كيف يمكن بناء الثقة بين دمشق والكرد الآن؟

28. آذار 2026

قد تكون دمشق بصدد إغلاق الفصل العسكري من الحرب السورية، لكن من دون معالجة قضايا المعتقلين والنزوح والحقوق السياسية للكرد، تبقى المهمة الأصعب هي كسب ثقة الكرد.

من البديهي ألا يكون الأمر هيّناً عند الحديث عن عملية بناء الثقة بين الحكومات والشعوب، وهو أهم من أن يقتصر على خطابات رنّانة وتصريحات لا أثر حقيقي لها على أرض الواقع. فالكلمات التي تظهر عادةً في الخطابات الرسمية عن الوحدة الوطنية والمستقبل المشترك لا تكفي في بلد خرج من حرب طويلة ومليئة بالانقسامات. ومن هذه الزاوية تحديداً تبدو العلاقة بين الحكومة السورية الجديدة والكرد في سوريا أمام اختبار حقيقي مع بدء تنفيذ الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية.

ليست هناك مؤشرات على فشل الاتفاق الذي يجري العمل على تنفيذه اليوم، بل وتبدو خطواته متسارعة بإصرار واضح للعيان حول جدية الرغبة لدى الطرفين لتنفيذ بنوده، وخاصة في شقه العسكري المتعلق بدمج قوات «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية. تصرّح الحكومة أن الدمج خطوة نحو إعادة توحيد مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة التعدد العسكري التي نشأت خلال سنوات الحرب، وبسط السيطرة والحكم على كل الجغرافية السورية. أما بالنسبة للكرد، فهو اختبار للنوايا قبل أن يكون مجرد ترتيب عسكري، خاصة أنهم عاشوا تجربة من الحكم الذاتي طيلة سنوات الحرب وهو مطلبهم التاريخي في إدارة مناطقهم وشؤونهم.

إطلاق سراح الأسرى والعودة

لكن الطريق إلى الثقة لا يبدو سهلاً ، إن قلنا إنه ممكن أصلاً، فالعقدة الأولى التي تطرح نفسها بقوة هي ملف الأسرى. فبحسب تصريحات رسمية صادرة عن قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، ما يزال أكثر من 1070 أسيراً من مقاتلي «قسد» محتجزين لدى الحكومة السورية، وجلّهم من الكرد، يتظاهر أهاليهم يومياً لمعرفة مصيرهم. ويثير استمرار هذا الملف من دون حل تساؤلات واضحة: كيف يمكن الحديث عن دمج قوات في الجيش بينما لا يزال مقاتلون من تلك القوات في السجون؟ وأليس الدمج يشملهم وهم مقاتلون في القوات العسكرية التي باتت جزءً من الجيش السوري. ليس الإفراج عن هؤلاء مجرد إجراء قانوني لكثيرين في المجتمع الكردي، بل إشارة سياسية تقول إن مرحلة الصراع قد انتهت بالفعل.

العقدة الثانية تتعلق بعشرات آلاف المهجّرين من مدينتي رأس العين وتل أبيض. فما زالت الغالبية الساحقة من السكان الكرد الذين غادروا هاتين المنطقتين خلال السنوات الماضية بعيدون عن بيوتهم المستولى عليها، بالإضافة لأراضٍ زراعية وعقارات لم تعاد لأصحابها الأصليين القابعين في المخيمات. ورغم أن الحكومة السورية تتحدث عن عودة جميع المهجرين كجزء من عملية عودة الاستقرار، إلا أن الواقع لا يعكس ذلك الحديث. هذا الأمر يترك لدى كثير من الكرد شعوراً بأن الدولة الجديدة ما زالت عاجزة عن تغيير الوقائع التي نشأت خلال سنوات الحرب.

النفوذ التركي

وهنا يبرز عامل ثالث لا يقل حساسية عن سابقيه، وهو النفوذ التركي في الملف السوري. ففي نظر قطاعات واسعة من الكرد، تبدو بعض قرارات دمشق المتعلقة بالمناطق الكردية مرتبطة بحسابات إقليمية تتجاوز الداخل السوري، كموضع مدينتي رأس العين وتل أبيض. فهي مدن محتلة من تركيا، وهي صاحبة القرار فيها وتبعيتها الإدارية لا تزال تركية، ولا قدرة للحكومة السورية على فعل شيء. وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الكردي بسيطاً: هل تستطيع الدولة السورية اتخاذ قرارات مستقلة في قضية تخص مواطنيها؟ وهل ستقبل تركيا باللامركزية إن وافقت عليها الحكومة السورية؟ وهل ستصر عليها الحكومة السورية في حالة الرفض التركي؟ 

إلى جانب ذلك، ما يزال ملف عفرين واحداً من أكثر القضايا حساسية في الكرد. فآلاف العائلات فقدت منازلها وأراضيها هناك ولم تتلق حتى الآن إشارات واضحة بشأن إمكانية استعادة ممتلكاتها. ومع أن الاتفاقات السياسية تتحدث عن عودة جميع السكان، فإن الوقائع اليومية لا توحي بوجود مسار واضح لمعالجة هذا الملف المعقد، رغم أن الدفعة الأولى من المهجرين عادت، ولكن، أين وكيف سيتم إعادة الأملاك وطرد الميليشيات والفصائل؟

المنطق الأمني

ولا يختلف الوضع كثيراً في حيَي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، حيث يشعر كثير من السكان بأن العلاقة مع مؤسسات الدولة ما زالت محكومة بمنطق أمني أكثر مما هي قائمة على منطق الشراكة السياسية، أو حتى المجتمعية والإدارية. وهذا بدوره يعمق الشكوك لدى شريحة واسعة من الكرد الذين كانوا يأملون أن يشكل الاتفاق مع «قسد» بداية مرحلة مختلفة.

ثم يأتي المرسوم رقم 13 ليضيف طبقة جديدة من الخلاف. فالحكومة السورية تعتبره خطوة مهمة في تنظيم العلاقة الإدارية والثقافية مع المناطق الكردية، بينما يرى كثير من الكرد أنه لا يتجاوز حدود المعالجة الشكلية، ولا يقترب من جوهر المطالب السياسية المرتبطة باللامركزية ومستقبل الإدارة المحلية وحتى الآثار التي خلفها النظام البائد في المنطقة الكردية.

في النهاية، لا تبدو هذه الملفات مستحيلة الحل. لكنها تتطلب إرادة سياسية واضحة من دمشق لإثبات أن الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية ليس مجرد ترتيب عسكري مؤقت، بل بداية علاقة جديدة مع المجتمع الكردي في سوريا.

العودة إلى الأعلى

ناشط سياسي وحقوقي كردي سوري

رأي

أحمد عمر

هل يدخل الجيش السوري لبنان قبل القامشلي والسويداء؟

هل تستعدّ سوريا للدخول إلى لبنان قبل أن تُعيد لملمة نفسها في الداخل؟ بينما تلوّح واشنطن بفكرة إسناد المهمة المستحيلة المتمثلة في نزع سلاح حزب الله إلى أطراف أخرى، توازن دمشق مخاطر الانخراط في مواجهة إقليمية جديدة.

25. آذار 2026

هبة عز الدين

نوروز والأم: حكاية رمزين في سوريا

في 21 آذار، تحتفل سوريا بعيد النوروز وعيد الأم. كان الأول من المحظورات في ظل النظام السابق، فيما حظي الثاني باحتفاء رسمي واسع. وفي دلالة على تغيّر الزمن، انقلبت المعادلة اليوم. 

21. آذار 2026

كنان النحاس

بين لعنة حمص ولعنة الأقصى: قدر نافذ وحذر واجب

جراح حمص لم تندمل بعد، ومع ذلك يبرز إغراء تصفية الحسابات في لبنان؛ غير أن الانخراط في هذا المسار قد يفتح على سوريا أبواب صراع إقليمي أوسع، في لحظة تحتاج فيها إلى التعافي لا المغامرة.

19. آذار 2026

منى عبود

مطابخنا التي حملت الثورة

لسنوات طويلة، خرجت النساء السوريات من مطابخهن بحثاً في السجون ومطالبةً بمعرفة مصير مفقوديهم. واليوم، بعد سقوط النظام، يُطلب من كثيرات منهن العودة إلى المطبخ. لماذا؟

18. آذار 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية