جغرافيا سوريا هي قدرها

11. آب 2026

حاول آل الأسد عزل سوريا عن محيطها الطبيعي. وقد فشل ذلك المشروع. واليوم تسعى الحكومة الجديدة إلى إعادة وصل البلاد بالعالم العربي وما وراءه، لكن الأخطار الضاربة في عمق التاريخ ما تزال قائمة.

يضم موقع بنات أبو هريرة، غرب مدينة الرقة السورية، مجموعة من الأوابد الأثرية والجنائزية كما يحتوي على بقايا مسجد ومئذنة ومجموعة من المدافن. هناك اعتقاد أهليّ سائد أن الموقع تجسيد لمشهد جنائزي للصحابي الشهير. ولدت التسمية الحديثة نسبياً لهذا الموقع، حسب الكاتب السوري حمصي الحمادة، من ارتباطه بالتل المسمى أبو هريرة وهو اسم حديث نسبياً لموقع مهم لمدوّنات التاريخ يعود لأكثر من عشرة آلاف سنة قبل الميلاد. قامت الذاكرة الشعبية بجعل التل الأساسي هو الأم، وجعل التل الآخر بناته. من غرائب التاريخ أيضاً أن معركة صفين الشهيرة بين جيشي علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان جرت قرب هذا الموقع بين عامي 36-37 هجرية، وهو أمر لا علاقة له باسمه لأن الصحابي توفّي في المدينة المنورة ولم يشارك في المعركة.

الهلال الخصيب

يزيد الكتاب المرجعي، «بنادق، جراثيم وفولاذ»، للأكاديمي الأمريكي جاريد دايموند، طبقات المعنى والمحمولات الرمزية الفريدة للموقع المذكور، بإشارته إلى أن سكانه، في الفترة بين 10,000 و9,000 قبل الميلاد كانوا «خبراء نباتات» بالفطرة، وهو ما جعل سوريا سلة موارد فريدة لم تتوفر في مكان آخر– إضافة إلى أن كونها ضمن ما يسمى «الهلال الخصيب» الذي بدأت فيه الزراعة في العالم.

استخرج العلماء بقايا 157 نوعاً من النباتات المتنوعة التي جمعها سكان ذلك الموقع قبل أن تغمره مياه سد الفرات، وكان هذا المخزون المعرفي بالنباتات هو الذي مكّن أسلاف البشر الفريدين أولئك من الانتقال إلى طور أعلى من الحضارة، مع حصول تغيّرات مناخية مناسبة، من الصيد إلى الزراعة، ومن انتخاب أفضل الحبوب (القمح والشعير) سهلة التخزين، والقادرة على إنتاج سعرات حرارية عالية. .

أدى النمو السكاني في سوريا حينها إلى تطوّر بالغ الأهمية، ويتمثل في نشوء أولى أنظمة الدول في العالم، وكانت الزراعة، حسب لويس دارتنيل في كتابه «المعرفة: كيف نبني عالمنا بعد كارثة؟»، في قلب هذا التطور باعتبارها «المحرك الأساسي» لابتداء الحضارة الإنسانية، فمن دون الفائض الغذائي الذي وفرته حبوب الهلال الخصيب لم يكن المجتمع قادراً على توفير «مختصين» (حدادين، كيميائيين، أو سياسيين) لتشكيل وإدارة الدولة.

استفادت سوريا، حسب دايموند، من وقوعها ضمن محور أوراسيا (شرق – غرب) فالمناطق التي تقع على خط العرض نفسه تتشارك طول النهار والفصول والأمراض، وهو ما سمح للمحاصيل والابتكارات الزراعية السورية (كالقمح والزيتون) بالانتقال بسرعة الى اسبانيا غرباً واليابان شرقاً.

تفيد في مقارنة تأثيرات هذا الأمر ملاحظة أن انتقال حبوب الذرة بين قارتي أمريكا من الشمال الى الجنوب جعل المحاصيل مضطرة أن «تتعلم» التكيّف مع مناخات مختلفة تماماً، مما جعل انتشار الزراعة، والتكنولوجيا (من الكتابة إلى العجلة)، شديدة البطء مقارنة بالهلال الخصيب الذي كان أسرع بآلاف السنين من مناطق ومحاور قاريّة أخرى.

في شرح أهمية التراكم المعرفي يذكر دارتنبل اكتشاف «بطارية بغداد» التي تعود للعهد البارثي (نحو 200 ق. م)، وهي جرة فخارية تحتوي على قضيب حديد وأسطوانة نحاس تقوم بإنتاج تيار كهربائي بسيط، وهي تقنية بسيطة تعكس استقرار المجتمعات الزراعية في الهلال الخصيب. الاستقرار اللازم للوصول إلى ابتكارات تقنية متقدمة جداً في وقتها.

أدّت الكثافة السكانية الناتجة عن زراعة القمح، إلى نشوء مجتمع كبير لا يمكن حل النزاعات بين الغرباء فيه إلا بتحوّل كبار الملاك أو المحاربين إلى متسلطين وحكام دول. وتختلف الفرضيات هنا إن كان نشوء الأديان الأولى سبباً في ظهور النظم السياسية أم أنها ظهرت لشرعنة الحكام.

منطقة نزاع أزلي

تحوّلت هذه النعمة الجغرافية، مع تطوّر الدول والحضارة على أية حال، كما يوضح لنا تحليل فرنان بروديل، في كتابه «قواعد لغة الحضارة»، إلى نقمة، فكون سوريا «جسر متوسطي» جعلها موقعاً للتبادل والصراع بين القوى (الكبرى نسبياً) الناشئة، كما جعلها «المختبر» الذي ولدت فيه الأسلحة والجراثيم التي غيّرت وجه العالم.

يفسر اجتماع السلطة مع الدين، حسب دايموند، قوة الدولة الأموية كأول نموذج امبراطوري مركزي في سوريا، لكنّ هذه القوة ما كان لها إلا أن تستند إلى الإرث الجغرافي – الزراعي العميق للبلاد. لم تختر سوريا الحضارة بالصدفة، بل اختارها موقعها الجغرافي الذي تجمعت فيه أفضل النباتات، والذي سمح للمعلومات المعرفية ونظم نشوء الدول والأديان بالانتشار شرقاً وغرباً، كما خلق التحديات التي ساهمت في نشوء الثقافات المحلية، وهذا يفسّر لماذا ظلت دمشق وحلب مراكز قوة لا يمكن تجاوزها تاريخياً.

العزلة في مواجهة الانفتاح

يعيد سقوط «الدولة الأسدية» ونشوء الدولة الجديدة في دمشق المجال لطرح التساؤلات حول قضايا البدايات التاريخية، والموقع الجغرافي، ونشوء الدولة، ودور الدين، والأسباب التي أعطت سوريا أهميتها التاريخية والجغرافية، والتي يمكن البناء عليها، كما جعلتها أيضا موقعاً للصراعات الهائلة بين القوى الإقليمية والعالمية، وكما كانت مختبراً للزراعة ونشوء النظم والأبجدية، فقد كانت أيضاً مختبراً للأسلحة (وهو ما حضر عدة مرات عبر تباهي السلطات الروسية خلال معارك العقد الماضي).

في مقابل نظام حافظ وبشار، الذي جمع الانقطاع التاريخي والجغرافي عن محيطه إلى تغوّله الاستثنائي، يحاول الحكم الجديد قلب تلك القطيعة التاريخية والجغرافية مع العرب والقوى الإقليمية والغرب، إلى تواصل واستئناف واستعادة للسياسة.

هنا، قد يتبين لنا، أن المفارقة الأساسية التي تحكم هذا الانتقال، وهو أن منظومة قادمة من طبيعة عقدية إسلامية متشددة، قادت عصبية سنية لكسر عصبية علوية، لم تكن مفارقة فعلاً بل الحلّ الذي كان ممكناً، كجسر لقيادة تحوّل براغماتي سبق لدول عربية عديدة أن صنعته، ولكن حصول ذلك من دون مشاكل وتحديات كبرى  - كما يقول لنا تاريخ موقعي أبو هريرة وبناته – أمر ليس من طبيعة الجغرافيا ولا التاريخ السوريين!

العودة إلى الأعلى

كاتب سوري مقيم في لندن

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية