تسليم، أم ترحيل، أم اختطاف؟

15. آذار 2026

تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى ملاحقة جرائم حقبة الأسد عبر آليات القانون الدولي. لكن قضية معارض إماراتي محتجز في دمشق تطرح سؤالاً مقلقاً: هل يمكن أن تتحول أدوات العدالة إلى أدوات للقمع؟

تتجه الحكومة الانتقالية السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع نحو ملاحقة رموز النظام السابق قضائياً، وقد أعلنت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عن تواصلها مع الإنتربول لتسليم بشار الأسد وشقيقه ماهر، فيما تسعى دمشق لإعادة الاندماج في منظومة التعاون القضائي الدولي. هذا التوجه مشروع ومطلوب، لكنه يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف نضمن ألا تتحول أدوات العدالة الدولية إلى سلاح جديد يعيد إنتاج القمع؟ وقبل أن يُجاب على هذا السؤال نظرياً، جاءت قضية المعارض الإماراتي جاسم الشامسي لطرحها بأشد صورها مباشرةً على أرض دمشق.

التمييز الضروري بين ثلاثة مفاهيم

فهم الفروق بين التسليم القضائي والترحيل الإداري والنقل الاستثنائي ضرورة سياسية لسوريا اليوم. التسليم القضائي إجراء رسمي يخضع لمعاهدات دولية ويشترط ضمانات المحاكمة العادلة ومبدأ التجريم المزدوج، أي أن تكون الجريمة المنسوبة معاقَبَة عليها في كلا البلدين. أمّا الترحيل الإداري، فهو قرار سيادي أحادي الجانب لإبعاد أجنبي لا يستدعي بالضرورة وجود جريمة في بلد آخر. وأما النقل الاستثنائي، فهو ببساطة اختطاف مُقنَّع بغطاء أمني، تتجاوز فيه الدول كل الضمانات القانونية.

والنشرة الحمراء للإنتربول، التي تتحدث عنها الحكومة السورية الجديدة في سياق ملاحقة رموز النظام السابق، ليست مذكرة اعتقال دولية كما يُشاع، بل هي تنبيه يُطلب من أجهزة إنفاذ القانون تحديد مكان شخص واعتقاله مؤقتاً تمهيداً لتسليمه. وقد أثبتت التجربة أن هذه الأداة الفعالة قابلة للتسييس؛ إذ حذّرت الأمم المتحدة من استخدام أنظمة سلطوية للنشرات الحمراء لملاحقة معارضين سياسيين في المنفى، رغم أن دستور الإنتربول في مادته الثالثة يمنع صراحةً أي تدخل ذي طابع سياسي.

حين يُصبح الضحية جلاداً

لا تبدو هذه المخاوف نظرية حين نتأمل ما جرى في دمشق لمعارض خليجي لجأ إليها. جاسم راشد الشامسي، المسؤول الحكومي الإماراتي السابق (مساعد وكيل وزارة المالية)، تحوّل إلى منتقد بارز لسياسات أبو ظبي وداعية إلى الإصلاح الديمقراطي. فصدر بحقه حكم غيابي بالسجن لمدة خمسة عشر عاماً عام 2013 في محاكمة جماعية هي قضية «الإمارات 94»، إثر توقيعه على عريضة إصلاحية مع عشرات الأكاديميين والحقوقيين. ثم صدر بحقه حكم بالسجن مدى الحياة في يوليو 2024 ضمن قضية «الإمارات 84»، قبل أن تُدرجه السلطات الإماراتية على قائمة الإرهابيين المحليين في يناير 2025 ضمن خطوة جماعية شملت أحد عشر معارضاً في المنفى، وهو ما وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش بأنه ازدراء صريح للإجراءات القانونية الواجبة.

وفي ديسمبر 2024، انتقل الشامسي برفقة زوجته السورية وأطفاله إلى دمشق بحثاً عن ملاذ آمن بعد أن باتت إقامته في تركيا محفوفة بالمخاطر إثر احتجازه في مطار تركي في مارس 2024. غير أنه وجد في دمشق الجديدة ما فرّ منه: في السادس من نوفمبر 2025، اعتقلته قوات الأمن السورية دون أمر قضائي أو تهمة واضحة، وأُخذ إلى مكان مجهول، وانقطعت أخباره تماماً. لم تُخطِر السلطات عائلته، ولم يتح له التواصل بمحامٍ، مما يجعل احتجازه يدخل في نطاق الاختفاء القسري المحظور دولياً. وتشير المعطيات إلى تنسيق أمني خفي بين دمشق وأبو ظبي، بدليل أنه مُنع من السفر في مطار دمشق قبل أسابيع من اعتقاله.

وقد تحركت هيئات حقوقية دولية وأممية مطالبةً السلطات السورية بوقف تسليمه والكشف عن مصيره ، فيما حذّرت منظمة الكرامة الحقوقية من أن إقدام دمشق على تسليمه سيُقوّض مزاعمها عن سعيها لبناء دولة قانون، ويبعث برسائل بالغة السلبية حول احترامها لحقوق الإنسان.

ذاكرة الضحية لا تنسى

لا ينبغي أن ننسى أن بعض السوريون أنفسهم كانوا ضحايا لهذه الممارسات. فالمهندس الكندي السوري ماهر عرار اعتُقل عام 2002 في مطار نيويورك ونُقل سراً إلى سوريا حيث سُجن وعُذّب لمدة عام كامل، قبل أن تبرّئه لجنة تحقيق كندية وتقدّم له الحكومة اعتذاراً رسمياً.

وكذلك المعارض الإيراني رسول مزرعة الذي رحّلته سوريا في عهد النظام السابق عام 2006 بموجب النشرة الحمراء، رغم اعتراف الأمم المتحدة بحقه في اللجوء، فاعتُقل وتعرّض للتعذيب حتى الشلل. هذه الذاكرة المؤلمة يجب أن تكون البوصلة الأخلاقية لسوريا الجديدة، ولا أن تُكرّرها.

الشروط الثلاثة لعدالة لا تُعيد إنتاج الظلم

تقف الحكومة الانتقالية أمام فرصة تاريخية لبناء نظام عدالة يختلف جذرياً عن ممارسات النظام السابق، لكن تحقيق ذلك يتطلب ثلاثة شروط أساسية:

أولاً: أن تكون الملاحقة القضائية مبنية على أدلة جنائية حقيقية لا على انتماءات سياسية أو طائفية، وأن تشمل كل من ارتكب انتهاكات بصرف النظر عن هويته.

ثانياً: أن تلتزم سوريا التزاماً صارماً بمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في المادة الثالثة من اتفاقية مناهضة التعذيب، فلا تُسلّم أي شخص إلى دولة يواجه فيها خطر التعذيب أو المحاكمة غير العادلة، حتى لو كان متهماً بأشد الجرائم.

ثالثاً: أن تحرص دمشق على عدم تحويل أدوات الإنتربول والنشرات الحمراء إلى أداة قمع عابرة للحدود تحت ضغط دول أخرى. إن المصداقية الدولية التي تسعى إليها سوريا الجديدة تُبنى على احترام سيادة القانون، لا على تبادل المعارضين مع الأنظمة الاستبدادية.

الاختبار الحقيقي

ملاحقة مجرمي الحرب واجب أخلاقي وقانوني لا جدال فيه. لكن الفارق بين دولة العدالة ودولة الانتقام يكمن في الإجراءات والضمانات. قضية جاسم الشامسي ليست قضية إماراتية خليجية بعيدة؛ إنها تجري الآن في دمشق، وتشكّل اختباراً عملياً حقيقياً لما إذا كانت سوريا الجديدة ستختار طريق دولة القانون أم ستنزلق إلى أساليب سلفها في تسليم أصحاب الرأي وإسكات الأصوات المعارضة تحت ذريعة التعاون الأمني.

العودة إلى الأعلى

سياسي وباحث وكاتب وأكاديمي سوري

رأي

ياسر الظاهر

عودة الثقافة السورية

لعقود طويلة عاشت الثقافة السورية في ظل الدولة الأمنية. واليوم، مع سقوط النظام، بدأ الكتّاب والفنانون يستعيدون الفضاء العام ويعيدون التفكير في معنى الثقافة نفسها.

13. آذار 2026

أحمد عمر

مضغ علكة البعث

قد تكون سوريا قد دخلت «عهداً جديداً»، لكن من يُصغِِ جيداً سيجد أن اللغة تبدو مألوفة على نحو مريب. فمن الكليشيهات البعثية إلى بقايا البيروقراطية القديمة، ما تزال مفردات النظام السابق تتردد في خطاب العهد الجديد.

11. آذار 2026

هبة عز الدين

بين «النسوي» و«النسائي»: الباب ما زال مغلقاً

لسنواتٍ طويلة، ناقشت السوريات ما إذا كان الخطاب النسوي أو اللغة الأكثر محافظة حول «قضايا المرأة» هو الطريق الأفضل للوصول إلى المشاركة السياسية. لكن بعد نتائج انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، باتت حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: بغضّ النظر عن اللغة التي يستخدمنها، ما زالت النساء مُستبعَدات من مراكز السلطة.

10. آذار 2026

منير الفقير

كيف تسعى الحكومة إلى امتصاص الغضب الشعبي

مع تفاقم الصعوبات الاقتصادية وتصاعد الإحباط الشعبي، تطرح القيادة السورية فكرة الانتقال إلى نظام شبه رئاسي. لكن هل يمثل ذلك إصلاحاً حقيقياً، أم مجرد وسيلة لإعادة توزيع المسؤولية مع الإبقاء على تركّز السلطة؟

08. آذار 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية