النساء لسن أقلية

22. نيسان 2026

نصف المجتمع يُهمَّش بشكل منهجي، فيما تُعيد بنى السلطة إنتاج النساء كأقلية سياسية.

أن تجلسي بعد يومٍ منهك، طويل من تبرير وجودك في الشأن العام، تبرير قد لا يكون مطلوباً، لكنك أصبحتِ متهيئة للدفاع عنه طوال الوقت، ثم تفتحي التلفاز لتتابعي نقاشاً حول مجلس الشعب المرتقب، وتسمعي تكرار عبارات من قبيل: «لا خوف على النساء» و«سيتم تضمينهن في المجلس»، فمرحباً بكِ في سوريا. 

كيف تصنع الأقلية؟

هذه المنظومة الشفوية تشير إلى عملية أعمق يمكن وصفها بـتصنيع الأقلية، حيث تُدفع فئة كبيرة عددياً إلى موقع محدود التأثير من خلال منظومة متكاملة من الخطاب، والقوانين، والعلاقات الاجتماعية. يبدأ تصنيع الأقلية من لحظة تبدو في ظاهرها إيجابية: لحظة الطمأنة، تماماً كما كان يقول الضيوف في البرنامج التلفزيوني.

هذا المفهوم ليس جديداً في السياق السوري، فقد تكرّر بشكل مكثف خلال سنوات الثورة، حين طُلب من «الأكثرية» أن تقدّم تطمينات للأقليات الدينية، كشرط لبناء الثقة أو كمدخل لتخفيف المخاوف. في ذلك الوقت، بدا الخطاب مبرّراً في سياق سياسي معقّد، لكنه في الوقت نفسه رسّخ منطقاً معيّناً بأن من يملك القوة هو من يطمئن، ومن يُطمأن هو من يُنظر إليه كفئة مهدَّدة، تحتاج إلى ضمانات خاصة، وصولاً إلى أن من يحرر يطمئن.

وفي سياق شبيه، يُعاد إنتاج ذات المنطق في الحديث عن النساء، فحين تُطرح مشاركتهن عبر عبارات مثل «لا خوف على النساء»، يتم وضعهن ضمن نفس الإطار، أي فئة تحتاج إلى تطمين، لا فئة تملك حقاً أصيلاً. وبالتالي فإن الطمأنة هنا لا تعمل فقط كأداة خطابية، بل تُحد مشاركة النساء ضمن إطار الأقلية. وبهذا المعنى، لا تكون الطمأنة فعلاً بريئاً، حتى وإن كانت النية كذلك، فهي تنقل النساء من موقع الشراكة إلى موقع التلقي، ومن موقع الفاعل إلى موقع المُستهدَف بالحماية. 

ومع تكرار هذا الخطاب، يتحول هذا التصنيف إلى واقع مُسلَّم به، حيث يبدو من الطبيعي أن يتم الحديث عن النساء كفئة يجب «إدماجها» أو «حمايتها»، بدل الاعتراف بها كجزء أصيل من البنية السياسية والاجتماعية. 

إعادة تعريف الأقلية

وفي هذا الإطار، يتم التعامل مع النساء كفئة يُعاد وضعها في موقع أقلوي من حيث الوصول إلى السلطة، قد يحاجج أحدهم بأن النساء لسن أقلية فهن يشكلن تقريباً نصف التعداد السكاني في سوريا. لكن ما الذي يجعل جماعة ما أقلية؟ وهل الأقلية ترتبط بقلة العدد؟ هل هي مسألة إحصائية؟ أم علاقة اجتماعية وسياسية تنشأ حين تُعامل جماعة ما بشكل غير متساوٍ داخل المجتمع؟ ولعل حالة النساء في المجتمع السوري هي المثال الأكثر وضوحاً لتعريف الأقلية على أنها جماعة من الناس تتعرض للتمييز أو الاستبعاد أو القيود، وتجد نفسها في موقع أضعف مقارنة بالجماعة المهيمنة. لذلك قد تكون جماعة كبيرة عددياً، لكنها تُعامل كأقلية إذا كانت محرومة من النفوذ والحقوق. 

تسأل إحدى السيدات الحاضرات من الجمهور « إذا كانت النساء نصف المجتمع، لماذا تحتجن من يقرر كيف يشاركن؟» فيجيب شخص آخر ساخراً: أي مو صرعتونا بدكن كوتا؟ احترنا يا أقرع من وين نمشطك! وهنا يظهر الخلط، فالمطالبة بعدم التعامل مع النساء كأقلية تُقابل مباشرة بتذكيرهن بالكوتا. لكن الكوتا، في أصلها، لا تقوم على افتراض أن النساء أقلية، بل على الاعتراف بوجود خلل في الوصول إلى مواقع القرار. هي ليست تعويضاً عن نقص في النساء، بل عن عوائق في البنية. المشكلة ليست في وجود الكوتا، بل في استخدامها أحياناً كبديل عن إصلاح أعمق، أو كزينة سياسية تسمح للنظام القائم بأن يبدو أكثر شمولاً من دون أن يغيّر قواعده فعلياً.

ما الذي يغيّر الواقع؟

الجيد بالأمر بأن الموقع الأقلوي ليس قدراً ثابتاً، ولا هوية أبدية، فالحالة الأقلوية تُنتَج سياسياً واجتماعياً، ولذلك يمكن تفكيكها سياسياً واجتماعياً أيضاً حين تتغير موازين القوة، وتاريخ المجتمعات مليء بأمثلة لفئات كانت مهمشة ثم تحولت إلى شريك كامل في المجال العام. ولعل أول شروط التغيير هو القانون العادل، فحين تبقى القوانين صامتة تجاه التمييز، أو تسمح به، فإنها لا تكون محايدة بل شريكة في إعادة إنتاجه. 

ثانياً، التمثيل السياسي الحقيقي والمقصود هنا ليس مجرد حضور شكلي لعدد من النساء في الصور الرسمية أو القوائم المغلقة، بل مشاركة فعلية في صناعة القرار، وفي تحديد الأولويات، وفي التأثير على السياسات. 

أما الشرط الثالث فهو المساواة الاقتصادية، فمن الصعب الحديث عن مشاركة عامة متكافئة في ظل تبعية اقتصادية أو فرص عمل غير عادلة أو فجوات في الأجور أو هشاشة في الحماية الاجتماعية. ثم يأتي بعد ذلك كله، تغيير الثقافة العامة، وهو ربما المسار الأبطأ لكنه الأعمق أثراً، إذ لا يكفي تعديل القوانين إذا بقيت اللغة ذاتها، والنكات ذاتها، والصور النمطية ذاتها، والتوقعات الاجتماعية ذاتها. وهنا لا يمكن أن نغفل دور التنظيم الجماعي، فالتغيير نادراً ما يأتي من حسن نية السلطة وحدها، بل من قدرة الفئات المتضررة على التنظيم، وبناء الصوت المشترك، وصياغة المطالب، وفرض حضورها في المجال العام.

لهذا، فإن الخروج من الموقع الأقلوي لا يتحقق بعبارات من نوع «لا خوف على النساء»، ولا بطمأنة موسمية تتكرر كلما اقترب استحقاق سياسي. ما يغيّر الواقع هو الانتقال من منطق الحماية إلى منطق الحقوق، ومن منطق الإدماج المشروط إلى منطق المواطنة الكاملة. النساء في سوريا لا يحتجن إلى من يطمئنهن على مكانهن، بل إلى دولة ومجتمع يعترفان بأن هذا المكان حق أصيل لا منّة فيه. وعندها فقط، يتوقف الحديث عن «تضمين النساء»، لأنه من العار أن تقدم الضمانات من نصف المجتمع إلى نصفه الآخر.

العودة إلى الأعلى

مدافعة عن حقوق الإنسان وكاتبة في مجال قضايا النساء

رأي

حسام الدين محمد

سوريا باعتبارها مسلسلاً تركياً

من الملاحم العثمانية إلى دراما التهريب: حكايات تعكس السياسة لكنها تعجز عن طيّ صفحة الماضي

19. نيسان 2026

محمد خير الوزير

هل السوريون اليوم أحرار؟

قد يكون سقوط نظام الأسد قد أنهى حقبة، لكنه لم يُنهِ جذور الخوف والطاعة والإقصاء التي غذّت الاستبداد. الحرية الحقيقية في سوريا لن تتحقق باستبدال أنظمة، بل بتفكيك البنى الثقافية والمؤسسية العميقة التي أنتجت القمع لعقود.

11. نيسان 2026

ياسر الظاهر

لا بدّ من الحديث عن الفساد

كان من المفترض أن يؤدي سقوط الأسد إلى إنهاء الفساد، إلا أن الشبكات والممارسات ذاتها لا تزال متجذّرة في الدولة، مما يقوّض جهود الإصلاح ويُضعف ثقة المواطنين.

09. نيسان 2026

منى عبود

شراء قميص في سوريا درس في الحساب الذهني

ما كان يُفترض أن تكون رحلة سريعة لشراء قميص لطفلة، تتحوّل إلى تجربة محبطة من فوضى العملات. هذه هي الحياة اليومية في سوريا، حيث كل شيء أصبح أكثر تعقيداً مما ينبغي.

06. نيسان 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية