حكمة ما بعد الواقعة
ثلاث نقاط حول دمج قسد لا تصمد أمام التدقيق
مع انقشاع غبار المعارك في شمال شرق سوريا، تتبلوّر رواية جاهزة حول من رفض التسوية ولماذا أصبح استخدام القوة «حتمي». لكن بالتدقيق، نجد أن ثلاثة من أركان هذه الرواية بدأت بالتصدّع.
كانت المعركة حول مَن يملك حق تعريف ما يحدث في شمال شرقي سوريا دائرة على أشدّها منذ أن هاجمت قوات حكومية أحياء ذات غالبية كردية في مدينة حلب أواخر شهر كانون الأول/ ديسمبر. لكن هل «هوجمت من قِبل القوات الحكومية»؟ هذا تأطيرٌ للحدث! أليست قوات سوريا الديمقراطية (قسد) هي التي صعّدت أولاً عبر قنّاصة وطائرات مُسيّرة انتحارية، قبل أن يتبع ذلك ما وصفه بعضهم بـ «11 سبتمبر سوريا»: ضربة بطائرة مُسيّرة استهدفت مبنى محافظة حلب وتركت ثقباً في لوحٍ خرساني؟ وهذا أيضاً «تأطير». ففي هذه الصياغة تُنقل المسؤولية بعيداً عن قسد، فيما يُحجَب نطاق التفويض المحدود لحكومة الشرع عبر إغفال أنّها حكومة انتقالية. لا توجد تغطية صحافية بلا تأطير. وما يهمّ هو البقاء منفتحين على التفكير النقدي والتفسير التعدّدي، وهما أمران جوهريان للمصالحة التي تحتاجها سوريا.
وفيما يلي ثلاث نقاط لا تصمد فيها السردياتُ المهيمنة أمام التدقيق، وهي، بطبيعة الحال، قابلة للنقاش.
لا ينبغي قراءة اتفاق 10 آذار/مارس قراءة انتقائية
تقدّم روايةٌ واسعة الانتشار اتفاقَ 10 آذار/ مارس بوصفه «فرصةً ضائعة» من جانب قسد. ووفق هذا السرد، رسم الاتفاق مساراً واضحاً نحو الاندماج، غير أنّ قسد رفضت عروضاً معقولة قدّمتها دمشق، ولم تلتزم بالمهلة المتّفَق عليها مع نهاية عام 2025، الأمر الذي أدّى، بحسب هذه القراءة، إلى تفجّر التصعيد اللاحق. غير أنّ هذا الفهم يختزل الاتفاق إلى مسألة ضيقة تتمثّل في الاندماج العسكري، وغالباً ما يُوارى هذا الاختزال خلف لغة تقنية تتحدّث عن إصلاح قطاع الأمن. وفي الوقت نفسه، يتعامل مع الموقف التفاوضي للحكومة في دمشق على أنّه بديهيّ الشرعية وبراغماتيّ، ويُدار بحسن نية.
هذه القراءة لا تصمد أمام التدقيق. فقد انتُهكَت بنود جوهرية في اتفاق 10 آذار/مارس من قبل الحكومة الانتقالية نفسها. وأبرز ذلك ما ورد في النقطة الثالثة التي تدعو إلى وقف إطلاق نار على مستوى البلاد؛ إذ تمّ خرقها خلال أعمال العنف الواسعة النطاق التي ارتكبتها قوات حكومية في السويداء في تموز/ يوليو 2025. كما أنّ النقطة الأولى، التي تضمن حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية ومؤسّسات الدولة، يصعب التوفيق بينها وبين المسار شديد المركزية من أعلى إلى أسفل، الذي تهيمن عليه نخبة ضيّقة تدور في فلك الرئيس الشرع. ويُعدّ الإعلان الدستوري الصادر في آذار/ مارس 2025 مثالاً دالّاً على ذلك، سواء من حيث طريقة تشكيله أم من حيث أحكامه.
لا يمكن توليد زخمٍ حقيقي لدمجٍ عسكري وأمني بمعزل عن بقية المسارات. ففي أي سياق تفاوضي، يتوقّف التقدّم على وجود تقدم موثوق في مسائل التمثيل والمشاركة وسيادة القانون. وعلى النقيض من ذلك، فإنّ الاتفاق ذي النقاط الأربع عشرة الصادر في 18 كانون الثاني/ يناير كرّس بصورة أعمق نموذجاً لتشكّل الدولة تقوده مراسيم رئاسية أحادية، من دون التزامات مُلزمة تُرسّخ الحقوق السياسية ضمن دستور جديد.
يقوم جانبٌ كبير من السردية السائدة على افتراضٍ خلافي: وهو أنّ سوريا تمتلك بالفعل سلطةً دولاتية مكتملة الشرعية، يحقّ لها أن تؤكّد سيادتها على فاعلين يُوصَفون بأنّهم خارج إطار الدولة. والحال أنّ الواقع مغاير؛ إذ لا تزال سوريا في طورٍ انتقالي تتنازع فيه الأطرافُ ملامحَ الدولة ذاتها، وهو ما يتبدّى بأوضح صورة في غياب دستور دائم. إنّ التعامل مع السيادة بوصفها مسألةً محسومة يخلط بين القوة والشرعية. وبناءُ الدولة، بحكم تعريفه، يفترض أنّ السيادة تُنشأ على نحوٍ مشترك، لا أن تُفرَض كأمر واقع.
ترسيخ شبه الدولة ليس بناءً للدولة
تمتلئ البيانات الرسمية والتغطيات الإعلامية وتعليقات مجموعات الضغط بإشارات متكرّرة إلى «الاندماج في الدولة السورية الجديدة». ووفق القانون الدولي الرسمي، تحتفظ سوريا بصفة الدولة. غير أنّ الدولة نفسها، على المستوى التحليلي والسياسي، لا تزال قيد البناء. وعلى مستوى التعريف الأساسي، الدولة هي منظومة راسخة من المؤسّسات القادرة على ادّعاء احتكارٍ ناجح للعنف المشروع، واستخراج الموارد، وإدارة الإقليم، والتمتّع باعتراف داخلي وخارجي. أمّا الموجود في سوريا، فهو شبه دولة: سلطة تمارس سيطرةً إقليمية جزئية، وتؤدّي وظائف حوكمة محدودة، وتفتقر إلى السيادة الكاملة، وتنافس الجهات الفاعلة المسلّحة داخل صفوفها وخارجها، وضعف المؤسّسات، والاعتماد على الخارج، والاتّكاء على الإكراه.
حتى الآن، تعامل الرئيس أحمد الشرع مع هذه اللحظة بوصفها فرصةً لترسيخ «شبه الدولة»، لا بوصفها مساراً لبناء دولة بالمعنى الحقيقي. ووفق هذا المنطق، تُقدَّم السلطة المركزية القوية باعتبارها نقطة الانطلاق. وفي ظل غياب موافقة شاملة قابلة للإثبات، ومن دون آليات راسخة، على غرار هيئة انتقالية حكومية جامعة بالفعل، تصبح الأدوات المتاحة لتحقيق الترسيخ محصورةً، بالضرورة، في عقد تفاهمات مع النخب، أو اللجوء إلى القوة الغاشمة. أمّا بناء الدولة الحقيقي، الذي يتقاطع في الحالة السورية، بحكم الأمر الواقع، مع أسئلة بناء الأمة والهوية، فينطلق من منطقٍ مختلف تماماً؛ إذ تكون السلطة المركزية القوية نتيجةً لعقدٍ اجتماعي يتأسّس على المشاركة السياسية والتمثيل والموافقة.
إنّ إطلاق صفة «الدولة» على جهاز السلطة القائم هو، في جوهره، ادّعاءٌ للشرعية. ومن هنا يمكن فهم السبب الذي من أجله يلجأ كثيرون ممّن يروّجون للسردية الراهنة إلى استخدام مصطلحي «الدولة» و«الحكومة» بالتبادل، كما لو أنّهما مترادفان. وبهذه الطريقة يُمنَح ترسيخ السلطة بالإكراه شرعيةً مسبقة قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية، ويُعاد توصيف أي شكل من أشكال الاعتراض بوصفه «مناهضاً للدولة». ولسوء الحظّ أنّ هذه المنظومة الذهنية ليست بجديدة. فقد أتقن بشار الأسد توظيفها حين قدّم نظامه بوصفه حارس الدولة السورية، متعمّداً طمس الحدود بين الدولة والحكومة. وكان لويس الرابع عشر أكثر صراحة عندما أعلن قائلاً: «الدولة أنا».
قسد والإدارة الذاتية كانتا مليئتين بالاختلالات.. لكن هذه ليست القضية
بعد أن عبرت القوات الحكومية نهر الفرات، ثم انهارت قوات سوريا الديمقراطية، ومعها الإدارة الذاتية، وسط انشقاقات قبلية واسعة، اندفعت موجة من التعليقات لتصوير الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بوصفها كياناً غير شرعي ومختلّاً معيارياً، وأنّ فشلها كان محتوماً منذ البداية. ولا شكّ في أنّ الإدارة الذاتية لم تكن قط منارة للديمقراطية وحقوق الإنسان كما ادّعى مؤيّدوها. كما لم تكن قسد ذلك التحالف الشامل متعدّد الإثنيات كما قدّمت نفسها تسويقياً. فالواقع يتضمّن نزعات سلطوية، وتهجيراً قسرياً، واحتجازاً غير قانوني. لكن، مع اختلافات طفيفة، يمكن قول الشيء نفسه عن كلّ سلطة أمر واقع سيطرت على أرض في سوريا خلال العقد الماضي، بما في ذلك هيئة تحرير الشام (وهل ننسى الاحتجاجات المناهضة لها التي استمرّت عاماً كاملاً في معقلها بإدلب؟)، وكذلك، في نهاية المطاف، الحكومة الجديدة في دمشق.
لا ينفصل جانب كبير من الانشغال المفاجئ بغياب الحاضنة العربية لقسد، في جوهره، عن محاولة تبرير أمر واقع جرى فرضه. فهناك من يذهب إلى أنّ تقدّم قوات النظام لم يكن إلا تحريراً. ومن المؤكّد أنّ كثيراً من المجتمعات العربية رحّبت بالفعل بالقوات الحكومية بعد سنوات من شعورٍ بالإهانة جرّاء حكمٍ كردي (بينه عناصر وافدة)، غير أنّ هذه الحجّة تظلّ في المحصلة غير مقنعة. ذلك أنّ الهجوم على قسد لا يمكن، بصورة معقولة، إدراجه ضمن تفويض حكومة انتقالية، لأنّه مرشّح لإعادة رسم مسار البلاد السياسي لأجيال. فمسؤولية السلطة الانتقالية هي تيسير إعادة التوحيد بعد سنوات من التقسيم بحكم الأمر الواقع، لا فرضها بالقوة. وبالمنطق ذاته، يمكن تبرير هجومٍ مستقبلي على السويداء بحجّة أنّ الشيخ الهجري اغتصب سلطة الدولة وتواطأ مع إسرائيل. بل يمكن لهذا المنطق أن يبرّر أيضاً تدخّلاً وقائياً روسياً على الساحل بذريعة أنّ العلويين يحتاجون إلى حماية.
يُعدّ إصرار دمشق على أن تندمج جميع المجموعات المسلّحة قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية طرحاً غير معقول. فالقوات الكردية كانت في صراعٍ مفتوح منذ سنوات مع قطاعات واسعة من الجهازين العسكري والأمني القائمين حالياً، ولديها، لأسباب مفهومة، أزمة ثقة عميقة. وليست محاولات تعزيز نزع الشرعية عن الإدارة الذاتية وقسد عبر التركيز على نفوذ حزب العمال الكردستاني، وبالقول إنّ مساواة أكراد سوريا بفرعٍ تابع للحزب تُقصي الأكراد غير المنحازين، بلا وجاهة. غير أنّ ذلك لا يلغي حقيقتين مركزيتين: أولاهما التاريخ الطويل من التمييز المنهجي الذي تعرّض له الكرد في سوريا على أيدي حكومات قومية عربية متعاقبة؛ وثانيتهما الخشية الموثوقة من ارتكاب فظائع على يد القوات الحكومية. ينبغي أن تبقى القوة العسكرية دائماً خياراً أخيراً؛ ويصدق ذلك على نحوٍ خاص عندما يتعلّق الأمر بحكومة انتقالية مُكلّفة بإعادة تعريف وبناء أمةٍ ودولة.