سوريا نحو دور لا غنى عنه.. فهل يجني شعبها ثماره؟
5. تشرين الأول 2026
تعيد الحرب واضطرابات المنطقة إبراز أهمية سوريا كبوابة إلى البحر المتوسط، لكن أنابيب النفط وطرق التجارة وحدها لن تنتشل السوريين من الفقر.
تلخّص صورة الرئيس السوري، في الاجتماع الأخير الذي عقد في نيويورك افتراقاً بين حقبتين. تزعّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اللقاء، وحضره ملك الأردن، وأمير قطر، ورئيس تركيا، ورئيسا حكومتي مصر والعراق.
كانت سوريا، حتى السنة قبل الماضية، حاضرة في الاجتماعات الدولية باعتبارها ملف أزمة مفتوحة: حرب أهلية، دمار هائل، وملايين اللاجئين والنازحين داخلياً، تنظيم «الدولة الإسلامية»، عقوبات خانقة. أرض منتهكة تصطرع عليها جيوش عديدة فيما النظام منهمك بتحويلها إلى مصنع كبير لمخدرات الكبتاغون.
بدا أحمد الشرع، في الاجتماع الأخير متبسّطاً منشرحاً وكأنه «يجلس بين أهله»، وعكس مزاجه الشخصي وضعاً يصعب تجاهله: سوريا، التي كانت موضوعة لأكثر من عقد على طاولة التشريح، صارت بين «مجمع أطباء» لبحث أعراض وأمراض المنطقة.
مع اندلاع الحرب الأمريكية-الإيرانية، واضطراب الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، أخذت واحدة من أقدم حقائق الجغرافيا السورية تستعيد عافيتها، وهي أن سوريا ممر بري قصير يصل العراق والخليج بالبحر المتوسط، لكن الاجتماع لم يكن اقتصادياً فحسب، بل كان سياسياً بامتياز.
أصبح مشروع خط النفط من البصرة إلى بانياس، الذي ظل لسنوات حبيس الخرائط القديمة، مشروعاً تناقشه شركات ودول كبرى. تبحث شركة «توتال إنرجيز» الفرنسية الانضمام إلى المجموعة التي تدرس إنشاء خط يربط حقول جنوب العراق بالساحل السوري بكلفة تقدّر بنحو 15 مليار دولار. السبب المباشر لهذا الاهتمام هو البحث عن طرق تصدير لا تعتمد على مضيق هرمز. ما زال المشروع في مرحلة الدراسات ويحتاج سنوات قبل أن يصبح واقعاً، لكن عودته إلى نقاش بهذا الحجم تكشف تغيّراً أوسع.
يحتاج العراق منافذ أخرى على البحر، وتحتاج تركيا طرقاً جنوبياً نحو الأسواق العربية، وتحتاج دول الخليج إلى تقليل اعتمادها على المضائق المهددة، وتبحث أوروبا باستمرار عن تنويع طرق الطاقة والتجارة، وتقع الموانئ السورية عند نهاية طبيعية لعدد من هذه الخطوط. تظهر هذه الصورة إذاً تحولاً لسوريا من جغرافيا يختلف الآخرون على من يسيطر عليها إلى جغرافيا يصبح استقرارها مصلحة مشتركة للعالم، وهو أمر بالغ التأثير على «فكرة سوريا» من خلال إعادة تعريف مستقبلها ومتطلباته.
سفينة صغيرة على نهر موزيل!
يذكّر اجتماع 22 أيلول/ سبتمبر الذي حضره الشرع بحادثة تاريخية: في صباح العاشر من أيار/ مايو 1940، عبرت قوات ألمانيا النازية حدود لوكسمبورغ. لم ينفع إعلان دوقية أصغر دولة أوروبية الحياد، ولم تحمها الحدود التي تفصلها عن جيرانها الكبار. لم يكتف المحتلّون بالسيطرة على البلد بل قاموا بدمجه في الرايخ الألماني، وفرضوا اللغة الألمانية على سكانه، وجنّدوا الآلاف منهم في الجيش.
بعد خمسة وأربعين عاماً، وفي المكان نفسه تقريباً، جرى مشهد معاكس تماماً. في 14 حزيران/ يونيو 1985، رست سفينة صغيرة على نهر موزيل أمام قرية اسمها شنغن، في نقطة التقاء حدود لوكسمبورغ مع فرنسا وألمانيا. صعد إليها ممثلو خمس دول أوروبية، ووقعوا الاتفاق الذي بدأ إلغاء الرقابة على الحدود الداخلية الأوروبية الذي تطوّر لاحقاً إلى معاهدة ماستريخت التي أنشأت «الاتحاد الأوروبي». وهكذا، في المكان الذي كشفت الحرب عجز حدوده عن منع اختراق الجيوش له، أصبح رمزاً لمشروع يقوم على جعل عبور البشر والبضائع بلا حواجز ممكناً.
يمكن لهذه المفارقة الهائلة، رغم الاختلاف الجسيم في التاريخ والحجم والظروف، أن تساعدنا في قراءة المشهد الذي ظهر في نيويورك. ما زال احتمال نكوص قيمة سوريا إلى قابلية استخدامها ساحة للصراع، لكن احتمال انقلابها إلى القيمة المعاكسة التي يجسّدها مثال شنغن، محتملة أيضاً، وهي قيمة تمكّن عدة أطراف من توظيف مصالحها للعمل على استقرار البلاد. جسّدت شنغن هذه الفكرة ضمن ظروف المصالح الأوروبية حيث لم يعد أمن الدولة الصغيرة قائماً على حماية الحدود بل على تغيير معناها.
ثروات تعبر بلداً فقيراً
تنتهي المقارنة هنا لأن عدة عوامل تتجاذب سوريا حالياً، وهو ما يضع البلاد أمام امتحان صعب: تستطيع الأنابيب والقطارات والطرق تغيير قيمة الأرض لكنها لا تغيّر الدولة تلقائياً.
يقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، فيما يضع البنك الدولي نحو ثلثي السكان تحت خط الفقر الخاص بالدول ذات الدخل المتوسط الأدنى. اختلاف السياسات لا يغيّر الحقيقة الأساسية: الحديث عن مليارات الدولارات التي قد تعبر الأراضي السوري يجري فيما يعيش معظم المواطنين أزمات معيشية خانقة.
هنا يتحوّل السؤال الجغرافي – الاقتصادي إلى سياسي، فليس المهم كم برميل نفط يمكن أن يصل من البصرة إلى بانياس، بل ماذا سيترك ذلك الطريق وراءه: هل يخلق صناعة سوريا؟ هل يعيد تشغيل الموانئ والسكك والطرق؟ هل يولّد وظائف ومهارات وشركات محلية؟ هل تتحول رسوم العبور والاستثمار إلى كهرباء ومدارس وبنية تحتية؟ أم تستمر سوريا في كونها بلداً فقيراً تمر فوق أرضه ثروات الآخرين؟
يحتاج اكتمال تحوّل الدور الجغرافي، في هذا السياق الكبير، تحوّلاً سياسياً ومؤسسياً موازياً. الممر الاقتصادي يحتاج الى قوانين وقضاء يمكن توقع أحكامه، وإلى قواعد واضحة للاستثمار، وإلى إدارة عامة قادرة، ونظم مالية شفافة، ومؤسسات لا تتغير قواعد عملها بتغيّر موازين القوى.
قد تكون سوريا أمام فرصة نادرة، صنعتها، للمفارقة، أزمات الآخرين. يعيد إغلاق الطرق البحرية اكتشاف طرق البرّ، وصراع المضائق يعيد كشف قيمة الساحل السوري، والفوضى التي جعلت سوريا مشكلة إقليمية قد تدفع المنطقة نفسها إلى البحث عن سوريا مستقرة لأنها تحتاج إلى المرور عبرها، لكن بين امتلاك الموقع والاستفادة منه مسافة كبيرة.