الصراع على الوسط السياسي
مع عودة السياسة إلى سوريا، تصبح مسألة «تحديد الوسط» اليوم مسألة بالغة الأهمية
العدد 31 – يناير 2026
لطالما تشكّلت السياسة السورية، على مدى عقود، تحت تأثير أيديولوجيات راديكالية ادّعت التحدّث باسم التاريخ أو الدين أو الثورة. ولا تزال هذه القوى حتى يومنا هذا تهيمن على المشهد. غير أنّ اتّساع هامش المشاركة السياسية أعاد تسليط الضوء على مساحةٍ وسطى طال تهميشها، وباتت اليوم تبحث عن مظلّة سياسية تعبّر عنها وتمنحها موقعاً فاعلاً في المعادلة العامة.
لم يُتِح التاريخُ السوري الحديث، في أيٍّ من مراحله، الظروفَ اللازمة لقيام بيئةٍ سياسية تتّسم بتموضعاتٍ واضحة ومستقرّة. فقد ظلّت الحياة السياسية في سوريا تتشكّل على وقع أزمات متعاقبة منذ عهد الجمهورية الأولى التي تجسّدت في مرحلة الكتلة الوطنية (بين 1930 و1958، ثمّ مجدّداً بين 1961 و1963)، مروراً بفترة الوحدة مع مصر، وصولاً إلى الجمهورية الثانية في ظل حكم حزب البعث وحقبة الأسد (بين 1958 و1961؛ وبين 1963 و2024). وقد أسهمت هذه الاضطرابات المتكرّرة، بصورة منهجية، في تقويض تطوّر المؤسسات، وضيّقت إلى حدٍّ كبير هامش ترسيخ ثقافة ديمقراطية راسخة.
على النقيض من ذلك، شهدت أوروبا في مرحلة ما بعد الحرب تبلور طيفٍ سياسي واضح المعالم. فمن جهة، برز تيار يساري ليبرالي تقوده الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية، ومن جهة أخرى، تيار محافظ يميني تتزعّمه الأحزاب الديمقراطية المسيحية وغيرها من القوى المحافظة. وقد تمحور الصراع الفكري والعملي بين هذين القطبين حول السياسات الاقتصادية، والخدمات العامة، وآليات توزيع الثروة. غير أنّ هذا التنافس دار ضمن حيّزٍ سياسي ضيّق نسبياً، حدّدته القيود التي فرضتها الوقائع المادية والاقتصادية القائمة.
وفي هذا السياق برزت مقاربات وسطية سعت إلى التوفيق بين الطرفين. ولعلّ أبرزها ما عُرف بـ«الطريق الثالث»، المرتبط بتجربَتي بيل كلينتون وتوني بلير، والذي حاول الجمع بين حيوية اقتصاد السوق وآليات الحماية الاجتماعية. وتُظهِر مثل هذه الابتكارات ما يصبح ممكناً حين تتراجع سطوة الأيديولوجيات، وحين تُدار المنافسة السياسية ضمن أطرٍ مؤسسية واضحة ومُلزِمة.
هيمنة الأطراف الأيديولوجية المتطرّفة
غير أنّ الحال في سوريا كان مختلفاً. إذ إنّ ثِقل الجغرافيا السياسية، وحِدّة الاضطرابات الاجتماعية التي رافقت تشكّل الدولة، حالا دون التطوّر الطبيعي للحياة السياسية. وعملياً، لم تُتح فرصة حقيقية لنشوء أحزاب تتنافس على أساس برامج سياسية واقتصادية واضحة المعالم. فمنذ الاستقلال، دعت القوى السياسية المهيمنة إلى إدماج سوريا ضمن كيانات أوسع اعتُبرت أكثر «أهمية»: الأمة العربية، أو الأمة الإسلامية، أو الكتلة السوفياتية، أو «سوريا الكبرى». وقد حملت هذه التصوّرات أحزاب أيديولوجية وشمولية ذات نزعات عابرة للحدود، نادراً ما انسجمت مع المتطلّبات العملية لدولةٍ فتية تسعى إلى بناء مؤسّساتها وخدمة مواطنيها. وبدلاً من ذلك، عكست تلك المشاريع تعلّقاً عاطفياً مفرطاً بالتاريخ، أو أجندات نخبٍ عسكرية سعت إلى إضفاء الشرعية على استيلائها على السلطة.
على هذا النحو، انقسم الجزء الأكبر من السياسة السورية بين يسارٍ راديكالي (الشيوعيون، البعثيون، الناصريون) ويمينٍ متشدّد (جماعة الإخوان المسلمين، الحزب السوري القومي الاجتماعي). وبين هذين القطبين وُجِد ما يمكن تسميته بـ«المساحة الوسطى»: وهي تفضيلات الغالبية العظمى من المجتمع، ولا سيما الطبقة الوسطى، التي اتّسمت عادةً بالاعتدال والبراغماتية والنزوع إلى التسويات.
وسطيّو الأمس
عرفت سوريا بالفعل تجربةً سياسية يمكن وصفها بـ«الوسطية». وقد تجسّدت هذه التجربة في أحزاب ليبرالية برجوازية تولّت الحكم في أواخر أربعينات وخمسينات القرن الماضي، خلال ما عُرف بـ«المرحلة الوطنية»، نسبةً إلى الكتلة الوطنية التي تأسّست عام 1928، وضمّت نخبة من القيادات السياسية التي ناضلت من أجل استقلال سوريا عن الانتداب الفرنسي. وقد انبثق عن هذه الكتلة حزبان رئيسيان: الحزب الوطني (مقرّه دمشق، تأسّس عام 1947)، وحزب الشعب (مقرّه حلب، تأسّس عام 1948). مثّل هذان الحزبان امتداداً للبرجوازية الإصلاحية التي كانت قد تبلورت خلال العقود الأخيرة من عمر الدولة العثمانية، وهيمنا معاً على الحياة البرلمانية.
وعلى الرغم من براغماتيتها، وانتمائها إلى تقاليد يمين الوسط الأوروبي، وميولها المؤيّدة للغرب، ومواقفها «الوطنية» غير الطائفية، فضلاً عن النزاهة النسبية التي اتّسم بها كثير من قادتها، حتى وفق معايير ذلك الزمن، فإنّ هذه الأحزاب ظلّت في جوهرها تكتّلاتٍ من الأعيان. فقد مثّلت أساساً مصالح الرأسماليين والنخب المهنية، ولم تنجح في بلورة مشاريع وطنية جامعة قادرة على صياغة هوية مشتركة أو تقديم انفراجٍ اقتصادي ملموس للفقراء.
تمثّلت نقطة ضعفها الإستراتيجية في نشأتها المتأخّرة. فالكتلة الوطنية نفسها قاومت التحوّل إلى حزبٍ منظَّم، كما يظهر في نظامها الداخلي لعام 1932، مفضّلة البقاء إطاراً أقرب إلى «تجمّع فكري». وقد حال هذا التأخير دون تمكّن القوى الليبرالية ويمين الوسط من استثمار أسبقيتها الزمنية في ميدان التنظيم والتعبئة السياسية، وهو شرطٌ أساسي لترسيخ نظامٍ برلماني منفتح وقابل للاستدامة. ونتيجةً لذلك التأخر، تُرك الباب موارباً أمام أحزابٍ راديكالية وشمولية أكثر تنظيماً، لتتقدّم وتفرض نفسها، قبل أن تُجهِز نهائياً على الحياة البرلمانية عام 1963.
بعد قرنٍ كامل على قيام الدولة السورية، تكون أحزاب البعث والشيوعيين قد استنفدت دورها وانتهت عملياً. غير أنّ القوى الباقية اليوم لا تقلّ راديكالية عنها؛ إذ يتصدّر المشهد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، ذي الخلفية «ما بعد الماركسية»، وهيئة تحرير الشام ذات التوجّه الإسلامي السلفي. بين هذين الحزبين بكل ما يحملانه من دلالات أيديولوجية وسياسية متعارضة، تتموضع اليوم المساحة الوسطى في سوريا.
قاعدة المساحة الوسطى
في السياق السوري، يُشير مفهوم «المساحة الوسطى» إلى توجّه اجتماعي سياسي واسع، يمثّل القاسم المشترك الأدنى بين شرائح كبيرة من السوريين، ويتشكّل أساساً بفعل السياسة المحلّية والاعتبارات العملية.
بنيوياً، لا يمكن اختزال هذا التيار في إطارٍ طائفي محدّد. إذ تتكوّن قاعدته الاجتماعية، في معظمها، من شرائح لم تَجنِ مكاسب مباشرة من اقتصاد الحرب أو من المشاريع الأيديولوجية المتصارعة. وما تطمح إليه هذه الفئات، قبل أيّ شيء، هو الأمن والاستقرار، واستعادة حدٍّ أدنى من الحياة الطبيعية في تفاصيلها اليومية، وتكاليف معيشة قابلة للاحتمال، ودولةٍ تُدار وفق حكم القانون. وهم يشملون فئات الموظفين وأصحاب المشاريع الصغيرة في الأرياف وضواحي المدن، والخريجين العاطلين عن العمل، والمتقاعدين، وسيدات منزل، أي ما يصفه البعض بـ«بقايا الطبقة الوسطى».
هؤلاء الذين تُركوا خلف الركب هم اليوم جوهر المساحة الوسطى. فمن بينهم علويون خسروا كلّ شيء وهم يدافعون عن دولة الأسد، فيما نهبت شبكات أمراء الحرب المال العام وفرّت. ومن بينهم لاجئون سنّة جرى توظيف مظالمهم على يد انتهازيين لبناء أوليغارشية جديدة تمزج المال بسلطة سلفية جهادية، قبل أن يعودوا إلى بلدٍ بلا إعادة إعمار ولا آفاق. يمكن لهذه الفئات، ومعها مجموعات أخرى مماثلة (عبر الانقسام العربي- الكردي وسائر خطوط الصدع الإقليمية) أن تلتقي ضمن تيار يمكن وصفه بـ«الوسطي». وما يجمع بينها هو الإقصاء عن غنائم السلطة وعن الوعود التي بشّرت بها الأيديولوجيات.
تيار يبحث عن موطئ قدم
مع عودة السياسة بحذر إلى سوريا، تجد المساحة الوسطى نفسها مجدّداً بلا بيتٍ سياسي يحتضنها. ويعود جزء من الإشكالية إلى مسألة المصطلحات. فبسبب انحراف مسار التطوّر السياسي في سوريا تحت وطأة الأحزاب الأيديولوجية والانقلابات، لم تحظَ تسميات من قبيل «محافظ» أو «ليبرالي» أو «إصلاحي» بالمكانة نفسها التي نالتها أوصاف مثل «إسلامي» أو «يساري». وهنا قد يقدّم مفهوم «الوسطية» مخرجاً محتملاً.
يستمدّ مصطلح «الوسطية» جاذبيته من استخدام القرآن الكريم لكلمة «وسطاً» بمعنى العدل والإنصاف: (وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) (البقرة: 143). أمّا من حيث الجاذبية الفكرية، فتتجلّى في رؤيته الواضحة لواقع المجتمع السوري كما هو. تنطلق الوسطية من مسلّمة بسيطة مفادها أنّ السوريين بغالبيتهم يشكّلون كتلة معتدلة في العموم، أنهكتهم المشاريع الكبرى والرؤى المجرّدة، وهم معنيّون في المقام الأول بسلامتهم الشخصية وبحال مجتمعاتهم المباشرة. وما يبحثون عنه، في الأساس، هو حلول عملية وملموسة لمشكلات الحياة اليومية المتراكمة. وهذا يعني تركيزاً أكبر بكثير من جانب الحكومة على الاقتصاد، والحكم الرشيد، وسيادة القانون.
وقد تتيح الوسطية أيضاً مقارباتٍ لمعالجة بعض القضايا الكبرى التي تواجهها سوريا. فالوسطيون أرجح ميلاً إلى الشعور بالانتماء الوطني إلى إرثهم العربي أو الإسلامي، من دون أن يسمحوا لهذا الانتماء بأن يتحوّل إلى عائق أمام علاقتهم بمكوّنات المجتمع الأخرى، أو مع العالم الخارجي. وهم يؤمنون بدولةٍ قوية، لكن ليس دولةً تعيد إنتاج القمع الذي ساد في حقبة الأسد؛ وبحكمٍ محلّي فاعل يتمتّع بصلاحيات حقيقية، لكن ضمن أطرٍ واضحة للمساءلة، أياً تكن التسميات المعتمدة. سيرفضون اختزال السياسة في هويات مغلقة — طبقية كانت أم طائفية أو إثنية — من دون الوقوع في السذاجة حيالها. كما سيؤمنون بأهمية الديمقراطية وحقوق الإنسان، مع مقاربة واقعية لتحديات سوريا الملحّة. وفي السياق السوري، تعني الوسطية قبل كل شيء ضبط النفس، وإعادة ترتيب الأولويات، وتغليب منطق النتائج على منطق الشعارات.
الوسطية في صناديق الاقتراع
سيواصل الرئيس أحمد الشرع السعي إلى ترسيخ موقعه بوصفه «زعيم» سوريا، ومن المرجّح أنّ يخوض سباقاً رئاسياً بعد أربع سنوات. على افتراض إجراء انتخابات حرة ونزيهة، فإن الحسابات الانتخابية ستدفعه على الأرجح نحو الوسط، حيث يميل الناخبون إلى منح ثقتهم لمن يقدم خطاب سياسي عقلاني ودولة حقيقية. غير أن الخطر يكمن في أن يظل هذا التوجه الوسطي مجرد مزاج اجتماعي أو موقف نخبوي يفتقر إلى التنظيم والتأثير.