التدافع الدولي على سوريا
مأزق مهمة المبعوث الأممي بين التفويض السياسي والشلل المؤسسي
العدد 31 – يناير 2026
على الرغم من الجهود الحثيثة، لم تنجح الأمم المتحدة حتى الآن في انتزاع موافقة حكومة أحمد الشرع على نقل مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة من جنيف إلى دمشق. وقد ترك هذا الوضع المعلّق المهمةَ السياسية للأمم المتحدة في حالة شلل كامل منذ نحو عام، مع ما ترتّب عليه من تداعيات سلبية عطّلت عمل وكالات الأمم المتحدة الإنسانية والتنموية على حدّ سواء. ولا يمكن كسر هذا الجمود عبر القنوات البيروقراطية، لا في دمشق ولا في نيويورك، بل يتطلّب قراراً سياسياً صريحاً يصدر عن مجلس الأمن الدولي.
بين الثالث والرابع من كانون الأول/ديسمبر، زار مجلس الأمن الدولي سوريا، بهدف مُعلن يتمثّل في بناء الثقة المتبادلة. وقد أوضح تقرير الزيارة الغاية المرجوّة من هذه الثقة، إذ أشار إلى أنّ المجلس «أعرب عن أمله في استكمال التوصّل إلى اتفاق بشأن إعادة هيكلة حضور الأمم المتحدة في دمشق»، وهي خطوة من شأنها أن تمكّن الأمم المتحدة، «بكل أدواتها، ودروسها المستفادة، وخبراتها»، من الوقوف إلى جانب الشعب السوري. غير أنّ عبارة «بكل أدواتها» كانت تعني، في المقام الأول، الدورَ السياسي للأمم المتحدة، وهو دورٌ تضرّرت مصداقيته لدى السوريين.
وقد جرى التعبير عن هذه الحقيقة، مؤخّراً، بوضوح لافت على لسان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في فيلمٍ وثائقي عن تحرير البلاد عُرض في 21 كانون الأول/ديسمبر 2025. واستعادةً للأيام الحاسمة التي سبقت فرار بشار الأسد وانهيار نظامه، روى الشيباني تفاصيلَ نقاشٍ دار في 7 كانون الأول/ديسمبر 2024، في ذروة سيطرة الهجوم الخاطف للمعارضة على جدول أعمال منتدى الدوحة في قطر. وكان المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسن حاضراً أيضاً في تلك الفعالية.
وقال الشيباني: «تلقّيت اتصالاً من مكتب بيدرسن. كان يحاول إقناعنا بأنّ الحلّ السياسي مع النظام هو الخيار الأفضل، وبأنّ علينا إيجاد مخرجٍ ما، زاعماً أنّ النظام وافق على القرار 2254. في تلك اللحظة، ضحكتُ وغضبتُ في آنٍ واحد».
وكان المتّصل هو مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسن، في سياقٍ عكس، بحسب رواية الشيباني، الفجوة العميقة بين مقاربة الأمم المتحدة السياسية والواقع الذي كانت تعيشه البلاد في تلك الأيام المفصلية.
وأكّد عددٌ من المصادر الدبلوماسية الرفيعة، التي اطّلعت مباشرة على مجريات تلك الاتصالات، لمجلة سوريا المتجدّدة أنّ مكتب بيدرسن كان قد أبلغ بالفعل هيئة تحرير الشام بأنّ بشار الأسد وافق على تنفيذ القرار 2254؛ وقد تبيّن لاحقاً أنّ هذه المزاعم غير صحيحة. وسواء أكان ذلك تلفيقاً متعمّداً أم «كذبة دبلوماسية بيضاء»، فربما لا يغيّر كثيراً في جوهر المسألة. إذ أجمع دبلوماسيون عرب وغربيون، على حدّ سواء، على أنّ بيدرسن كان، في تلك المرحلة، عاجزاً عن استيعاب أهمية اللحظة التاريخية التي كانت تمرّ بها سوريا.
وقال أحد الدبلوماسيين لمجلة سوريا المتجدّدة: «مع تسارع انهيار النظام على نحوٍ لم يعد يترك مجالاً لسوء التأويل، تمسّك بيدرسن بالفرضية التي حكمت ولايته منذ بدايتها: أنّ بشار الأسد لا بدّ أن يكون جزءاً من أي حلٍّ سياسي، لعدم تصوّر وجود بديل». والواقع أنّه، وعلى مدى نحو عامين، لم ينجح بيدرسن ومكتبه في إعادة عقد اجتماعات اللجنة الدستورية السورية، وهي هيئة لم تنخرط منذ إنشائها عام 2019 في مناقشة جادّة لأي مادة دستورية واحدة. وبُرّر هذا الجمود بالاستناد إلى اعتراضات روسية متبدّلة وغير معقولة، فيما أُتيح لكلٍّ من موسكو ودمشق استخدام المسار برمّته كعرضٍ سياسي شكلي. وفي تلك اللحظة، ومع زحف عشرات الآلاف من قوات المعارضة نحو دمشق، بدا بيدرسن وكأنّه لا يزال يراهن على احتمال أن تمارس روسيا ضغطاً في اللحظة الأخيرة يدفع الأسد إلى تحوّلٍ معجزي في موقفه.
وردّاً على استفسار المجلة، أكّد مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة أنّه تواصل بالفعل مع هيئة تحرير الشام، لكنّه نفى أن يكون بشار الأسد قد وافق على تنفيذ القرار 2254، مشدّداً على أنّه «لم تكن لدى المكتب أي نيّة للإيحاء بخلاف ذلك».
غير أنّه، ما دامت تصوّرات الواقع متباعدة إلى هذا الحدّ في مسألة بهذه الخطورة، فإنّ تصوّر قيام علاقة مجدية فعّالة بين مكتب المبعوث الخاص والحكومة في دمشق يبدو أمراً يصعب تصوّره.
غير مرحّب به
وعليه، فإنّه من غير المستغرب أن تنظر الحكومة الانتقالية إلى غير بيدرسن ومكتبه بوصفهما طرفاً معادياً للمشروع الثوري ورؤيته لبناء الدولة. فبعد فرار بشار الأسد، أعادت دمشق فتح أبوابها أمام المجتمع الدولي على نحو شبه فوري. وسرعان ما غدا الحضور الميداني معياراً للجدوى والنفوذ؛ إذ تسابقت الوفود إلى الدخول، وبدأت السفارات الاستعداد لإعادة فتح أبوابها، فيما شرع الفاعلون الدوليون في إعادة معايرة أشكال انخراطهم مع الواقع السوري الجديد.
وفي هذا السياق، وفي لحظةٍ تمارس فيها إدارة ترامب ضغوطاً غير مسبوقة على الأمم المتحدة من أجل الإصلاح وخفض الهدر، تحت طائلة العواقب، لجأ الأمين العام إلى ما بدا «انتصاراً سهلاً». إذ كان من الممكن تسويق نقل مكتب المبعوث الخاص بالكامل إلى دمشق على أنّه دليلٌ على أنّ المنظمة الدولية باتت أخيراً تأخذ مسألة الكفاءة التشغيلية على محمل الجد، وهي الإشارة ذاتها التي كان المانحون يتطلّعون إليها في وقتٍ تنزلق فيه الأمم المتحدة إلى أزمة مالية حقيقية. وداخل أروقة المنظمة، سرعان ما اكتسب هذا المنطق زخماً ذاتياً: مقارّ عمل أقل كلفة وحضور أصغر حجماً وفورات قابلة للقياس بالأرقام. غير أنّ ما بدا منطقياً تماماً في نيويورك، يظهر بصورة مختلفة تماماً في دمشق، حيث تقود السياسة، لا الجداول الحسابية، ملامح المرحلة.
ومنذ البداية، قابلت السلطات الجديدة في دمشق غير بيدرسن وفريقه ببرودٍ واضح. غير أنّ المشكلة كانت أعمق من مسألة شخصية. فالقرار 2254، الذي يشكّل الأساس القانوني لتفويض بيدرسن، لا يزال ملزِماً من الناحية القانونية ما لم يقم مجلس الأمن الدولي باستبداله. وفي نظر دمشق، فإنّ استضافة مكتب مبعوث خاص يعمل بموجب قرار لا يزال، شكلياً، غير مُنفَّذ، تُعدّ بمثابة حصان طروادة. ذلك أنّ نقل مكتب المبعوث الخاص إلى دمشق ضمن إطار القرار 2254 من شأنه، حتماً، إعادة فتح حزمة من الالتزامات الانتقالية ومنطقيات تقاسم السلطة التي لا يبدي النظام أي رغبة في العودة إليها أو الانخراط بها.
والأهمّ من ذلك أنّ القرار 2254 يتعمّد تجنّب تعريف من يشكّل الحكومة السورية أو المعارضة، ما يضفي شرعية على طيفٍ واسع من الفاعلين السوريين، من الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي إلى ممثّلين سياسيين في السويداء، بوصفهم أصحاب مصلحة يحق لهم المشاركة على قدم المساواة. ولا يمكن لأي قدر من التطمينات الدبلوماسية أن يتجاوز ما يتيحه نصّ القرار ذاته ويمنحه من صلاحيات. هذه المنطقية تضرب مباشرةً في صميم ادّعاء الرئيس أحمد الشرع امتلاكَ السلطة العليا خلال المرحلة الانتقالية. وبالنسبة إلى دمشق، فإنّ جوهر الإشكالية لا يكمن في الأشخاص أو النوايا، بل في التفويض نفسه.
ما طبيعة المهمة؟
في أعقاب سقوط بشار الأسد، طُمست مسألة التفويض غير المحسومة سريعاً في نيويورك بفعل مناوراتٍ مؤسّسية داخل الأمم المتحدة. فقد طرحت أجزاء مختلفة من منظومة الأمم المتحدة مقترحات متداخلة، من خطط عمل انتقالية، إلى أطر تنسيق، وصولاً إلى ما سُمّي في نهاية المطاف «تقييماً استراتيجياً».
وقد تشكّلت هذه المبادرات جميعها تحت وطأة اعتبارات داخلية، شملت التسلسلات الهرمية المؤسّسية، والتنافس على الصلاحيات بين الركيزتين السياسية والتنموية، فضلاً عن هواجس الحفاظ على الميزانيات. لكن ما غاب إلى حدٍّ كبير كان مواجهةً جديّة للسؤال الجوهري: ما طبيعة الدور السياسي، إن وُجد، الذي يمكن للأمم المتحدة أن تؤدّيه على نحوٍ ذي مصداقية في سوريا، في ظل تفويضٍ لم يطرأ عليه أي تغيير؟
وبعد مرور ما يقرب من عام، لا يزال نقل المهمة السياسية للأمم المتحدة «قيد الدراسة»، على الرغم مما يترتّب عليه من آثار مباشرة تطال مجمل حضور المنظمة في سوريا، حيث يُفترض أن تعمل الركائز السياسية والإنسانية والتنموية في إطارٍ متكامل. وقد تجنّب مجلس الأمن الدولي إلى حدٍّ كبير الخوض في هذه المسألة. وعلى الرغم من الميل العام لتفضيل تمركز المهمة في دمشق، لا تزال طبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به هناك غير واضحة المعالم، خارج نطاق تعاونٍ تقني يمكن، في الأساس، أن ينجزه المنسّق المقيم وفريق الأمم المتحدة القطري، من دون ما يرافق المهمات السياسية الخاصة من التباسٍ سياسي أو استعراض دبلوماسي.
غموض غير قابل للاستدامة
في المقابل، تبدو مقاربة دمشق واضحة ومباشرة، فهي تعتبر أنّ الخطوات الانتقالية التي نصّ عليها القرار 2254 قد أُنجزت بالفعل مع تشكيل مجلس الشعب. وقد تتسامح مع أشكالٍ ضيّقة ومحدّدة من المساعدة السياسية التقنية التي تقدّمها الأمم المتحدة، لكنّها ترفض صراحةً أي دور في الوساطة الداخلية. ويؤدّي هذا الموقف عملياً إلى إفراغ مهمة البعثة من مضمونها، وتقويض الغاية التي أُنشئت من أجلها. وما دام القرار 2254 لا يزال التفويضَ النافذ، فإنّ حتى دوراً أممياً محدوداً يظلّ، في نظر دمشق، موضع شكّ وارتياب.
التفويضات أطول عمراً من التطمينات. وإذا لم يشأ مجلس الأمن الدولي أن يكون شاهداً على مهمة مُكلِفة وفاقدة للجدوى، فعليه أن يواجه الأسئلة البديهية التي دأب على تأجيلها طوال عامٍ كامل. هل يتوقّع المجلس أن تضطلع الأمم المتحدة بدورٍ فعّال في صياغة مستقبل سوريا وترسيخ مسارٍ انتقالي موثوق وشامل؟ وإن كان الأمر كذلك، فبأي تفويض، ولأي غاية سياسية، وبأي معايير لقياس النجاح؟ وإلى أن تُجاب هذه الأسئلة بوضوح وصراحة، سيظلّ هناك كثيرٌ من الإجراءات وقليلٌ من السياسات، فيما يستمرّ، تحت السطح، التدافع على سوريا.