دعونا نحكم البلاد لمدة 365 يوماً فقط

1. آب 2026

إذا كانت سوريا بالفعل حقل ألغام، فلماذا لا نترك للنساء اللواتي نجون منه فرصة تولّي زمام القيادة؟

في محاولة للابتعاد عن السياسة وتسارع الأحداث في البلد قرّرت مشاهدة أحد أفلام نتفلكس الكوميدية، وقد وقع اختياري على فيلم «النساء أولاً» (Ladies First).

يروي الفيلم قصة رجل يعمل مديراً لإحدى المؤسسات الضخمة ويجبره مجلس الإدارة على أن تكون معه امرأة تشاركه إدارة البرامج لكنه يختار امرأة بشكل عشوائي ويتعامل معها وكأنها مجرد واجهة تجميلية يريدها الممول لا أكثر متجاهلاً كل كلمة تقولها، فتتم معاقبته بالانتقال إلى عالم موازٍ تحكمه النساء وليس الرجال.

لكن الفيلم برأيي لا يناقش المعضلة الأزلية التي تجعل بعض الرجال ينظرون إلى النساء باعتبارهن غير مؤهلات أو غير قادرات على القيام بأي شيء سوى تلبية مطالبهم وخدمتهم، بل يختار طريقاً آخر: يقلب الأدوار فقط، فتصبح النساء في العالم الموازي يتصرفن كما يتصرف الرجال تماماً ويأخذ الرجال دور النساء.

يظهر الرجال الذين لبسوا أدوار النساء وهم يبحثون عما يمكن أن يغووا به النساء بدلاً من البحث عما يجعلهم أكثر عملية ومنطقية ومثابرة للوصول إلى حلمهم باستعادة مناصبهم والعودة إلى عالمهم.

لم ينتهي الفيلم بإدراك الرجال لطريقة تعاملهم السلطوي مع النساء، فلا والد البطل ولا شقيقته وزوجها ولا حتى هو نفسه أدرك خطأ ما كان يفعل، كان العالم الموازي خاص بالبطل وحده دون أن يعلم الرجال الذين شاركوه فيه أنهم معاقبون أيضاً.

كما لم يُظهِر الفيلم النساء على أنهن ناجحات ومثابرات بكينونتهن الخاصة وعقلهن وتجاربهن، بل ظهرن كأنهن رجال في أجساد نساء فقط.

وهنا يأتي السؤال: ما فائدة أن ترتدي المرأة ثوب الرجل كي تحصل على فرصتها في المنافسة والنجاح؟ لماذا يجب عليها أن تتخلى عن ذاتها وأنوثتها وطريقتها في التفكير حتى تثبت قدرتها؟

ثم جاءتني الفكرة التي سيظنها البعض غريبة ومضحكة.

النساء في منطقة الخطر

تقول إحدى الحكايات الشعبية التي تفسر سبب مصطلح «النساء أولاً» إن الرجال في العصور الوسطى كانوا يجعلون النساء يدخلن أولاً إلى الأماكن الخطرة خوفاً على حياتهم من أي طارئ خطر يمكن أن يحدث، ولأكون صادقة أميل إلى تصديق هذه الحكاية أكثر من غيرها، ليس كرهاً بالرجال بل إيماناً بقدرة النساء.

الفكرة تقول: لماذا لا يترك لنا رجال دولتنا العزيزة في سوريا هذا الخطر؟

ماذا سيحدث لو تركوا لنا حكم سوريا لمدة عام مثلاً؟

أسأل هنا بكل جدية بعيداً عن تجربة الائتلاف السوري سابقاً حيث كانت النساء في بعض الأحيان حاضرات لأن الممول طلب ذلك، لا لأن وجودهن كان اعترافاً حقيقياً بدورهن.

وأعود للسؤال: هل هناك خطر يمكن أن يجعل النساء يختبرنه أولاً أكثر من قيادة بلد على صفيح حرب أهلية ومشاكل صحية واقتصادية وتربوية؟ سوريا التي شبهها الكثير من الناشطين بحقل ألغام نشط.

ونحن نساء هذا الحقل نعرض عليكم أن تتركوه لنا لمدة عام فقط.

ما الذي سيحدث أكثر من ارتفاع وانخفاض أسعار المحروقات خلال شهر واحد؟ وأكثر من محافظ يستهتر بأرواح الناس من أجل الحصول على لقطة إعلامية؟ أو وزير يرفض تحمل مسؤوليته ويرميها على كل من حوله مستثنياً نفسه؟

ماذا يمكن أن يحدث أكثر من تصدّر الفلول والمكوعين للمشهد؟ وارتفاع الأسعار وانخفاض الدخل وازدحام الشوارع وكثرة الحوادث وانتشار السلاح؟

لن نكون أكثر كارثية من الكارثة التي نعيشها..

فالنساء في سوريا خلال سنوات الثورة والحرب التي شنها النظام البائد ضد شعبه لم يكنّ غائبات عن المشهد لقد أدرن بيوتاً ومجتمعات في غياب الرجال الذين أصبحوا إما معتقلين أو مطاردين أو مقاتلين، كما أدارت النساء الكثير من مبادرات التضامن والإغاثة وشاركن في بناء السلام وفي مختلف مراحل الثورة السورية وتطوراتها وانتكاساتها.

فلماذا يتم تنحيتهن الآن عندما تبدأ مرحلة بناء الدولة؟

لا أظن أن سوريا تحتاج فقط إلى المزيد من الصراعات على السلطة، بل تحتاج إلى عقول وخبرات كل أبنائها وبناتها وإلى نساء خبرن معنى الحفاظ على الحياة وسط الخراب.

أنا لا أبالغ في طرحي هذا وأعرف أن كثيرين سيسخرون منه لكن دعونا نعيش في عالم موازٍ لمدة 365 يوماً.

العودة إلى الأعلى

كاتبة وصحفية سورية مدافعة عن حقوق الإنسان

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية