيم «داعش» على الأرض.

ثم، في وقت سابق من هذا العام، تخلت الولايات المتحدة عن دعم هذا الشريك الذي تعاونت معه لنحو عقد، ما أتاح للجيش السوري بسط سيطرته على شمال شرقي البلاد.

وسيكون من الخطأ الفادح أن تعتقد دمشق أنها تستطيع أن تكون استثناءً من نهج ترمب القائم على الصفقات في السياسة الخارجية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، الحليف الاستراتيجي الذي حظي بدعم أميركي غير مشروط على مدى عقود.

فالمصالح التجارية الشخصية لترمب وبعض أفراد دائرته المقربة ليست أساساً كافياً لبناء التزام أميركي طويل الأمد تجاه سوريا، ولا سيما بعد انتهاء ولايته في البيت الأبيض.

وفي الوقت نفسه، يدرس الكونغرس الأميركي اتفاقاً للتكامل، يُعرف باسم قانون  FUTURES، من شأنه أن يزيد من تشابك القطاعين الأمنيين الأميركي والإسرائيلي إلى ما بعد رئاسة ترمب بسنوات.

ويمثل ذلك ذروة الترابط الوثيق بين المؤسستين العسكريتين الأميركية والإسرائيلية، ويعزز في الوقت نفسه استمرارية الحروب الإسرائيلية المدعومة أميركياً في المنطقة، من فلسطين إلى لبنان وإيران، وربما، في نهاية المطاف، سوريا.

بالنسبة إلى دمشق، فإن أفضل وسيلة لاحتواء إسرائيل ليست التحول إلى وكيل عنها، وإنما النظر إلى «حزب الله» باعتباره حاجزاً في مواجهتها.

وهذا، في نهاية المطاف، يعني شيئاً واحداً: ألّا تتدخل سوريا في لبنان.

العودة إلى الأعلى

صحفية وباحثة مقيمة في دمشق

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية