© syriaintransition.com

Cover image
السياسة والسلطة

عام الجنرالين

لا غالب ولا مغلوب: قادة سوريا يقتربون من حكم تشاركي

العدد 31 – يناير 2026

قائدان متنافسان تحوّلا إلى فاعلين سياسيين يهيمنان اليوم على المرحلة الانتقالية السورية. استمرار تنافسهما في عام 2026 قد يعيد البلاد إلى أتون الصراع، أو يفرض، على النقيض، تحوّلاً طال انتظاره في الثقافة السياسية.

يمسك رجلان، مختلفان كلّ الاختلاف، بمستقبل سوريا بين أيديهما. فالرئيس أحمد الشرع شخصية كاريزمية واستعراضية ويتمتع بحضور لافت. في المقابل، يبدو الجنرال مظلوم عبدي كتوماً ومتقشفاً، ميّالاً إلى التواري عن الأضواء، وهو نتاج انضباط صارم شكّله حزب العمال الكردستاني. وعندما وقّع الرجلان اتفاقاً في آذار/ مارس من العام الماضي، استقبل السوريون، على اختلاف توجّهاتهم السياسية وانتماءاتهم المجتمعية، هذه الخطوة بارتياح واضح. فقد بدا في تلك اللحظة أنّ قيادة متّزنة وعاقلة قد تدخّلت أخيراً للحيلولة دون تفكّك المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام الأسد. إلّا أنّه بعد مرور عشرة أشهر، لا تزال تلك المرحلة عالقة بلا حسم، وما زالت إلى حدٍّ كبير مرهونة بكيفية اختيار هذين الرجلين إدارة هذا المسار.

على الرغم من التباين الواضح في أسلوبيهما، يتقاسم الشرع وعبدي قواسم مشتركة أكثر ممّا يُعترف به عادة. فكلاهما يقود قوة مسلّحة وازنة، ويعتمد، بدرجات متفاوتة، على دعم خارجي، كما أنّ سلطة كلٍّ منهما لا تستند بعد إلى رضى أو تفويض شعبي راسخ. وإلى جانب ذلك، يحمل كلٌّ منهما شكوكاً عميقة إزاء شكل الدولة التي يمكن إعادة بنائها، وطبيعة المجتمع الذي ستتولّى تلك الدولة حكمه.

مأزق العمق والتماسك

غالباً ما يُقدَّم الشرع بوصفه التعبير السياسي عن الغالبية العربية السنية في سوريا. ومن حيث الديموغرافيا، قد يبدو هذا الادعاء صحيحاً؛ لكنّه لا يصمد سياسياً. فالتحالف الذي أوصله إلى دمشق واسع القاعدة لكنّه هشّ البنية، وهو متماسك بفعل العداء للنظام السابق أكثر ممّا هو قائم على توافق حول ما ينبغي أن يأتي بعده. إسلاميون، ووجهاء محلّيون، ومقاتلون سابقون، ومتردّدون اعتادوا الوقوف على الحياد، جميعهم يسايرون الشرع من دون رضا حقيقي. ومن ثمّ، ليس مُستغرباً أن تتعامل الحكومة في دمشق مع التنظيمات السنية المستقلّة، من جماعة الإخوان المسلمين إلى المؤسّسات الدينية، مثل مكتب المفتي الذي فُكك في عهد الأسد ولم يُستعد سوى بصورة شكلية وضعيفة في عهد الشرع، بما يعكس استمرار الشكّ حيال أي مركز سني مستقل يمكن أن ينازع السلطة شرعيتها.

ويُسهم ذلك أيضاً في تسليط الضوء على نظرة الشرع الأداتية إلى الدولة. فهو يتحدّث بسهولة عن السيادة والوحدة، لكنّه يتعامل مع المؤسّسات بوصفها أدوات لترسيخ هيمنته السياسية وربما تكريسها عبر انتخابات رئاسية تمنح حكمه الشرعية والاستمرارية. فترتيبات تقاسم السلطة ومراكز النفوذ المستقلّة والرقابة البرلمانية القوية، كلها تُضعف السيطرة على آليات الحكم التي يقوم عليها مشروعه الشخصي، كما تجعله يبدو ضعيفاً في نظر الشارع السني. ومن هذا المنظور، فإنّ حذر الشرع إزاء متانة المؤسّسات والتعدّدية، وهما جوهر أي صفقة محتملة مع عبدي، ليس موقفاً مبدئياً، بل حساباً آلياً: فالدولة المثقلة بعدد كبير من المكابح لا يمكنه قيادتها بعيداً، ولا بسرعة كبيرة.

تختلف معضلة عبدي، لكنّها تتقاطع مع معضلة الشرع في جوانب أساسية. فهو يقود القوة المسلّحة الأكثر انضباطاً في البلاد خارج دمشق، غير أنّ المناطق التي تديرها إدارته ذات أغلبية عربية. وقد استمرّ الحكم بقيادة كردية هناك لأنّ القوة الأمريكية وفّرت له الغطاء العسكري والمالي، ولأنّ العرب، في ظل غياب بدائل مجدية، قبلوا به كأمر واقع. غير أنّ هذا الأساس يظل ضيقاً وهشّاً، ولا يوفّر مقوّمات البقاء على المدى الطويل.

وبالنسبة إلى عبدي، تمثل الدولة السورية خصماً تاريخياً، بسجل طويل في قمع الهوية الكردية وانتقاص حقوقها. ومن ثمّ، فإنّ تعزيز هذه الدولة عبر القبول بقيادة الشرع غير المنازَع عليها سيكون مساراً يضرّ بمصالحه، ومن المرجّح أن يقابله رفض مؤيديه. غير أنّ الحكم الذاتي الدائم لا يشكّل هو الآخر حلّاً قابلاً للاستمرار. فالحماية الأمريكية غير مضمونة، والعداء التركي ثابت، فيما لا يمكن الركون إلى قبول عربي دائم كأمر مسلّم به. وإذا لم ينجح مشروع عبدي في توسيع قاعدته الاجتماعية، فمن المرجّح أن يتقلّص في نهاية المطاف، تماماً كما حدث لتجربة إقليم كردستان العراق المتعثّرة.

ويمكن القول إنّ كلا الجنرالين يحكمان من موقع أقلّوي، وإن اختلفت طبيعة هذه الأقلّوية. فالشرع يتولّى قيادة جماعة متفوّقة عددياً، لكنّها تفتقر إلى العمق السياسي وإلى التماسك الداخلي. أمّا عبدي، فيقود مشروعاً سياسياً متماسكاً، لكنه يفتقر إلى العمق الديموغرافي. ولضمان البقاء والاستمرار، يتعيّن على كلٍّ منهما أن «يوسّع دائرة» مشروعه خارج قاعدته الأساسية.

منافسة مُرحَّب بها

لا ينبغي النظر إلى التنافس بين الشرع وعبدي بوصفه بالضرورة مساراً مدمّراً. فإذا أُحسن إدارته، قد يدفع سوريا نحو تسوية ممكنة فعلياً. فكلاهما لا يمتلك القوة الكافية لفرض حكم بلا منازع، وفي الوقت نفسه لا يُعدّ أيٌّ منهما ضعيفاً إلى حدّ يمكن تجاهله. وتظلّ احتمالات الفشل في التوّصل إلى اتفاق قائمة دائماً، لكنّها تنطوي على مراهنة مكلفة للطرفين. أمّا التفاهم، فيبقى الخيار الأفضل. وقد تفضي مثل هذه الصفقة إلى قيام دولة ليست شديدة المركزية ولا مفكّكة على نحو قاتل: دولة تُفوّض سلطات حقيقية عبر ضمانات دستورية، مع الحفاظ على مركز وازن، وتطالب بالرضى الانتخابي من دون الانزلاق إلى السلطوية الاستفتائية التي شهدها السوريون طويلاً في عهد الأسدين.

بهذا المعنى، لا يُمثّل الشرع وعبدي مجرّد شخصيتين نافذتين، بل يجسّدان تعارضاً أعمق طالما شكّل بنية الحياة السياسية في سوريا. فعلى مدى عقود، جرى تأطير السياسة بوصفها صراعاً وجودياً، تكون فيه الهزيمة مرادفة للإقصاء أو التصفية، وهو منطق صفريّ عمل نظام الأسد على ترسيخه. ما تحتاجه سوريا اليوم هو الانتقال من هذا النموذج الصدامي إلى ما هو أقرب إلى «التنازع المنظَّم»؛ أي منافسة مستدامة بين خصوم يعترف كلٌّ منهم بشرعية الآخر بوصفه خصماً لا عدواً. مثل هذا التحوّل لن يفضّ الانقسامات السورية، لكنه قد يروّضها ويضفي عليها طابعاً مدنياً.

تلوح في الأفق مؤشّرات أوّلية على أنّ كلا المعسكرين بات يدرك هذه الحقائق. فخطة الشرع، التي كثر الحديث عنها، لإطلاق حزب سياسي يستهدف الوسط «الوطني»، توحي بمحاولة لتوسيع قاعدة الاستقطاب إلى ما يتجاوز الإسلاميين وسنّة الأرياف. وفي المقابل، يسعى حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الذراع السياسية السورية لحزب العمال الكردستاني، إلى توسيع دائرة نفوذه خارج الإطار الكردي، من خلال استمالة الأقليات والسنّة الليبراليين. وإذا ما نضجت هذه المشاريع ضمن إطار دستوري واضح، فقد تنتقل المنافسة السياسية تدريجياً من منطق الميليشيات والاشتباكات، إلى ساحة البرامج السياسية والاقتصادية القادرة على مخاطبة هموم الناخبين العاديين واستقطابهم.

على نحوٍ مفارق، قد يكون التوتر ذاته بين الشرع وعبدي هو ما ينقذ سوريا من مصيرها المألوف. فسوريا التي تتشكّل ملامحها في ظل تنافسٍ صحيّ تملك، على الأقل، فرصة لتجنّب التطرف وحكم الحزب الواحد. غير أنّ نجاح هذا المسار يبقى رهناً بإخضاع الرجلين، ومعهما أنصارهما، لمؤسّسات دستورية تداولية قادرة على الضبط والمساءلة، وهو أمر سيخضع لمفاوضات مكثفة خلال عام 2026 في إطار اتفاق العاشر من آذار/مارس. قد لا تتحوّل سوريا إلى دولة ديمقراطية بالمعنى المثالي، لكن بعد أكثر من عقد من الحرب، قد تكون ديمقراطية بالقدر الكافي في هذه المرحلة.

العودة إلى الأعلى

السياسة والسلطة

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية