بين لعنة حمص ولعنة الأقصى: قدر نافذ وحذر واجب

19. آذار 2026

جراح حمص لم تندمل بعد، ومع ذلك يبرز إغراء تصفية الحسابات في لبنان؛ غير أن الانخراط في هذا المسار قد يفتح على سوريا أبواب صراع إقليمي أوسع، في لحظة تحتاج فيها إلى التعافي لا المغامرة.

اشتدت المعارك بيننا ثوار حمص المحاصرة وبين قوات حزب الله اللبناني أواخر عام ٢٠١٣، وذلك بعد أن تمكنت تلك الميليشيات من احتلال بلدة القصير وما حولها، وفُرّغت ريف حمص الجنوبي الغربي من أهله السنة. اشتدت معارك ضارية في حي القصور بيننا نحن المُحاصرون من جهة، وبين قوات نظام الأسد وفي طليعتها قوات النخبة من الحزب، وكانت الملحمة الكبرى في كتلة سكنية سُميت بكتلة النحاس، وهناك قضى ثوارنا على العشرات من مقاتلي قوة الرضوان الطائفية، كما ارتقى العشرات من أبطال حمص العدية، ولم يتمكن الحزب والجيش من التقدم رغم طول المعركة وضراوتها.

لم يكن عام ٢٠١٣ أول اعتداءات الحزب، لكنه ربما كان الأشرس والأصعب علينا، وسيتلوه مشاركة أكثر من سبعين ألف مقاتل شيعي تابع للميليشيات العابرة للحدود والخاضعة لسيطرة الحرس الثوري الإيراني وقيادات الحزب في عموم سوريا.

اكتمل في معارك الحصار حفر ذاكرة الظلم والعبث الطائفي الشيعي، وكان النقش الأصعب مجزرة بساتين الحصوية على أطراف حمص في بداية عام ٢٠١٣، حيث قُتل أكثر من مئة مدني (نساء وأطفال ورجال) بالسلاح الأبيض، وحرقت جثثهم في كثير من الأحيان، وكانت اليد الطائفية تحز الرؤوس في دفاع وهمي عن آل البيت الذين يهيم بمحبتهم أهل حمص.

ويكفي لاختصار الحكاية وإدراك حجم الغدر أن نقارن بين موقف السوريين من الحزب وحاضنته الشيعية في عام ٢٠٠٦، وموقف الحزب ومواليه من الثورة السورية عموماً، ومن أبناء حمص خصوصاً. فتح السوريون بيوتهم لجيرانهم المهجّرين، فيما صوّب مقاتلو الحزب نيراهم نحو صدور السوريين، وكان من أوائل هؤلاء المجرمين القناصين الذين أرسلوا للسيطرة على الطرقات وقتل المتظاهرين في حمص وغيرها من المدن الثائرة. 

وبعد سنوات طويلة، وفي يوم التحرير تحديداً، فرّت قوات الحزب من حمص وما حولها، تاركة خلفها ذكريات مؤلمة عصيّة على النسيان.

بهذا الشكل تكتمل فصول الرواية الرسمية والباردة للصراع بيننا؛ استقبالٌ وترحيب من السوريين، يُقابَل بعد سنوات بقتل ودعم للاستبداد، وينتهي -نظرياً- بتحرير يبتعد عن الثأر الطائفي. أما الحقيقة فإن ندوب الجراح غائرة جداً في جسد وروح السوريين، وعدالة الله أبقتنا لنشاهد مصرع قيادات الحزب وتهجير مناصريه ودمار مساكنهم، خطوة بخطوة وجريمة بجريمة لكل ما قاموا به ضد جيرانه السوريين، مع أن الدمار شمل، للأسف الشديد، الكثير من الأبرياء الآمنين.

تاريخٌ لا يكتب المستقبل

تتوالى تسريبات عن إمكانية دخول الجيش العربي السوري للبنان، ويُساق في الترويج لذلك شعار محاسبة الحزب على جرائمه، وضرورة إزالة تهديده للدولة السورية، وقد يهمس البعض بأننا سنتحرك للدفاع عن السنة في لبنان!

رغم المقدمة أعلاه، علينا أن لا نبارك أي دخول لجيشنا إلى لبنان تحت ذريعة قتال الحزب، أو تحت عناوين أخلاقية كــ (القصاص من المجرمين) أو (دعم السنة في لبنان)، لأن العناوين قد تخالف المضامين، ولأن القرارات الصائبة في وقت ما تصبح كارثية في أوقات أخرى.

وبداية لا بد أن نستحضر الذاكرة اللبنانية التاريخية السلبية عن التدخل السوري في لبنان، ووظيفيّته حينها، وبُعده عن الشعارات القومية والإنسانية التي طُرحت لتبريره.

كان التدخل في الحقيقة «وظيفياً» لمصالح إقليمية ودولية، وكان من أهدافه إنهاء قوة الفلسطينيين وتهديدهم لإسرائيل، ولكنه كان أيضاً بوابة لتثبيت حكم حافظ أسد محلياً، وعنواناً لسطوة نظامه إقليمياً.

وثانياً؛ لا بد من تفكيك مقولة محاسبة مجرمي الثورة السورية، فنحن حتى الآن لم نحاكمهم محلياً فضلا عن محاكمة الميليشيات الخارجية أو دول الاحتلال، وهم الذين شاركوا جميعا بقتل وتهجير الشعب السوري، وبالتالي فلا يمكن أن ننطلق خارج حدودنا لمحاسبة من أجرم بحقنا فيما لم نبدأ بمحاسبة المجرمين داخل سوريا نفسها!

أما من حيث توقيت الدخول المفترض فهو يتزامن مع معركة إقليمية دولية لا تملك سوريا وهي في بداية محاولات التعافي والبناء أن تتورط فيها، خاصة مع حضور البعد الفلسطيني في القضية. فمنذ بدء المعركة والأقصى مغلق ومحاصر في أعظم شهر عند المسلمين، تحت عنوان «إجراءات أمنية مؤقتة»، فيما يميل الاعتقاد بأنه استمرار لنهج ديني متطرف لحكومة نتنياهو وشركائه المهووسين بالأوهام التوراتية. 

لأول مرة منذ احتلال القدس الشرقية يُمنع المصلين من الصلاة والاعتكاف فيه! ويترافق ذلك بحملات مسعورة لمنظمات متطرفة منضوية تحت «اتحاد منظمات الهيكل»، والتي ترى في الظروف الحالية الفرصة الأنسب لبناء هيكل سليمان وإنهاء القضية الفلسطينية، بزعمهم.

بهذا السياق فإن إضعاف حزب الله اللبناني اليوم قد يعتبر دعماً لجهود صهيونية ساعية لإنهاء القضية واستعمار المنطقة، وهو ما يبشر به الكثير من الصهاينة، ومنهم السفير الأمريكي في القدس «مايك هاكابي» الذي رحب بتوسع إسرائيل لتشمل بلاد الشام، والعراق، والسعودية، ومصر. 

قديما قال الفيلسوف الألماني نيتشة: «خير سلاح ضد عدو هو عدو آخر»، بل إن نتنياهو نفسه غرد قائلاً: «عندما يتقاتل عدوان، لا تُقوِّ أحدهما، بل أضعفهما معاً». وهذا ما ينبغي القيام به؛ فإنه ليس لنا -كما تقول العرب- ناقة ولا جمل في قطع يد عدو في لحظة يقوم فيها بضرب عدو آخر كان وما زال يقتل ويشرد الشعب الفلسطيني وعموم شعوب المنطقة، ولا ينبغي لنا والحال هكذا أن ننهي فرحة المستضعفين برؤية معارك الظالمين بين بعضهم البعض.

بين القدر والحذر

لم ينج الحزب من لعنة حمص وسوريا، فقتلت قياداته أو قُطّعت أوصالها، في عدالة ربانية مازلنا نشاهدها في كل من شارك في العدوان على شعبنا، وهذا هو (قدر الله النافذ). أما (الحذر الواجب) فهو أن يصيبنا ما أصاب الآخرين عندما ظلموا، فإننا لا نريد لأحد من شعبنا أن تصيبه دعوة مظلوم من أهلنا في فلسطين السعداء بخسائر الصهاينة، ولا أن تقزّم الثورة السورية العظيمة لتنتهي إلى دولة «وظيفية» جديدة، تعمل في مدار مصالح الدول الإقليمية والكبرى.

العودة إلى الأعلى

عضو مجلس الشعب عن مدينة حمص

رأي

منى عبود

مطابخنا التي حملت الثورة

لسنوات طويلة، خرجت النساء السوريات من مطابخهن بحثاً في السجون ومطالبةً بمعرفة مصير مفقوديهم. واليوم، بعد سقوط النظام، يُطلب من كثيرات منهن العودة إلى المطبخ. لماذا؟

18. آذار 2026

ألكساندر ماكيفر

ما مستقبل حزب الاتحاد الديمقراطي؟

بعد سنواتٍ حرص خلالها حزب الاتحاد الديمقراطي على تقديم سلطته في شمال شرق سوريا بوصفها تجربة حكم متعددة المكوّنات، عاد الحزب اليوم إلى خطابٍ سياسي كردي أكثر صراحة. ويضع هذا التحوّل الحزب في موقع جديد بين دمشق وقاعدته الاجتماعية الكردية، بما يحمله ذلك من تحديات سياسية لا يُستهان بها.

16. آذار 2026

محمد خير الوزير

تسليم، أم ترحيل، أم اختطاف؟

تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى ملاحقة جرائم حقبة الأسد عبر آليات القانون الدولي. لكن قضية معارض إماراتي محتجز في دمشق تطرح سؤالاً مقلقاً: هل يمكن أن تتحول أدوات العدالة إلى أدوات للقمع؟

15. آذار 2026

ياسر الظاهر

عودة الثقافة السورية

لعقود طويلة عاشت الثقافة السورية في ظل الدولة الأمنية. واليوم، مع سقوط النظام، بدأ الكتّاب والفنانون يستعيدون الفضاء العام ويعيدون التفكير في معنى الثقافة نفسها.

13. آذار 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية