المرأة السورية: حضور رمزي وغياب فعلي

30. نوفمبر 2025

في لحظة سقوط النظام السابق وبداية مرحلة سياسية جديدة في سوريا، برز ملف مشاركة المرأة في الحياة السياسية كأحد أكثر الملفات حساسية. فبينما انشغل الخطاب العام بقضايا الأمن والاقتصاد وإعادة الإعمار، ظل سؤال يتأرجح في المنطقة الرمادية، بلا إجابة واضحة ولا رؤية استراتيجية جريئة: أين هي المرأة من مراكز القرار؟

قبل الثورة: تمثيل للتجميل لا للتأثير

رغم ادعاءات النظام السابق دعمه لمشاركة المرأة، كان ذلك مجرد واجهة شكلية، فوجود نساء في مجلس الشعب أو في مواقع حكومية لم يتجاوز وظيفة «الديكور» أمام المجتمع الدولي. كان القرار الحقيقي حكراً على المنظومة الأمنية –وهي ذكورية بامتياز– فيما بقيت المرأة محاصرة داخل أُطُر اجتماعية قائمة على قيم أبوية تمنحها دوراً تابعاً لا شريكاً. حتى الشخصيات التي برزت إعلامياً، مثل بثينة شعبان، لم تكن سوى «مكبرات صوت للسلطة»، لا صانعات قرار.

الثورة: دخول الساحات ثم الإقصاء

مع اندلاع الثورة، خرجت المرأة من الهامش إلى الواجهة. ظهرت في المظاهرات وفي الإعلام وفي العمل الإغاثي والحقوقي، وساهمت في توثيق الجرائم وقيادة التنسيقيات والمجالس المحلية. ولأول مرة، تشكّل فضاء عام مستقل خارج البنية الرسمية.

لكن مع عسكرة الصراع وصعود قوى متطرفة، تعرضت النساء لإقصاء مزدوج: من قبل تلك القوى ومن قبل البُنى المجتمعية التقليدية. تراجع حضورهن، وتحولت مشاركتهن من فعل قيادي إلى معركة بقاء.

في الخارج، فُرضت عبارة «نسبة المشاركة النسائية» على مؤسسات المعارضة. فصار للمرأة موقع نائب رئيس أو مسؤولة «ملف المرأة»، لكن دائماً وفق شروط الآخرين. فأصبح تمثيلاً سياسياً تأثيراً فعلياً. بل وتكشف تجارب سهير الأتاسي وربى حبوش وغيرهن حجم التشهير والضغط الذي تعرضت له كل من حاولت كسر السقف المفروض.

ظهرت فكرة المجلس الاستشاري النسائي لدعم جهود المبعوث الأممي وتسليط الضوء على قضايا المرأة. ورغم أنه لم يتجاوز الدور الاستشاري، إلا أنه شكّل مساحة آمنة نسبياً لإيصال صوت النساء إلى غرف التفاوض، وإن كان في المحصلة لم يحصل هناك تفاوض حقيقي. 

بعد سقوط النظام: أمل كبير، خيبة أكبر

مع تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، بدا أن الطريق مفتوح أمام مشاركة نسائية فاعلة. لكن مع ذلك، ضمت الحكومة سيدة واحدة فقط: هند قبوات، التي حملت ثنائية التمثيل – امرأة ونائبة عن أقلية دينية. خطوة بدت وكأنها «ضربة سياسية محسوبة» أكثر منها تعبيراً عن قناعة بالمشاركة.

ورغم ذلك، حاولت قبوات فتح النوافذ من الداخل، فعيّنت عدداً من النساء في مواقع إدارية بالمحافظات. لكنها اصطدمت أحياناً بواقع عشائري متجذّر، كما حدث مع سلام الغدير في دير الزور، التي استقالت تحت ضغط اجتماعي لا يؤمن بقدرة المرأة على الإدارة.

ومن اللافت أن عدداً من أبرز وجوه العمل النسائي رفضن الدخول للحكومة خشية تعرضهن لذات الحملات التشويهية التي طالت سابقاتهن.

محاولة النظام الانتقالي طمأنة النساء جاءت بتأسيس «مكتب المرأة» بقيادة عائشة الدبس. لكن سرعان ما تحول المكتب من منصة تمكين إلى أداة ضبط، تعيد إنتاج السلطة بصيغة «من تشبهنا تنتمي لنا». أُغلق المكتب لاحقاً بعد فشله، واستُبدل بمكتب للتنمية، وكأن القضية خدماتية لا سياسية.

انتخابات مجلس الشعب: تراجع غير مسبوق

في الانتخابات الأخيرة، لم تتجاوز نسبة تمثيل النساء 4% (6 نساء من أصل 119 نائباً)، وهو تراجع حتى عمّا كان عليه الوضع قبل الثورة. الأكثر دلالة أن المدن الكبرى، مثل دمشق وحلب وحمص ودير الزور، لم تنتخب أي امرأة رغم وجود مرشحات ببرامج قوية. ومرة أخرى كان المجتمع هو بوابة الإقصاء لا الدولة فقط.

ويبقى الأمل الأخير معلّق على الثلث الذي يعينه الرئيس الشرع، والذي يُفترض أن يعالج تلك الفجوة.

توصيات لمن يهمه الأمر

لا يمكن بناء نظام سياسي جديد على أدوات قديمة. ولإعادة صياغة دور المرأة سياسياً، لا بد من:

  • قانون انتخابي يضمن تمثيلاً لا يقل عن 30% خلال المرحلة الانتقالية.
  • تضمين حقوق المرأة بوضوح في الدستور الجديد، مع حمايةٍ قانونيةٍ من التمييز.
  • توفير بيئة سياسية آمنة تحمي النساء من التشهير والعنف.
  • الاستثمار في القيادات النسائية المحلية، لا النخبوية فقط.
  • إشراك النساء في مفاوضات السلام وإعادة الإعمار، لا ملفات «الاجتماع والشؤون الأسرية» فقط.

المرأة ليست ديكوراً

لم تثبت الثورة أن المرأة السورية قادرة على الصمود وحسب، بل أثبتت صلاحها لقيادة مستقبل بلادها. لكنها لا تستطيع ذلك إذا ظلت تُستدعى لتجميل الصورة أو لإكمال العدد. فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل تأمين العدالة لكل مقترع.

وإن أرادت سوريا الجديدة أن تُبنى على الاستقرار والعدالة، فعليها أن تقر بأن نصف المجتمع ليس مجرد «هامش سياسي»، بل شريك أصيل في صناعة القرار. وإلا سنعيد إنتاج الماضي بأدوات جديدة، وبخسارة أكبر.

العودة إلى الأعلى
Cover image

منى عبود

كاتبة وصحفية سورية مدافعة عن حقوق الإنسان facebook.com/mounalder

أحدث الأعداد

  • سبتمبر 2025

    عدد 28

  • أغسطس 2025

    Issue 27

  • يوليو 2025

    Issue 26

  • يونيو 2025

    Issue 25

  • مايو 2025

    Issue 24

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني.

* يشير إلى الحقول المطلوبة
العربية