سوريا تحتاج إلى معارضة موالية للدولة.. لا أوصياء على الثورة
3. آب 2026
يتشكّل في سوريا اليوم خطر سياسي لا يقل أهمية عن تحديات الأمن وإعادة الإعمار. يتمثل هذا الخطر في نشوء ذهنية ترى نفسها الحارس الوحيد للثورة، والمرجع الحصري في تفسير أهدافها وتحديد مسارها.
تمر سوريا بمرحلة انتقالية تُعدّ من أكثر المراحل حساسية في تاريخها الحديث. فإلى جانب ملفات الأمن، وإعادة الإعمار، والعدالة الانتقالية، وإصلاح مؤسسات الدولة، يبرز تحدٍّ آخر لا يقل خطورة، وهو الاعتقاد بأن من قادوا عملية التحرير وحدهم يمتلكون حق رسم مستقبل البلاد.
أُسمي هذه الظاهرة «الوصاية على الحق».
وهي قناعة –قد تصدر عن حسن نية– بأن شخصاً أو جماعة أو تياراً بعينه يملك الشرعية الأخلاقية الحصرية لتعريف المشروع الوطني وتحديد اتجاهه، بحيث يصبح كل اعتراض على خياراته تشكيكاً في الثورة نفسها، أو خروجاً على المصلحة الوطنية، أو دليلاً على سوء النية.
ليست هذه الظاهرة حكراً على سوريا. فالتاريخ السياسي مليء بحركات تحرّر بدأت مشروعاً جماعياً، ثم انتهت إلى التعامل معه كملكية خاصة لمن قاده أو ضحى في سبيله.
وتزداد خطورة هذا الميل في المراحل الانتقالية لأنه نادراً ما يقدّم نفسه كاستبداد، فأصحابه لا يرون أنهم يضيّقون المجال العام، بل يعتقدون أنهم يحمون الثورة من الانحراف. وهذه القناعة الأخلاقية هي تحديداً ما يجعل الظاهرة عصية على المواجهة.
فالوصاية لا تولد دفعة واحدة، وإنما تتشكّل عبر سلسلة من القرارات الصغيرة: تضييق دوائر المشورة، والنظر إلى النقد كتعبير عن عدم الولاء، وصولاً إلى بيئة يصبح فيها الاعتراض على السلطة مخاطرة سياسية.
إنجازات لا يجوز إنكارها... ومخاوف لا يجوز تجاهلها
لن يكون من الإنصاف إنكار ما حققته السلطة الانتقالية خلال فترة وجيزة. فقد نجحت في إعادة قدر كبير من الاستقرار الأمني إلى مناطق واسعة، وشكلت حكومة تضم قدراً من التنوع الديني والمناطقي، وفتحت ملفات العدالة الانتقالية والمفقودين، كما انتهجت سياسة خارجية أكثر انفتاحاً أسهمت في تخفيف عزلة سوريا الدولية. وهذه إنجازات لا يستهان بها في بلد خرج لتوه من عقود من الاستبداد وسنوات من الحرب.
لكن الاعتراف بهذه الإنجازات لا ينبغي أن يتحوّل إلى مبرر للصمت إزاء مؤشرات تستحق التوقف عندها.
فما يلفت الانتباه هو تضاؤل المسافة بين الجماعة الحاكمة ومؤسسات الدولة، واستمرار محدودية الحوار السياسي، وتأخر إشراك القوى المدنية والسياسية بصورة فعلية في رسم المرحلة الانتقالية. وفي أحيان كثيرة يُقدَّم النقد، بصورة مباشرة أو ضمنية، وكأنه محاولة للنيل من مشروع التحرير من نظام الأسد.
ويُختزل ذلك أحياناً في منطق غير مُعلَن مفاده: نحن من حرّر البلاد، ولذلك لا ينبغي التشكيك في خياراتنا.
وهنا تحديداً تبدأ الوصاية.
الحاجة إلى معارضة موالية للدولة
ما يطالب به معظم السوريين اليوم هو الشراكة، لا الهيمنة. والشراكة لا تعني الاتفاق الكامل، وإنما الاعتراف بأن مختلف القوى السياسية شريكة في تقرير مستقبل البلاد.
وربما يكون التحدي الفكري الأهم أمام السلطة الجديدة هو استيعاب مفهوم بديهي في الديمقراطيات المستقرة، لكنه لا يزال غائباً عن كثير من التجارب الانتقالية، وهو مفهوم «المعارضة الموالية للدولة».
فلا يبدو أن السلطة تدرك بعد أنه من الممكن أن يكون المواطن –بل وحتى تيار سياسي كامل– مخلصاً للدولة، وفي الوقت نفسه ناقداً للحكومة القائمة. فالولاء لسوريا ليس ولاءً للحكومة، ولا للحكام الذين يتولون السلطة في مرحلة معينة. الحكومات تتغير، أما الدولة فتبقى. بل إنّ الدولة السليمة تقوم على مواطنين يدافعون عن مؤسساتها، وفي الوقت نفسه يخضعون أداء السلطة للمساءلة والنقد.
وإذا لم يصبح هذا التمييز جزءاً من الثقافة السياسية السورية، فستكرّر الإقصاء بصيغ مختلفة. فمن غير الواقعي أن نتوقّع في بلد خرج لتوه من حرب أهلية، وما زال يعاني انقسامات عميقة، أن تحظى أي حكومة بتأييد كامل وغير مشروط من غالبية المجتمع. والسعي إلى فرض هذا الإجماع المصطنع لن ينتج استقراراً، بل سيولّد احتقاناً سياسياً قد ينفجر مستقبلاً.
التمييز الذي يصنع الدولة
وفي المقابل، لا يقتصر الميل إلى الوصاية على من هم في السلطة.
فثمة أصوات داخل المعارضة تقع في الفخ ذاته، حين تحتكر هي الأخرى تفسير الثورة، وترفض أي قراءة مختلفة، وتتعامل مع الإقرار بإنجازات السلطة باعتباره نوعاً من المهادنة أو التواطؤ. فالوصاية ليست حكراً على طرف بعينه، بل هي إغراء قد يصيب الجميع، إذا غابت المراجعة والنقد الذاتي.
وما تحتاج إليه سوريا اليوم هو أن تميّز السلطة بوضوح بين النقد الذي يستهدف إضعاف الدولة، والنقد الذي يُراد منه تصويب مسارها. فالنضج السياسي لا يقاس بقدرة السلطة على إسكات معارضيها، بل بقدرتها على اعتبار النقد الصادق مورداً للإصلاح، لا تهديداً لشرعيتها.
وهذا التمييز هو الفاصل بين دولة تبني مؤسسات قابلة للاستمرار، ودولة تعيد إنتاج الوصاية السياسية بثوب جديد، وبأدوات مختلفة، لكنها لا تختلف كثيراً في جوهرها عن النموذج البعثي الذي ثار السوريون عليه.