ما مستقبل حزب الاتحاد الديمقراطي؟

16. آذار 2026

بعد سنواتٍ حرص خلالها حزب الاتحاد الديمقراطي على تقديم سلطته في شمال شرق سوريا بوصفها تجربة حكم متعددة المكوّنات، عاد الحزب اليوم إلى خطابٍ سياسي كردي أكثر صراحة. ويضع هذا التحوّل الحزب في موقع جديد بين دمشق وقاعدته الاجتماعية الكردية، بما يحمله ذلك من تحديات سياسية لا يُستهان بها.

في 19 كانون الثاني/ يناير، وفي ظل تعثّر محادثات وقف إطلاق النار وتقدّم القوات الحكومية، أصدرت قوات سوريا الديمقراطية بياناً لافتاً دعت فيه «شباب كردستان» إلى «الالتحاق بالمقاومة». وقد شكّل هذا الخطاب خروجاً واضحاً عن اللغة التي اعتادت قسد والإدارة الذاتية استخدامها خلال السنوات الماضية، حين سعتا إلى تقديم نفسيهما كنظام سياسي جديد قادر على تمثيل التعدد القومي والديني في منطقة الجزيرة السورية.

لطالما سعى حزب الاتحاد الديمقراطي إلى الابتعاد عن القومية الكردية التقليدية. فالتزامه الفكري بأطروحات زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، ولا سيما مفهوم «الكونفدرالية الديمقراطية»، دفعه إلى تبني خطاب يتجاوز الحدود القومية. وحتى المصطلحات المستخدمة عكست هذا التوجه؛ إذ جرى استبدال تسمية «روجافا» الكردية بتعبير «شمال وشرق سوريا»، في محاولة لإضفاء طابع جامع على التجربة السياسية.

غير أن القاعدة الاجتماعية والسياسية للمشروع بقيت في جوهرها كردية. فقد استند الحزب في أوساط المجتمع الكردي إلى رصيد رمزي يرتبط بتاريخ حزب العمال الكردستاني، وإلى دوره العسكري في الدفاع عن المناطق الكردية في مواجهة تنظيم «داعش» وفصائل مسلحة أخرى، فضلاً عن دعمه لاستخدام اللغة الكردية وإحياء مظاهر الثقافة الكردية. ومن ثم بقيت التعددية إطاراً إدارياً أكثر منها تحولاً في مركز القرار السياسي الذي ظل بيد الحزب، أو في الهوية السياسية التي ظلّت كردية في أساسها.

من التشتت إلى التنظيم

لم تعرف الهوية الكردية في سوريا طوال عقود إطاراً سياسياً فاعلاً يجمعها. فمنذ تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا عام 1957، عانى التيار القومي الكردي من انقسامات متواصلة أدت إلى ظهور عدد كبير من الأحزاب الصغيرة.

وقد اعتمدت هذه الأحزاب في بقائها على شبكة من العلاقات مع الأحزاب الكردية في العراق، وعلى تفاهمات حذرة مع الأجهزة الأمنية السورية. لكنها لم تنجح في تحقيق اعتراف رسمي بوجود الأكراد في البلاد، كما لم تطوّر هياكل تنظيمية راسخة، بل بقي كثير منها محكوماً بعلاقات شخصية أو عائلية.

وقد تبدل هذا الواقع مع وصول حزب العمال الكردستاني إلى سوريا. فبعد انقلاب عام 1980 في تركيا، لجأت قيادات الحزب إلى الأراضي السورية في إطار علاقة تبادلية مع نظام حافظ الأسد: إذ حصلت دمشق على ورقة ضغط في مواجهة أنقرة، فيما أتيح للحزب تنظيم صفوفه واستقطاب كوادر بين الأكراد السوريين. وعقب إخراج عبد الله أوجلان من سوريا عام 1998، أسس كوادر الحزب في البلاد حزب الاتحاد الديمقراطي، محوّلين نشاطهم السياسي من الساحة التركية إلى الساحة السورية.

ومع اندلاع الانتفاضة السورية عام 2011، برز حزب الاتحاد الديمقراطي بوصفه القوة الكردية الأكثر تنظيماً وانضباطاً. ومع انسحاب الدولة السورية من مناطق واسعة في الشمال الشرقي، سارع الحزب وقواته إلى ملء الفراغ. ورغم اتهامات خصومه بالتنسيق مع دمشق، فإن ضعف منافسيه الكرد كان عاملاً حاسماً في ترجيح كفته. فقد اجتمعت تلك الأحزاب في إطار «المجلس الوطني الكردي»، وهو تحالف يضم عدداً من الأحزاب الصغيرة التي تفتقر إلى التماسك التنظيمي والقدرة العسكرية. في المقابل، امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي كوادر مدرّبة وسلاحاً وخبرة تنظيمية اكتسبها من صلته الطويلة بحزب العمال الكردستاني.

نهاية مرحلة الحرب

مع ذلك، فإن النظام السياسي الذي أقامه الحزب في شمال شرق سوريا نشأ في ظروف استثنائية فرضتها الحرب: تراجع الدولة السورية عن المنطقة، وقيام شراكة عسكرية مع الولايات المتحدة في الحرب على تنظيم «داعش». وهذه الظروف لم تعد قائمة اليوم.

وقد بدأت ملامح التحول تظهر بعد سقوط نظام الأسد. فالتقارب بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي المدعوم من مسعود بارزاني أفضى إلى طرح مطالب مشتركة بإقامة إقليم فيدرالي محدد الهوية القومية، في مؤشر واضح على عودة الخطاب القومي الكردي. ثم جاء الهجوم العسكري الذي شنته الحكومة في كانون الثاني/يناير 2026 ليعمّق هذا الاتجاه، إذ أدى إلى انسحاب أعداد كبيرة من المقاتلين العرب من صفوف قوات سوريا الديمقراطية.

وفي ضوء هذه المعطيات، جاء الاتفاق الذي تم بوساطة أميركية في 29 كانون الثاني/يناير بين القوى الكردية ودمشق ليكشف تحولاً في حسابات الحزب. فقد تراجع عن طموحه السابق في إقامة نموذج سياسي بديل للدولة المركزية، وركّز بدلاً من ذلك على تثبيت عدد من المطالب الكردية الأساسية، والسعي إلى تحديد موقع ما ضمن بنية الدولة السورية التي يجري إعادة تشكيلها.

وقد بدأت بالفعل خطوات أولية لدمج بعض مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن هياكل الدولة، غير أن الاتجاه العام يشير بوضوح إلى عودة المركزية في إدارة البلاد.

بين الدولة والمجتمع

يبقى السؤال: هل يفضي هذا التحول إلى تسوية مستقرة؟ فالسلطات الجديدة في دمشق أبدت استعداداً للنظر في بعض المطالب الكردية، ولا سيما ما يتعلق بالحقوق الثقافية ومعالجة مظالم تاريخية. غير أن استعدادها للقبول بصيغ حقيقية من الحكم الذاتي السياسي يبدو محدوداً.

كما أن الخطوات التي أعلنتها الحكومة حتى الآن لا تستند إلى ضمانات دستورية واضحة. وإلى جانب ذلك، فإن إمكانية عمل حزب الاتحاد الديمقراطي أو المجلس الوطني الكردي كأحزاب سياسية شرعية ستتوقف إلى حد كبير على قانون الأحزاب الذي يُفترض أن يصدر عن مجلس الشعب المرتقب.

وفي الوقت نفسه، يواجه الحزب تحدياً آخر في الداخل الكردي. فبعد أكثر من عقد من إدارة مناطق واسعة خارج سلطة دمشق، اعتاد كثير من الأكراد حضوراً علنياً لهويتهم القومية في المجال العام، حتى وإن ظل المجال السياسي نفسه محدوداً. ومن غير المرجح أن يتخلى هؤلاء بسهولة عن هذا الواقع.

وفوق ذلك، هناك تيارات قومية كردية تنظر بعين النقد إلى تجربة التعددية التي تبناها الحزب في السنوات الماضية، وترى فيها ابتعاداً غير مبرر عن القضية الكردية. وإذا بدا الحزب متساهلاً في تفاهماته مع دمشق، فقد يجد نفسه موضع تشكيك داخل بيئته الاجتماعية.

وعليه، فإن التحدي الأساسي أمام حزب الاتحاد الديمقراطي لن يقتصر على التفاوض مع الدولة السورية، بل سيكمن أيضاً في تثبيت مكانة الهوية السياسية الكردية داخل الدولة والمجتمع بوصفها مكوّناً معترفاً به، لا مجرد تعبير ثقافي-فلكلوري محدود.

العودة إلى الأعلى

باحث في الشأن السوري

رأي

محمد خير الوزير

تسليم، أم ترحيل، أم اختطاف؟

تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى ملاحقة جرائم حقبة الأسد عبر آليات القانون الدولي. لكن قضية معارض إماراتي محتجز في دمشق تطرح سؤالاً مقلقاً: هل يمكن أن تتحول أدوات العدالة إلى أدوات للقمع؟

15. آذار 2026

ياسر الظاهر

عودة الثقافة السورية

لعقود طويلة عاشت الثقافة السورية في ظل الدولة الأمنية. واليوم، مع سقوط النظام، بدأ الكتّاب والفنانون يستعيدون الفضاء العام ويعيدون التفكير في معنى الثقافة نفسها.

13. آذار 2026

أحمد عمر

مضغ علكة البعث

قد تكون سوريا قد دخلت «عهداً جديداً»، لكن من يُصغِِ جيداً سيجد أن اللغة تبدو مألوفة على نحو مريب. فمن الكليشيهات البعثية إلى بقايا البيروقراطية القديمة، ما تزال مفردات النظام السابق تتردد في خطاب العهد الجديد.

11. آذار 2026

هبة عز الدين

بين «النسوي» و«النسائي»: الباب ما زال مغلقاً

لسنواتٍ طويلة، ناقشت السوريات ما إذا كان الخطاب النسوي أو اللغة الأكثر محافظة حول «قضايا المرأة» هو الطريق الأفضل للوصول إلى المشاركة السياسية. لكن بعد نتائج انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، باتت حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: بغضّ النظر عن اللغة التي يستخدمنها، ما زالت النساء مُستبعَدات من مراكز السلطة.

10. آذار 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية