الركود الإنساني الكبير
التمويل المُختلط قد يفتح مخرجاً يتجاوز المنح والأوهام
يواجه القطاع الإنساني لحظة محاسبة حاسمة. فعلى مدى عقود، اعتمدت مساعدة الفئات الأشدّ عوزاً على آلية واحدة هشة: حشد المنح السنوية. غير أنّ هذا النموذج بات اليوم تحت ضغطٍ شديد؛ إذ انكمش التمويل الإنساني العالمي بنحو 35 في المئة خلال عام 2025، مع توقّعاتٍ بمزيدٍ من التراجع في 2026.
لقد كشفت الصدمات المتلاحقة هشاشة البنية التمويلية القائمة للقطاع الإنساني، وأظهرت حدود الاعتماد الحصري على المنح في تلبية احتياجات تتزايد حدّتها وتعقيدها. وفي ظلّ هذا الركود يبرز «التمويل المُختلط» «blended finance»، الذي يجمع بين الموارد المالية العامة والخاصة وأدوات تمويلية متعدّدة، بوصفه خياراً قد يوسّع هامش المناورة للقطاع الإنساني، من دون الوقوع في أوهام الحلول السهلة أو البديلة الكاملة عن العمل الإنساني التقليدي.
الركود الإنساني الكبير بات واقعاً لا لبس فيه. ولم يعد الأمر يتعلّق بتراجعات تمويلية مؤقّتة أو عجزٍ دوريّ عابر. فحجم رأس المال المتاح عبر المنح لن يعود، على الأرجح، قادراً على مجاراة مستوى الاحتياجات العالمية. وبعبارة أوضح، فإنّ عصر المساعدات المموّلة بالكامل بالمنح قد انتهى. وتبدو تداعيات هذا التحوّل قاسية على سوريا على وجه الخصوص. فقرابة 65 في المئة من متطلّبات التمويل الإنساني لعام 2025 لا تزال غير ملبّاة. ويعتمد نحو ثلثي السوريين على شكلٍ من أشكال المساعدات، فيما يواصل الملايين العيش في المخيمات والتجمّعات السكنية غير النظامية. وبالنسبة إلى كثيرين، يهدّد هذا الانحدار الحادّ في التمويل بقطع شرايين الحياة الأساسية برمّتها.
ينبغي دفع القطاع الإنساني في سوريا إلى التحول نحو مساحات جديدة. ولم يعد التحدّي محصوراً في كيفية ترتيب أولويات المنح المتقلّصة، بل بات يتمثّل في تحديد ما إذا كان لزاماً على أجزاء من المنظومة الانتقال من منطق المنح إلى منطق التمويل من أجل ضمان استدامة التدخّلات الضرورية. وقد يوفّر التمويل المُختلط أدوات تتيح توسيع نطاق تأثير العمل الإنساني وتعزيز ديمومته، لكنّ ذلك مشروط باستخدامه بواقعية كاملة، ومن دون أوهام بشأن ما يستطيع أن يحلّ محلّه، وما يعجز عن تعويضه.
قطرة في بحر.. ليست قليلة
ليس التمويل المُختلط وعاءً جديداً للأموال المجانية. بل هو أسلوب لتوظيف رأس المال العام أو الخيري لتحمّل مخاطر يعزف المستثمرون من القطاع الخاص عن تحمّلها. فمن خلال تقاسم الخسائر، أو تقديم الضمانات، أو خفض العوائد المتوقّعة، يتيح هذا النهج تنفيذ مشاريع كان محكوماً عليها بالفشل لو خضعت لشروط تجارية بحتة. وفي مثال مبسّط، قد يعمل المانحون مع منظّمات غير حكومية محلّية وشركات سورية متخصّصة بالطاقة الشمسية على تركيب أنظمة كهرباء خارج الشبكة في مجتمعات معزولة: تتكفّل المنح بتغطية جزء من كلفة البنية التحتية الأوّلية والخسائر المبكرة، فيما يستثمر المشغّلون من القطاع الخاص إلى جانبهم، مع التزام بتسعير ميسور. وعلى هذا النحو، يتحمّل رأس المال العام جزءاً من المخاطر، بما يتيح للقطاع الخاص الاستثمار في تقديم هذه الخدمات.
على الصعيد العالمي، تتراوح قيمة صفقات التمويل المُختلط بين 15 و18 مليار دولار سنوياً. ويقارن ذلك بالتزامات مجموعة البنك الدولي التي تتراوح بين 100 و120 مليار دولار سنوياً. وتتركّز غالبية هذه الصفقات في مشاريع التخفيف من آثار تغيّر المناخ والبنى التحتية الكبرى، وتقع في معظمها ضمن دول مستقرّة ذات دخل متوسط. في المقابل، لا تحصل البيئات الهشّة والمتأثّرة بالنزاعات على أكثر من نحو مليار دولار سنوياً، يذهب معظمها إلى مشاريع تقليدية مثل تطوير البنى التحتية. ولا يرتبط سوى جزء ضئيل جداً من هذا المبلغ بأهداف إنسانية بحتة. ويبرز الفارق أيضاً في نسبة رأس المال غير الميسّر التي يجري استقطابها مقابل كلّ دولار واحد من رأس المال الميسّر. وفي حين يتراوح المتوسط عالمياً بين دولارين وأربعة دولارات، تنخفض هذه النسبة في البيئات الهشّة إلى دولار مقابل دولار. وبصورة مبسّطة، يعني ذلك أنّ المشروع نفسه يمكن تنفيذه بنحو نصف الكلفة تقريباً.
هل هو قابل للتطبيق؟ وهل يخلو من المخاطر؟
التمويل المُختلط أداة معقّدة، غير أنّ التعقيد لا يجعلها غير ملائمة لبلدان مثل سوريا. بل على العكس، غالباً ما تتطلّب المشكلات المعقّدة أدوات مركّبة. وعلى الرغم من أنّ استخدام التمويل المُختلط لا يزال نادراً في البيئات الإنسانية، فإنّ الحالات التي جرى فيها اعتماده انصبّت في الغالب على دعم توفير الخدمات الأساسية. ففي مطلع العقد الثاني من الألفية، على سبيل المثال، استُخدم هذا النهج في الصومال وكينيا للحفاظ على خدمات المياه والكهرباء في مناطق منخفضة الدخل، في ظلّ انعدام الأمن وانهيار المرافق العامة. ولا يعني ذلك أنّ التمويل المُختلط محصورٌ بطبيعته في قطاع الخدمات الأساسية؛ بل يعكس، بالأحرى، محدوديةَ الاستكشاف والتجريب في القطاعات الأخرى.
وفي سوريا، بدأ هذا النوع من الاستكشاف بالفعل، وإن كان بحذر. ففي عام 2024، عقدت مجموعة من المنظّمات غير الحكومية السورية نقاشات وورش عمل تناولت سُبل تمويل قطاع الرعاية الصحية. وعلى الرغم من أنّ هذه النقاشات لم تُفضِ إلى مشاريع ملموسة، فإنّ إشراك القطاع الخاص والنظر في أدوات مثل التمويل المُختلط برزا بوصفهما من الأولويات. غير أنّ التحوّلات السياسية وطفرة المنح المؤقّتة أوقفت هذه النقاشات. إلّا أنّه، في ضوء المسارات الراهنة للتمويل، يُرجَّح أن تعود هذه السجالات في المستقبل القريب.
وكما هو الحال مع معظم الملفات في سوريا، فإنّ التمويل المُختلط لا يخلو من المخاطر. ففي البيئات التي تختلّ فيها الحوافز وتضعف آليات المساءلة، قد تنتهي الترتيبات التمويلية إلى تعميم الخسائر وخصخصة الأرباح. وفي السياق السوري، يثير ذلك شبح استفادة شخصيات نافذة من استثمارات محمية ضمن هياكل تمويل مختلط، وهو خطرٌ لا يقتصر على المشاريع التنموية فحسب، بل ينسحب بالقدر ذاته على المشاريع ذات الطابع الإنساني.
حتى في ظلّ فاعلين حسني النيّة وحوافز سليمة، يلوح مأزقٌ آخر يتمثّل في خفض مخاطر مشاريع كانت ستُنفَّذ أصلاً من دون دعمٍ إضافي. ولهذا السبب، تعرّض التمويل المُختلط لانتقاداتٍ واسعة خلال تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة، بوصفه دعماً مقنّعاً للقطاع الخاص لا أكثر، حتى عندما كان موجَّهاً إلى «الجهات الصحيحة».
الاعتبارات الأخلاقية
لا مفرّ من التوتّرات الأخلاقية. فالعمل الإنساني يقوم في جوهره على الاحتياج، فيما يُدخل التمويل منطق القدرة على الدفع. وفي بيئاتٍ تآكلت فيها مداخيلُ الأسر إلى حدٍّ كبير، قد يُشكّل حتى الحدّ الأدنى من استرداد التكاليف عائقاً أمام الوصول إلى الخدمات. والتحدّي هو منع الجدوى المالية من التغوّل على الغاية الإنسانية.
كيف يمكن لأسرةٍ تعيش في مخيّم أو في حيٍّ مدمّر أن تتحمّل كلفة الخدمات؟ وبالمقابل، كيف يمكن إقناع مستثمر بالمخاطرة بأموالٍ لا يمكنه استردادها إلّا عبر الدعم؟ ويبرز سؤالٌ أخلاقيٌّ آخر حول معايير تحديد المستفيدين من الدعم: من يُدعَم ومن لا يُدعَم؟ ثم، على نحوٍ أعمّ، كيف يمكن صون المبادئ الإنسانية في بلدٍ له سجلٌّ في تسييس المساعدات وتسخيرها، وفي استغلال الفاعلين الإنسانيين؟
تُعدّ الحوكمة عاملاً حاسماً. فمثل هذه الترتيبات المعقّدة تتطلّب شروطاً واضحة، وتحديداً دقيقاً للأدوار والمسؤوليات، وتوزيعاً صريحاً للمخاطر. فمن الذي يتحمّل الخسائر؟ ومن الذي يجني العوائد؟ ومن يقرّر ماذا؟ ومن يضمن تنفيذ الاتفاقات؟ كلّها أسئلةٌ جوهرية لا غنى عن الإجابة عنها.
وأخيراً، لا تقلّ الثقافة المؤسسية أهمية. فالتكليفات الإنسانية تُعلي شأن الحياد والإجراءات، فيما يركّز الفاعلون من القطاع الخاص على السرعة وضبط التكاليف. ويضع التمويل المُختلط هاتين الثقافتين في مواجهةٍ مباشرة. ومع ذلك، يبقى العائق الأكبر أمام تبنّي أيّ شكلٍ من أشكال التمويل البديل هو الثقافة السائدة داخل المنظمات غير الحكومية، التي تقاوم أيّ تحوّلٍ بعيداً عن النداءات الإنسانية السنوية. ومع أنّ المبادئ الإنسانية غير قابلة للمساومة، فإنّ الأنظمة الداخلية للمنظمات غير الحكومية، وممارساتها، وهياكل شراكاتها، باتت بحاجةٍ إلى تغيير. فـالإلمام المالي لم يعد ترفاً.
التصميم على أساس العدالة
يجب أن تنطلق أيّ مناقشةٍ لاستخدام التمويل المُختلط كأداةٍ لتأمين الخدمات الأساسية ذات الطابع الإنساني في سوريا من الوقائع القائمة. فقدرة السكان على تحمّل كلفة الخدمات الأساسية محدودة للغاية. كما أنّ الاستثمار في البنى التحتية في المناطق التي تستضيف الفئات الأشدّ هشاشة، كالمخيّمات والمناطق الريفية والأحياء الحضرية الفقيرة أو المتضرّرة بشدّة، لا يُعدّ خياراً جاذباً لمزوّدي الخدمات، وغالباً ما يتجاوز قدرات الدولة نفسها.
وفي الوقت ذاته، فإنّ هيكلة صفقات التمويل المُختلط للمشاريع الكبرى في مجال البنية التحتية هي عملية مرتفعة الكلفة بحدّ ذاتها. إذ تتطلّب دراسات متقدّمة تشمل الجوانب الهندسية، وتقييم الأثر البيئي، والتخطيط الحضري والريفي، فضلاً عن هياكل مالية معقّدة تستلزم خبرات متخصّصةً عالية المستوى.
غير أنّ جدوى المقاربات المُختلطة باتت تعتمد، على نحوٍ متزايد، على الجهات المنخرطة فيها. ومن هنا، ينبغي النظر إليها بوصفها جزءاً من جهدٍ أوسع لإعادة إشراك القطاع الخاص بأساليب مختلفة. ويقع في صلب هذا الجهد رجال الأعمال السوريون وأصحاب الثروات الكبيرة، سواء داخل البلاد أو في الشتات. فكثيرون منهم لا تحرّكهم اعتبارات الربح أو العائد المالي وحدها؛ إذ يجلبون معهم شعوراً بالانتماء والمسؤولية، واستعداداً حقيقياً للمساهمة.
ومنذ سقوط الأسد، موّل فاعلون اقتصاديون سوريون إعادة تأهيل مئات المدارس والمشافي، وصيانة آبار المياه، وتوفير أنظمة طاقة شمسية، ودعم طيفٍ واسع من التدخّلات الأساسية الأخرى. ولو نُفِّذت هذه الأنشطة نفسها عبر منظماتٍ غير حكومية، لأسفرت عن عشرات الصفحات من تقارير الأثر والوثائق. غير أنّ اختزال هذا الانخراط في إطار العمل الخيري يُعدّ خطأً؛ فهو، في جوهره، يعكس اهتماماً فعلياً بالاستثمار وبِردّ الجميل للبلاد.
وعليه، لا ينبغي للمنظمات الإنسانية أن تتعامل مع هؤلاء الفاعلين كمصادر تمويل فحسب، بل كشركاء. وقد يشكّل التمويل المُختلط الوسيلة الأنسب لتنظيم مثل هذه الشراكات بمسؤولية وعلى نطاقٍ واسع.
لا يُشكّل التمويل المُختلط حلّاً لأزمة شحّ المساعدات، ولا يمكن أن يكون بديلاً عنها. إذ تتوقّف جدواه على حسن التصميم، واختيار الفاعلين المناسبين، وترتيبات حوكمة لا تُقنِّع الدعم ولا تعفي المستثمرين كلّياً من تحمّل المخاطر. وعندما يُستخدم كاختصارٍ يتجاوز الوقائع البنيوية في سوريا، فإنّه سيخفق في خدمة الفئات التي وُجد العمل الإنساني أساساً من أجلها. أمّا حين يُوظَّف على نحوٍ محدودٍ ومقصود، فقد يسهم في إنقاذ خدماتٍ أساسية كانت مهدّدة بالانهيار.
هذا التحليل حصري من «التحالف السوري للمشاريع» Syrian Ventures Alliance وهي منصّة متخصّصة بالاستشارات الاستثمارية والاقتصادية.